الثلاثاء، 5 مايو 2026

حدث في مسجدنا.. لا تؤخِّروا الجنازة.. الجنازة أولاً..

آخر ما ينتفع به الميت في الدنيا هو الصلاة عليه والدعاء له. ومن المؤسف أن يُبتلى بعض أئمة المساجد بتقديم صلاة السُّنّة البعدية على صلاة الجنازة، مع أن صلاة الجنازة فرض كفاية، وتقديمها أولى بلا خلاف معتبر، خشية فواتها وتقليل عدد المصلين عليها.

إن تأخير دفن الميت بلا عذر شرعي يُعدّ مخالفةً صريحةً للسنة النبوية، وتجنّباً للهدي الصحيح. فلا يجوز التأخير إلا لضرورة معتبرة، كإجراءات التحقيق، وما سوى ذلك فهو تقصير في حق الميت، ومنافٍ لتكريم الإسلام للإنسان حيّاً وميتاً.

وما حدث في مسجدنا اليوم أمر مستنكر، إذ بعد انتهاء صلاة الظهر، ومع وجود جنازة تنتظر، قام أحد الشيوخ بإلقاء درس، متجاهلاً الجنازة والميت وأهله والمصلين، بحجة استعجاله، وكأن هذا الدرس لا يحتمل التأجيل لأنه منزّل من السماء! في وقتٍ تُقدَّم فيه حقوق الميت على الدروس والنوافل والمواعظ.

وقد وقع لغط وأخذٌ وردّ، وحين هممتُ بالتدخل أشار إليّ إمام المسجد أن أبقى بعيداً، فامتثلتُ احتراماً له، مع بقاء أصل الإشكال قائماً.

قال النبي ﷺ: «أسرعوا بالجنازة»، وهو توجيه واضح لا يحتمل التأويل، جرى عليه الصحابة والتابعون، ولم يكونوا يقدّمون عليه أمراً من أمور التطوع.

وعليه، فلا يصحّ شرعاً ولا يليق أدباً أن يُبدأ بالدرس ويُؤخَّر الناس عن الصلاة على الميت، لأن ذلك يؤدي إلى انصراف كثير من المصلين، فيُحرم الميت من دعائهم، ولا يبقى إلاّ أهله.

فالواجب تقديم صلاة الجنازة فوراً، ثم يُؤتى بالدرس بعد ذلك إن شُئتم، حفظاً لكرامة الميت، وامتثالاً للسنة، ورفعاً للحرج عن أهله، وتحقيقاً لمعنى الإحسان الذي أمر به الشرع.

"وأنا بدوري لا أُسامِحُ من يُقَدِّمُ أيَّ صلاةٍ نافلةٍ على صلاةِ جنازتي عند وفاتي.

الجمعة، 1 مايو 2026

جدلٌ مع عقلٍ مغلق

منذ أسبوعين، كان آخر يوم أصلّي فيه الجمعة في مسجد أبو بكر الصدّيق بالمركز الإسلامي في مدينة سان دييغو بولاية كاليفورنيا الأمريكية.

بعد الصلاة، وبين لقاءات دافئة مع إخوةٍ من جنسياتٍ متعددة، التقيتُ أفرادَ عائلةٍ تربطنا بهم خبزٌ وملحٌ وعِشرةٌ ورفقةٌ منذ عقود.

فاجأني أحدهم بسؤالٍ مباشر، كأنه امتحان ولاء:

من عدوك الأول: إسرائيل أم إيران؟

تجنّبتُ السؤال، لا عجزاً عن الجواب، بل رفضاً للانجرار إلى جدلٍ عقيم ينتهي إلى طريقٍ مسدود ويفسد ما بيننا من سنين.

لكنه أعاد السؤال بإلحاحٍ فظّ، ونظراتٍ مشحونة، وكأنه ينتظر إجابةً على مقاس قناعته. بدا واضحاً أنه يتابع كتاباتي ويعرف موقفي من إيران، ومع ذلك كرّر السؤال مرتين، فتجنّبت.

في المرة الثالثة، فرض إصراره الرد:
نعم، كلاهما عدوّان، ولا فرق في عداوتهما... هذا هو الجواب.

لم يحتمل الإجابة. انتفض، وغضب، وأراد حصر العالم في زاويةٍ واحدة: إسرائيل وحدها هي العدو.

قلتُ بهدوءٍ مقصود: إسرائيل دمّرت غزة وشرّدت أهلها، وإيران وميليشياتها دمّرت سوريا وقتلت وشرّدت أهلها أيضاً.

ازداد تصلّباَ، لا يبحث عن حقيقة، بل عن صدىً لرأيه، يكرّر أن إسرائيل وحدها العدو، وأن إيران صديقة.

حينها أدركت أن النقاش انتهى قبل أن يبدأ، لأن عقله سطحي محدود ومنحاز، يصادر الحقيقة ولا يبحث عنها، يدين جريمة ويبرّر أخرى.

فقطعت الجدل..
حسناً... أنت عدوك إسرائيل، وأنا عدوي إيران وإسرائيل، لكَ عدوّ واحد، ولي عدوان.

انهيت الجدل وغادرت بقناعة أن بعض العقول لا تسمع، بل تُملِي وتصادر الحقيقة.. عقولٌ عمياء لا ترى إلا ما تريد.. تاركاً صوته خلفي يردّد:

"إيران صديقة... ليست عدو... بل إسرائيل العدو."

الجمعة، 17 أبريل 2026

خلف شعارات الكرامة: ما الذي يُحاك في الظلام؟

تُحاك في الظلام تحركاتٌ مشبوهة، تتخفّى تحت مسمّى اعتصام “قانون وكرامة” (بدنا نعيش)، في ساحة المحافظة وسط مدينة دمشق.

لم يعد ما يجري مجرد دعوة عابرة لاعتصام، بل مشهد مكرر تُحاك خيوطه في العتمة، ويُقدَّم للناس بواجهة براقة من الشعارات التي أُفرغت من معناها.

“قانون”… “كرامة”… كلمات عظيمة، لكنهم يصرّون على استخدامها كأقنعة تخفي وراءها مشاريع لا تمتّ لها بصلة.

هناك من لم يتعلم من سقوطه، ولا من لفظ الشارع له، فعاد اليوم بوجوه جديدة وخطاب مُعاد تدويره، يحاول التسلل مجدداً إلى وعي الناس عبر بوابة المعاناة. نفس الأساليب القديمة: تضليل، تضخيم، واستغلال لحالة الغضب المشروع.

إن أخطر ما في الأمر ليس الاعتصام بحد ذاته، بل من يقف خلفه، ومن يحاول توجيهه، ومن يسعى لتحويله إلى أداة ضغط تخدم أجندات لا علاقة لها بمطالب الناس الحقيقية.

يريدون ساحة بلا وعي، وجمهوراً يُقاد بالعاطفة، لا بالعقل، لكن هذه المرة مختلفة.

هذه المرة، هناك من يرى بوضوح، من يميز بين الصوت الصادق والضجيج المصطنع، من يدرك أن الكرامة لا تُستعار كشعار، ولا تُستخدم كحصان طروادة لتمرير مشاريع مريبة.

لن نكون أدوات في أيدي أحد.
لن نُساق خلف دعوات ملغومة مهما تجمّلت بالكلمات.
ولن نسمح بتحويل وجع الناس إلى منصة لمن فشلوا بالأمس ويحاولون العودة اليوم.

الثورة الحقيقية ليست صراخاً… بل وعي.
وليست حشداً أعمى… بل موقفاً واضحاً.
ومن لا يزال يظن أن بإمكانه خداع الناس مرة أخرى،
فليعلم أن الزمن تغيّر… والوعي لم يعد يُخدع بسهولة.

الخميس، 16 أبريل 2026

دمشق.. حين أزهر الحلم من جديد

عادتِ السماءُ تمطر، لا كما اعتادت، بل كما لو أنّها تُغسِل ذاكرة دمشق، وتُعيد ترتيب الحكايات التي أثقلها الغبار، وتسلّلت البراعم الخضراء من شقوق الأرض، كأنّها رسائل حياةٍ كُتبت بعد طول صمت، وعادت الأشجار التي بدت يوماً هياكلَ صامتة، تهمس للريح: ما زال فينا ما يُزهر.

وانطلقت الأنهار، لا لتجري فحسب، بل لتبوح، كأنّ الماء استعاد صوته أخيراً، وكأنّ الينابيع تنبض من جديد بقلبٍ لا يعرف التوقّف.

لقد عاد الربيع..
لا كفصلٍ عابر، بل كوعدٍ يفتح أبواب الرجاء، وعدٌ بأنّ الأزهار لا تنسى طريقها، وأنّ الحبّ، مهما طال صمته، سيجد من ينطقه، وأنّ السعادة.. تلك الغريبة المؤجَّلة ستعود لتتجوّل في حدائق المدينة وبساتين غوطتها، كحلمٍ تأخّر كثيراً ثم استيقظ.

عادت العصافير..
لا إلى أعشاشها فقط، بل إلى نغمها الأول، وعادت أسراب الحمام ترسم في السماء دوائر من الطمأنينة، ثم تهبط فوق الأسطح، كأنّها تُرمّم ذاكرة البيوت لتستعيد نفسها نبضاً بعد نبض، واسماً بعد اسم.

عاد كلُّ شيء، بعد أن كاد كلُّ شيءٍ يُفقد، كأنّ الروح التي غابت طويلاً قرّرت أخيراً أن تعود.

وعاد الفرح..
لا خجولاً كما كان، بل واضحاً كالشمس، تبدّلت الوجوه التي اعتادت الشحوب، فصارت أكثر خفّة: ضحكات تتسرّب من بين التعب، عيون تلمع كأنّها تعلّمت الضوء من جديد، وخطوات أقلّ انكساراً، كأنّ المدينة وُلدت مرّةً أخرى، نهضت من رمادها، وكتبت نفسها بلغة الضوء. (بالتعبير الروحي الصوفي)

تغيّر كلّ شيء..
تلاشى ذلك الظلّ الثقيل الذي كان يُخيّم على الأزقّة، وانسحب الخوف من القلوب بهدوءٍ كأنّه لم يكن، لم يعد الهمس سيّد الكلام، ولم تعد العيون تفرّ من نظراتها، لأن في الهواء شيءٌ جديد… شيءٌ اسمه الحرية تُلمَس لأول مرّة.

وحديقةُ تشرين…
يُقترح أن تُسمّى “حديقةَ الأمويّين”، لاتّساعها وامتدادها كأنّها تتمّةٌ لها.

في الحديقة…
امرأةٌ مسنّة تبتسم لطفلٍ يطارد حمامة، وشابّ يضحك كأنّه يكتشف صوته للمرّة الأولى، وطفلةٌ تركض مع أقرانها كأنّ الأرض خُلقت لتحتمل خفّة خطواتها، وفتاةٌ تبتسم فيتسرّب الضوء من بين شفتيها، وعاشقان يتهامسان بخفوتٍ لا يُدرك، وزوجان يستعيدان، بهدوء، ذكرى الخطوبة.

في الرَّبوة…
وما أدراك ما الربوة! هنا.. على تخومِ الحكايةِ الأولى، وُلد المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام، فانبثقَ النورُ من رحمِ السكون، حيثُ ينفرطُ عقدُ نهر بردى إلى سبعةِ أنهر كأنّها أناملُ ماءٍ، تسقي غوطة دمشق وتُهدهدُ خُضرتها.

وهنا، تفترشُ العائلاتُ الدمشقيةُ الحصيرَ كأنّها تبسطُ قلبها للأرض، يتقاسمون الخبزَ والدفءَ على همسِ الماء، على خريرِ بردى، ذاك نهرُ الفردوس الذي يجري كخيطٍ من ذهبٍ في ذاكرةِ المكان.

وعلى طريق المطار..
لم يعد الطريق طريقًا فقط، بل صار فسحةً للقلوب، ازدحم بالعائلات، بالضحكات، بالخطوات التي لا تبحث عن وجهة، بل عن اتّساع، بعضهم يجلس على العشب، وبعضهم يمشي بلا سبب… إلا ليتنفّس.

طفلةٌ تسأل:
"ليش كل الناس مبسوطة؟"
فيجيبها صوتٌ هادئ، كأنّه يخرج من قلب المدينة:
"لأنهم أخيراً… يتنفسون."

نعم، الجميع يتنفس، فالهواء لم يعد كما كان، صار خفيفاً، نقياً، يشبه البداية حين تكون صادقة، بداية مدينةٍ أُنهِكَت طويلاً، وها هي الآن تستنشق ما غاب عنها:
هواء الحرية…
هواء النصر...
هكذا دمشق اليوم…
لا كما كانت، بل كما تستحق.

السبت، 11 أبريل 2026

أحنّ إليهم… كأنني لم أغادر قط

مع تقدم العمر، تتجلّى الوجوه من حولنا كأنها مرايا، تعكس خفايا وجودنا وتهمس لنا بحقيقتنا، فما الإنسانُ إلا كائنٌ خُلِقَ ليأنس، لا ليغدو جزيرةً موحشةً في بحر العزلة، بل قلباً يقترب ليكتمل، فإن ابتعد، أضاع دروبه في غربةٍ تسكنه، حتى يغدو لغزاً منغلقاً كرسالةٍ نسيها الزمن دون أن تُقرأ.

يشتد هذا التيه حين يرحل المرء بعيداً في سفرٍ تقطّعت فيه خيوط الرجوع، إذ عصَفت الحرب بين عدوين لا يُبكى على زوالهما، ولا يأسف على فنائهما، فيبقى هو وحده، معلّقاً بين أرضٍ لا تضمّه، وحنينٍ لا يخبو.

كلٌّ منا يحمل في ذاكرته محطاتٍ تتوهّج كنجومٍ بعيدة، ومواقفَ تنبض بحكاياتٍ لا يخفت صداها، ولو أن الزمن يعود بنا لحظةً، فنرسمها بألوانٍ أبهى، أو نُجيد فيها ما أخفقنا به، أو نقتلعها من جذورها قبل أن تمتدّ وتترك في القلب ندبةً خفيّة.

كم ننحني أحيانًا أمام من نحب، لا ضعفاً، بل حفاظاً على بهجة الحياة أن تتكسّر، ولو كان بوسع الإنسان أن يُسقط بعض لحظاته المتصلّبة، لربما عاش سعادةً صافية، لا يشوبها كدر.

كان يجلس قرب النافذة في مساءٍ هادئ، يحدّق في فراغٍ لا يراه سواه، تتسلّل إليه الذكريات كما لو كانت زوّاراً قدامى يعرفون الطريق إلى قلبه دون استئذان.

لم تكن مجرد صورٍ عابرة، بل حكايات كاملة، بكل تفاصيلها، بكل ما فيها من ضحكاتٍ وندم.

توقّف عند ذكرى بعينها… يومٌ بسيط، ربما لم يكن يستحق كل هذا الحضور، تذكّر كيف تمسّك برأيه بعناد، كيف اختار أن ينتصر لنفسه بدل أن يحتضن من يحب.

ابتسم بمرارة، وقال في سرّه:

لو عاد بي الزمن… لكنت أكثر ليناً، وأكثر رحمةً.

صار يفهم الناس أكثر، ويشعر بقيمتهم كما لم يفعل من قبل، ثم جاءت الغربة التي لم يتوقعها! لم تكن مجرد سفرٍ إلى مكانٍ بعيد، بل كانت شعوراً ثقيلاً.

هناك، كان كل شيء يبدو ناقصاً، الوجوه غريبة، الأصوات مختلفة، وحتى الصمت كان له طعمٌ آخر، أدرك أن الإنسان لا يُخلق ليعيش وحده، وأن العزلة، مهما بدت هادئة، تُخفي في أعماقها وحشةً باردة، أصبح صامتاً، منغلقاً، يراقب العالم من بعيد دون أن يلمسه.

في صباح الأمس، كان جالساً يحتضن فنجان قهوته بين يديه، وقد أرخى جفنيه قليلاً فإذا به ينزلق بعيداً، عائداً إلى شرفة بيته في وطنه.

هناك، تسلّل صوت فيروز كنسيمِ هادئٍ يلامس الروح، والهواء مشبع بدفء الألفة القديمة، ذلك الدفء الذي لا يُشترى ولا يُنسى، وعلى غصن شجرة الجيران، التي غرست جذورها في طابق الأرضي، وامتدت أغصانها تلوّح لشرفته كأنها تعرفه، كان الدوري يغرّد كأنه يستدعي طفولته من بين الغياب.

وصوت “الستيتية” الحمامة، ذات البقع السوداء المنقطة على رقبتها، وهي واقفة على كابل الكهرباء، ينساب مألوفاً، كأنه جزء من ذاكرته لا ينفصل عنها، وارتفعت ضحكات حبيته من حوله، تتردد في المكان كأنها لم تغب يوماً.

غمرته سعادة دافئة، خفيفة كحلمٍ جميل، ثم فتح عينيه فجأة، فعاد كل شيء إلى برودته الأولى.

تنفّس بعمق، وأدرك أن تلك اللحظات البسيطة الجميلة التي مرّت يوماً، صارت الآن كنوزاً بعيدة، يستحضرها كلما ضاقت به الغربة، وان هناك نصوصٌ يكتبها الشوق، لا تُقال!

في تلك اللحظة، فهم شيئاً لم يفهمه من قبل، فهم أن الغربة ليست في البعد عن المكان فقط، بل في البعد عمّن نحب، وأن الشوق ليس ضعفاً، بل دليلٌ على أن في القلب أشياء حيّة، ترفض أن تموت، فحين تُهاجر الأرواح تبقى القلوب معلّقة بين الذاكرة والحنين.


الجمعة، 3 أبريل 2026

القطار الذي لم أنتبه له

حين دعتني ابنتي لقضاء بضعة أيام مع أحفادي، لم أتردد، كان في قلبي شوقٌ كبير، شوقُ الجدّ لأطفاله الصغار، وشوقُ المسافر إلى لحظة دفءٍ عائلية قبل عودته إلى دمشق، لكن الزمن، كعادته، لا يسير دائماً كما نشتهي.

كنتُ في سفرٍ قصير، لا يتجاوز أسبوعاً، حين اندلعت الحرب فجأةً بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهةٍ أخرى.

خلال ساعات، تغيّر كل شيء.. أُغلقت الأجواء، توقفت الرحلات، وأُلغيت تذكرة عودتي.

وجدتُ نفسي عالقاً في الغربة، بعيداً عن وطني، لا أملك سوى الانتظار.

كنتُ أتابع الأخبار بشعورٍ متناقض، شيءٌ من الارتياح لأن من دمّروا بيوتنا، وشردوا أطفالنا، وهجّروا أهلنا، باتوا يتقاتلون، ولا أسف على أيٍّ منهم… وقلقٌ ثقيل لأن الطرق إلى وطني أُغلقت، حتى مطار دمشق صار صامتاً كمدينةٍ مهجورة.

مرّت الأيام بطيئة، حتى جاء خبرٌ صغير، لكنه بدا لي كنافذةٍ في جدار: الخطوط الأردنية أعادت رحلاتها إلى عمّان، ومنها يمكن العودة برّاً إلى دمشق.

عندها، عاد إليّ الأمل دفعةً واحدة، أدركتُ كم أن الوطن يسكننا، بل يعيش في وجداننا، شهران فقط ابتعدتُ عنهما، لكنهما بدوا كعمرٍ كامل.

قبل أن يحين موعد العودة، قررتُ تلبية دعوة ابنتي، كانت تبعد ساعةً ونصفاً بالقطار، اشتريتُ تذكرة، وذهبتُ إلى المحطة أحمل معي شوقاً وذهناً مثقلاً بالأسئلة.

وصلتني رسالة تُخبرني أن القطار سيتأخر، ثم رسالة أخرى تؤكد الأمر نفسه. وقفتُ قرب الرصيف، أتنقّل بين أفكاري: ماذا لو أُغلقت الرحلات مجدداً؟ ماذا لو ضاعت فرصة العودة كما ضاعت من قبل؟

كنتُ هناك… جسداً فقط.

وحين وصل القطار، لم أكن حاضراً بالكامل.

فُتِحَت الأبواب، صعد الناس، وصعدتُ معهم بلا تفكير، كأنني أهرب من الانتظار. جلستُ في مقعدي، أراقب الوجوه دون أن أراها.

تحرّك القطار..
وفي اللحظة التي بدأ فيها بالابتعاد، انتبهتُ فجأة وكأن أحدهم أيقظني من حلمٍ ثقيل:
هذا ليس قطاري!

نهضتُ مرتبكاً، توجّهتُ إلى الموظفة، وطلبتُ إيقاف القطار.

نظرت إليّ بهدوءٍ وقالت:
"لا يمكن… القطار يسير وفق جدولٍ دقيق."

عدتُ إلى مقعدي ببطء.

خارج النافذة، كانت المحطة تبتعد ومعها شيءٌ في داخلي. شعرتُ أنني لم أخطئ في ركوب قطارٍ فحسب، بل في ترك ذهني يضيع في زحام القلق.

في تلك اللحظة فهمت:
بعض الأخطاء لا تأتي من الجهل، بل من الشرود ومن غيابنا عن اللحظة التي نعيشها.

خطأٌ صغير…
لكنّه كان كافياً ليذكّرني أن الإنسان، حين يفقد انتباهه، قد يركب القطار الخطأ في حياته… ويمضي.

سار القطار عشرين دقيقة قبل أن يتوقف عند المحطة التالية، وكنت غارقاً في حيرةٍ صامتة: أأنزل هنا، أم أؤجل قراري إلى محطةٍ أخرى؟

كان السؤال بسيطاً في ظاهره، لكنه يحمل في داخله ثِقل الاختيار… ذلك الثقل الذي لا يُقاس بالوقت، بل بما يتركه في النفس من أثر.

لكن القطار لم يمهلني طويلاً، فما إن ترددتُ حتى انطلق من جديد، تاركاً خلفه حيرتي معلّقة بين قرارٍ لم يُتخذ، ووقتٍ لا يعود.

حينها أدركت أن الحياة، كالقِطار، لا تنتظر المترددين، وأن الفرص لا تعلن رحيلها، بل تمضي بصمتٍ تاركةً لنا ضجيج الندم.

التفكير يبدو سهلًا، أما اتخاذ القرار فهو الامتحان الحقيقي، فالعقل يُجيد رسم الاحتمالات، لكن القلب وحده يتحمّل عواقب الاختيار.

حسمتُ أمري أخيراً دون تردد: سأنزل في المحطة القادمة. لم يكن القرار شجاعةً خالصة، بل مزيجاً من خوفٍ وتأخرٍ ورغبةٍ في استعادة السيطرة.

وبعد عشرين دقيقة أخرى دفعت خلالها ثمن شرود ذهني، توقف القطار، فاندفعت خارجه مسرعاً قبل ان يتحرك ثانية، كأنني أحاول اللحاق بقرارٍ تأخر كثيراً.

في تلك اللحظة، شعرت أن الإنسان لا يركض نحو المكان بقدر ما يركض نحو نسخةٍ منه كان يمكن أن يكوّنها لو اختار في الوقت المناسب، فنحن لا نطارد الأماكن… بل نطارد احتمالات أنفسنا التي لم تتحقق.

سألتُ إحدى السيدات المنتظرات عن قطاري الذي فاتني، فأجابت بهدوء: سيصل إلى هذه المحطة قريباً.

كان جوابها بسيطاً، لكنه أعاد ترتيب فوضى داخلي، كأن الحياة تقول لي إن بعض ما نفقده لا يضيع، بل يتأخر فقط، بشرط أن نبقى في الاتجاه الصحيح.

تنفستُ الصعداء، وحمدت الله أن القطار الذي استقللته خطأً كان يسير في الاتجاه نفسه، فلو مضى عكسه، لابتعدت عن وجهتي أضعافاً، وربما طال التيه.

عندها أدركت أن الأخطاء ليست كلها سواء، فبعضها يقودنا خفيةً إلى ما نريد، وبعضها الآخر يفتح أبواب الضياع، الفرق بينهما ليس في الخطأ ذاته، بل في الاتجاه الذي نسير فيه ونحن نخطئ.

وأخيراً...
وصل القطار، ووصلتُ معه، كانت وجهتي لا تزال هناك، وكان الجميع في انتظاري، وكأن شيئاً لم يحدث… إلا في داخلي.

ففي داخلي تغيّر شيء ما، صرتُ أعلم أن القرارات المؤجلة ليست بلا ثمن، وأن التردد شكلٌ خفي من أشكال الفقد، وأن الوصول لا يعني دائماً أننا سلكنا الطريق الصحيح، بل أحياناً يعني فقط أننا لم نبتعد كثيراً.

ومنذ ذلك اليوم، لم أعد أنظر إلى المحطات كأماكن عابرة، بل كاختباراتٍ صغيرة للوعي، ولا إلى القطارات كوسيلة انتقال، بل كتشبيهٍ دقيقٍ للحياة، فهي تمضي، سواء كنا مستعدين أم لا، وتترك لنا دائماً سؤالاً واحداً…
هل اخترنا فعلاً، أم أننا فقط تأخرنا في الاختيار؟

هذه كانت حكايتي... حكاية رجلٍ أضاع لحظةً فكسب وعياً.

الجمعة، 27 مارس 2026

الطابور الخامس.. العدو الذي يسكن بيننا..

ليس الخطر دائماً فيما يأتي من الخارج، بل فيمن يعيش بيننا، ويتكلم بألسنتنا، ويطعن أوطاننا من الداخل.

الطابور الخامس ليس مجرد مصطلح عابر، بل هو واقع يتكرر في كل أزمة تمر بها الدول، هم أولئك الذين يتصدّرون المشهد كلما صدر قرار، فيحوّلونه إلى مادة للتهويل والتشكيك، ويعملون ليل نهار على بث الفوضى وزعزعة الثقة، وكأنهم في مهمة دائمة لخدمة أعداء الوطن دون مقابل.

ظهر هذا المفهوم لأول مرة في إسبانيا في القرن العشرين، لوصف العملاء المندسين الذين يمهّدون الطريق للعدو من الداخل.

واليوم، لم يعد الطابور الخامس بحاجة إلى أن يختبئ في الظل، بل أصبح ظاهراً عبر الشاشات والمنصات، يتحدث ويؤثر ويوجّه.

في كل دولةٍ مستهدفة، يبدأ العدو من الداخل قبل الخارج، بزرع أدواته في مفاصل المجتمع، هؤلاء يصبحون أدوات تخريبٍ ناعمة، يتجسّسون بالفكرة، فيهدمون بالكلمة ويشعلون الفتنة بالشائعة.

ومع كل حدث تمر به المنطقة، ينكشف وجه جديد من وجوه هذا الطابور، فنرى من يبرر، ومن يطبّل، ومن يزيّف الحقائق، وكأن ذاكرة الشعوب قد مُسِحَت، أو كأن الدماء والمعاناة لم تكن يوماً حقيقة.

المشكلة أن الطابور الخامس ليس وجهاً واحداً، بل وجوهٌ متعددة: سياسيٌّ يحرّف البوصلة، وإعلاميٌّ يضلّل ويهوّل، ومتستّرٌ بالدين يستغل العقيدة لتفريق الناس، وآخر من العامّة يروّج ما يضر مجتمعه دون وعي، لكن سلاحهم الأشد فتكاً يظل الشائعة، فهي الشرارة التي تُشعل الفوضى وتُضعف الصفوف.

هكذا تُدار الحروب اليوم.. بالكلمة قبل الرصاصة، ووراء ذلك يقف حاقدون ومغرضون، يستثمرون الفوضى، ويغذّون الانقسام، ويتخذون من الكذب سلاحاً لتمزيق المجتمعات وضرب خصومهم.

قد يبدأ الأمر بخبرٍ صغير يُضخَّم حتى يغدو أزمة، أو بكذبةٍ تُكرَّر حتى تُلبس ثوب الحقيقة، أو بحقيقةٍ تُبثّ في غير أوانها فتتحول إلى أداة أذى !!

لهذا، فإن المعركة الحقيقية في الوعي، وليست على الأرض فقط، فكن يقظًا أيها السوري ولا تنساق خلف كل ما يُنشر، ولا تكن أداةً بيد غيرك دون أن تشعر، فالأوطان لا تسقط بقوة أعدائها وحدهم، بل بضعف وعي أبنائها، والوعي هو الحصن الأول والأخير في وجه كل من يسعى لإضعافها.

السبت، 7 مارس 2026

حين تنتصر دعوات المظلومين

لقد شاء الله أن تتأخر المواجهة بين أمريكا وإسرائيل وإيران إلى ما بعد انتصار الثورة السورية وتطهّر الأرض من الوجود الإيراني وأذنابه.

فلو بقيت إيران متغلغلة في سوريا، لكانت دمشق اليوم في قلب النار، ولربما اجتاحتها موجات الدمار كما اجتاحت مدناً كثيرة، لكن خروج إيران كان لحظةً فاصلة في مسار الأحداث، لحظةٌ حمت دمشق من مصيرٍ أشد قسوة.
 
لقد أذاق الله إيران وولاية الفقيه وحزب الله من جنس ما أذاقوه للشعب السوري، فالشعب السوري قد شُرِّد، وذُبح، وقُتل، وهُجِّر من أرضه ودياره.

غير أن أنين المظلومين لم يُضع، ودعواتهم لم تذهب سدى، بل ظلّت ترتفع إلى السماء حتى جاء وعد الله الحق، وكأن صداها يتردد:

وعزّتي وجلالي لأنصرنّك ولو بعد حين.

الجمعة، 6 مارس 2026

عقول مسطّحة ووهم المقاومة...

عندما يتسطّح العقل، لا يرى إلا زاوية واحدة، ولا يقرأ إلا السطح، يكتفي بالمشهد الخارجي، ويعجز عن الغوص في جذور الصورة:
كيف تشكّلت؟
ومن صاغها؟
ولمصلحة من؟

لا يزال كثير من المكوعيين اليوم، من المصفّقين لنظام الأسد ونظام الملالي، يهمسون في الخفاء بدعم إيران وثورتها الخمينية، وكأن هذا الولاء يعلو على كل اعتبار.

لقد استحوذ حبُّ طهران على قلوبهم وعقولهم، وما زالوا يترحمون على حسن نصر الله والوليّ الفقيه علي الخامنئي، غير مبالين بما إذا كانت المعتقدات الشيعية تسيء إلى الصحابة وأمهات المؤمنين، في نظرهم، الشيعة هم المقاومون الحقيقيون لإسرائيل وأمريكا، وكل ما سواهم لا يهمّ.

على مدى سبعة وأربعين عاماً منذ الثورة الخمينية، غرق أتباعها بعقول ضحلة، بينما إيران تزرع الخراب في العراق والشام ولبنان واليمن، سعياً لإكمال "هلالها الشيعي".

لكن الحقيقة التي يغفلون عنها أنّ إيران وملحقاتها ليست إلا أداة لأمريكا وإسرائيل، تعمل لتفتيت الشعوب وزرع الفتن وزعزعة الاستقرار في الوطن العربي.

عقولهم المسطّحة لم ترى إيران تدعم أمريكا في حرب العراق، ولم تسمع عن فضيحة "إيران كونترا"، ولم تدرك خيانتها للشعوب في احتلال العراق وأفغانستان، حتى لم تسمع تصريحات محمد علي أبطحي، نائب الرئيس الإيراني، عن تعاون بلاده مع أمريكا لإسقاط صدام حسين وطالبان.

هذا والله انحدارٌ مخزٍ في الوعي وتسطيحٌ فجّ لعقولهم الضحلة، ألم يروا كيف جرى تسليع قضية فلسطين وتحويلها إلى ورقة مساومة تتاجر بها إيران، ترفع راية “التحرير” لتخدير البسطاء واستدرار عواطف المخدوعين؟ حتى حسن نصر الله انحرفت بوصلته، فتوهم أن تحرير فلسطين يمكن أن يُشاد على أشلاء السوريين ودمائهم، وكأن الدم السنّي العربي صار وقوداً لمشاريع النفوذ لا لقضيةٍ عادلة.

ألم تشاهد عيونهم الاحتلال الإيراني لسوريا، ودعمها لبشار الأسد في تهجير 14 مليون سوري، واغتصاب النساء، وذبح الأطفال، وتدمير المدن، جنباً إلى جنب مع ميليشياتها الشيعية من شذاذ الآفاق.

إلى متى ستظل عقولهم حبيسة سطحية التفكير، يعيشون في وهم ما يسمّى بـ"المقاومة"، بينما يكشف الواقع حجم الخيانة والدمار الذي يزرعه النظام الإيراني أينما حلّ؟


الأحد، 1 مارس 2026

سوريا ما بعد قتل الخامنئي فرصة تاريخية لبناء منظومة أمن عربي مشترك..

مضى قرنٌ على اتفاقية سايكس بيكو التي فتَّت الجسد العربي والإسلامي، وأعادت تشكيل خريطة المشرق العربي، وأسهمت في تقسيم المنطقة إلى كيانات سياسية متفرقة، تفاوتت في قدراتها وتباينت في مواقفها، فتقاربت أحياناً وتنازعت أحياناً أخرى.

واليوم، تبدو المنطقة العربية والإسلامية وكأنها تقف أمام مرحلة جديدة من التحولات الاستراتيجية، حيث تتبدل موازين القوى وتُعاد صياغة التحالفات وفق معطيات سياسية واقتصادية وأمنية أكثر تعقيداً.

إن صعود التنين الصين عسكرياً واقتصادياً، وتنامي نفوذه العالمي، قد أثار قلق الولايات المتحدة، ولا سيما في ظل سعيها للحفاظ على موقعها كقوة مهيمنة في النظام الدولي، وهو ما انعكس بدوره على طبيعة التنافس في المنطقة العربية، التي تمثل محوراً حيوياً في معادلات الطاقة والممرات البحرية والأسواق الناشئة.

وفي خضمّ هذا المشهد المتشابك، ومع انحسار المدّ الشيعي في المنطقة عقب قطع رأس أفعته "علي خامنئي"، تجد الدول العربية نفسها أمام لحظة تاريخية فارقة تستوجب مراجعة عميقة لواقعها السياسي والاقتصادي، فالمتغيرات الإقليمية المتسارعة لم تعد تسمح بسياسات ردّ الفعل أو الارتهان لمحاور خارجية، بل تفرض تبنّي رؤية استراتيجية قائمة على تعزيز التكامل العربي، وتفعيل آليات التنسيق المشترك، وصياغة منظومة مصالح متبادلة تحمي الأمن القومي العربي وتؤسس لدور أكثر فاعلية في نظام دولي سريع التحول.

وفي هذا السياق، تبرز سوريا اليوم، بعد سقوط نظام الطاغية "بشار الأسد" وانفتاحها دبلوماسياً على المجتمع الدولي، بوصفها دولة محورية في إعادة تشكيل منظومة الأمن الإقليمي، فموقعها الجغرافي، وعمقها الحضاري، وصلاتها التاريخية بمحيطها العربي والإسلامي، تؤهلها لتكون ركيزة أساسية في أي مشروع لاتفاقية دفاع مشترك، تقوم على مبدأ احترام السيادة، ومنع التدخلات الخارجية، ومكافحة التنظيمات المتطرفة بكافة أشكالها.

غير أن نجاح مثل هذا المشروع يظل مرهوناً بقدرة الدول العربية على تجاوز خلافاتها، فالمستقبل لن يُصاغ إلا عبر شراكات حقيقية، تقوم على المصالح المتبادلة والتنمية المستدامة، وتستند إلى إرادة سياسية واعية تدرك أن قوة المنطقة تكمن في وحدتها، وأن أمنها لا يتجزأ.

وبذلك، قد تتحول هذه المرحلة من مجرد لحظة اضطراب إقليمي إلى نقطة انطلاق نحو نظام عربي أكثر تماسكاً، وأكثر قدرة على التأثير في معادلات الإقليم والعالم.

فهل تنجح الدول العربية في تحويل التحولات الجارية إلى مشروع نهضوي جامع تكون فيه سوريا حجر الزاوية وبوابة العبور إلى نظام عربي أكثر تماسكاً، أم تضيع هذه الفرصة كما ضاعت فرص تاريخية سابقة؟

الأحد، 1 فبراير 2026

حين تصبح فاتورة الكهرباء عبئاً، تخرج أصوات معادية

لقد فوجئ المواطن السوري بارتفاع فواتير الكهرباء دون أي مبرر، في حين أن التيار الكهربائي مازال لا يصل على مدار الساعة وينقطع لفترات.

الفاتورة تضاعفت عشرات المرّات مقارنةً بما كانت عليه سابقاً، على الرغم من أن الإنتاج والنقل والتوزيع جميعها تحت إشراف الدولة، وتحديداً وزارة الكهرباء والمؤسسات التابعة لها.

السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل أصبحت الكهرباء خدمةً أساسية للمواطن، أم تحوّلت إلى عقوبة له؟


الكهرباء ليست منّة أو تفضّلاً من الدولة كما كان في عهد الأسد، بل هي حق أساسي من حقوق المواطن، وخدمة يجب أن تضمنها الحكومة بجودة عالية وبأسعار معقولة تتناسب مع متوسط الدخل الفردي للمواطن السوري.

لا يمكن إنكار أن ساعات وصل التيار الكهربائي تحسّنت مقارنةً بالسابق، لكن بدل أن تصبح خدمة متطورة تُحسّن حياة المواطن، تحوّلت بعد ارتفاع الفاتورة إلى عبء ثقيل وضريبة قاسية لا يطيقها أحد.

وفي خضمّ هذا الواقع، خرجت علينا كثيرٌ من الأصوات النشاز المؤيّدة للنظام البائد، مستغلّةً الحريةَ اللامحدودة في الحكم الجديد وديمقراطيته. وهي أصواتٌ مدفوعةٌ من جهاتٍ حاقدةٍ على انتصار الثورة ووحدة البلاد أرضاً وشعباً، استغلّت مظاهرةً احتجاجيةً على ارتفاع كلفة الفاتورة لتنتقد الحكومة وتتطاول عليها بألفاظٍ نابية، وكأنّهم عاشوا حياةً هادئةً ومرفّهةً في أيام النظام المخلوع، متناسين سنوات الخوف والتهديد المستمر التي عايشها السوريون.

لقد نسيَ هؤلاء تقبيل البوط العسكري، واختباء الشباب داخل منازلهم خوفاً من الحواجز الأمنية والعسكرية، وعيشهم تحت تهديد دائم وخوف يومي بلا رحمة.

لقد نسيَ هؤلاء حقبة الرعب اليومي، حيث كان الخوف يحكم الشوارع، والإذلال الممنهج يفرض نفسه على كل حركة، والعيش تحت تهديد مستمر لمجرد التنفس خارج إرادة الأجهزة الأمنية.

لقد نسيَ هؤلاء الخوف الذي كان يطارد كل خطوة، والاعتقال الذي كان يهدد كل نفس، والمهانة المفروضة يومياً بلا رحمة.

لقد نسيَ هؤلاء... فهل اشتاقوا إلى حكم البسطار ؟

السبت، 24 يناير 2026

القامشلي... حكاية مدينة لم تكن في الحسبان

على أطراف الخرائط، حيث تتعانق الحدود وتضيع المسافات بين الدول، وُلدت القامشلي !!

لم تولد من رحم حضارة قديمة، ولا استظلّت بظل قلعة أو عاصمة منسية، بل خرجت إلى الوجود صدفة، ثم أضفى البشر عليها الروح، فتحولت إلى مدينة تنبض بالحياة.

تقع القامشلي في شمال شرق سوريا، ضمن محافظة الحسكة، عند مثلث تلاقي الحدود السورية والتركية والعراقية، هناك، حيث يختلط التاريخ بالجغرافيا، غدت المدينة مركزاً إدارياً وتجارياً مهماً، وواحدةً من أكبر مدن المحافظة وأكثرها حركةً وتأثيراً.

اكتسبت القامشلي نشاطها بموقعها الحدودي مع تركيا، ومنحتها الأرض خيرها بسخاء، تمتد حولها حقول القمح والعدس والشعير كبحرٍ ذهبي، وتتناثر الثروة الحيوانية في محيطها، أسهمت حقول النفط القريبة في تسريع نبضها الاقتصادي، وعلى ضفاف نهر الجغجغ (الجعجع) الذي يشق المدينة بهدوء، حيث يكثر نبات القصب، وُلد اسمها «القامشلي» الذي يعني القصب، اسمٌ بسيط مثل نشأتها، لكنه صار عنواناً لمدينة كاملة.

بعد الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية، رُسِمَت الحدود الجديدة بقلم المنتصرين، ومع الانتداب الفرنسي على سوريا عام 1920م، تحولت سكة الحديد (برلين – بغداد) عند نصيبين إلى خط فاصل بين بلدين.

 هناك، وقفت نصيبين في الشق التركي، (مدينة نصيبين تاريخياً تابعة لبلاد الشام) بينما بدأت القامشلي تتشكل في الجانب السوري، مدينتان متقابلتان، يفصل بينهما خطٌ سياسي، ويجمعهما تاريخٌ واحد، حتى بات كثيرون يخلطون بينهما إلى اليوم.

حكاية القامشلي...
أقام الفرنسيون مخفراً حدودياً ومحطة قطار على الجانب السوري، في منطقة زراعية تضم قرى عربية مسلمة وسريانية وآشورية وكلدانية فتحول المكان إلى نقطة جذب لجأ إليه الأرمن الهاربون من الأناضول، وبالتالي هاجر الأكراد من تركيا هرباً من القوميات المتشددة بعد تأسيس الجمهورية التركية.

في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، وبعد فشل الثورات الكردية في كردستان تركيا، ومنها ثورة الشيخ سعيد بيران عام 1925م التي قامت ضد سياسة التتريك، نزح عدد كبير من الأكراد الأتراك إلى شمال شرق سوريا، ولا سيما إلى القامشلي ومنطقة الجزيرة، لتشكل هذه الموجة أكبر مرحلة تأسيسية للوجود الكردي في القامشلي.

وفي فترات لاحقة، خلال الصراعات المتكررة في كردستان العراق في الثلث الأخير من القرن العشرين، وخاصة بعد حملة الأنفال، لجأ العديد من الأكراد إلى سوريا، واستقر بعضهم في القامشلي.

وفي ثمانينيات القرن الماضي، ومع اندلاع الصراع المسلح بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني (PKK)، تدفقت إلى القامشلي موجات جديدة من الهجرة الكردية، وبعد عام 2011، ومع الثورة السورية، استقرت في المدينة عائلات عديدة من مختلف مناطق كردستان، فامتدت القامشلي ونمت، لا بأسوارها، بل بالبشر.

اليوم، يقترب عدد سكان القامشلي وضواحيها أكثر من نصف مليون نسمة، ينتمون إلى فسيفساء بشرية نادرة الألوان والأنغام: العرب والسريان والآشوريون والكلدان والأرمن والأكراد، مجتمعون على أرض واحدة، هذا الخليط لم تخلقه السياسة وحدها، بل نسجته الهجرات ودفء البحث عن الأمان، وحكايات العيش المشترك.

وبهذا، لم تكن القامشلي مجرد مدينة من حجر، بل كانت مدينة الأعراق واللغات، ومرآةً لتاريخٍ حافل بالهجرات والتلاقي، لم تختَر الأرض مكانها، لكنها اختارت أن تحتضن الجميع، وُلدت صدفةً على الحدود، لتصبح وطناً لكل من عبر إليها، وبقيت صامتةً وشاهدةً على أن المدن، مثل البشر، تُعرَف بروحها ودفئها، لا بأصولها أو جذورها.


الاثنين، 19 يناير 2026

حين نهضت الجزيرة وسقط القيد، عاد الفرات إلى اسمه ومعناه

عاثت قسد ميليشيا قنديل في جسد الجزيرة السورية فساداً أسودَ، فحوّلت الأرض الطاهرة إلى ساحات قتل، وارتكبت بحق أهلنا الأبرياء جرائم تندى لها الجباه، إجراماً منظماً لا يعرف الرحمة، خلّف دماراً لا تُحصيه الأرقام، وخراباً لا تمحوه السنين، ووصمة عارٍ لا تُغتفر.

اليوم…
اليوم نهض الحق من تحت الركام، وبإرادة الله أولاً، ثم بسواعد صناديدنا الأبطال، فارتفعت راية الكرامة فوق أنقاض الظلم، وخُطّت ملاحم النصر بأيدٍ لم تعرف القيد، ولا انحنت يوماً للطغيان.

أربعة عشر عاماً من الإجرام كانت كافية لفضح كل الأعداء أمام العالم، لكنها كانت أعجز من أن تكسر إرادة شعبٍ خُلق حرّاً، ولا يعرف معنى الانكسار !

اليوم...
عادت الجزيرة الفراتية لأهلها عالية الراية، مرفوعة الرأس، ثابتة العهد إلى يوم القيامة.

اليوم...
ومن القلب إلى القلب نبارك لشعبنا السوري الأبي هذا اليوم العظيم، ونخصّ أهلنا في الجزيرة بعودة الفرات إلى اسمه، إلى روحه، إلى معناه الحقيقي، عاد متطهّراً من رجس جبال قنديل، فراتاً حرّاً صافياً كما خُلق، صادق الانتماء، سوريَّ الهوى والهوية، يشهد أن الماء لا يُستعبد، وأن الأرض لا تخون أبناءها، وأن الحق مهما طال اغترابه لا بد أن يعود.

اليوم سورية أعلنتها مدوّية:
أنا عصيّة على السقوط، شامخة كشموخ الجبال، صامدة كجريان الأنهار، ينفجر الفرح من قلبي عزّةً لا تنحني، ويزدهر النصر في شراييني بقلوبٍ فولاذية لا تلين، فنبض بواسلي حيّ، وزئيرها لا يعرف الهزيمة.

الخميس، 1 يناير 2026

السنة الشمسية نظام كوني من آيات الله لا بدعة فيها.. عام جديد..

السنة الشمسية ليست أمراً مُحدَثاً من الناس، بل هي نظام كوني جعله الله تعالى آيةً من آياته، تقوم عليه حياة البشر، وبه تُعرَف الأزمنة وتُحسب السنين.

وهي المدّة التي تكمتل فيها الأرض دورتها حول الشمس، وقد أشار القرآن الكريم إلى دقّة هذا النظام بقوله تعالى:

﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ أي أنّ الكون يسير وفق حسابٍ دقيق لا يختل.

وبهذا الحساب عرف الناس الفصول الأربعة (الصيف والخريف، والشتاء، والربيع)، وانتظمت حياتهم من زراعة وسفر ومعاش.

وعلى هذا الأساس قسّم أجدادنا الشتاء إلى أربعينيّة وخمسينيّة، وسمّوا الأزمنة (سعد بلع، والدابح، والسعود، والخبايا)، وسمّوا الجمرات (الأولى، والثانية، والثالثة)، وعرفوا أوقات الانقلابين الربيعي والخريفي، وكلّ ذلك من فهمهم لسنن الله في الكون.

فالسنة الشمسية، مثل السنة القمرية، كلتاهما من تقدير الله، وكلتاهما وسيلة لمعرفة الوقت وتنظيم الحياة، فلا قداسة لإسم أو رقم بذاته، وإنما العبرة بما يوافق شرع الله، ولا حرج في استخدام ما ينظّم شؤون الناس ومعاشهم.

أما ميلاد عيسى عليه السلام، فإنّ القرآن الكريم بيّن زمنه بوضوح، حين قال تعالى على لسان مريم عليها السلام:

﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾

ورُطَبُ النخيل لا يكون في كانون الثاني، وإنّما يكون في أواخر الصيف وبداية الخريف، ممّا يدلّ على أنّ مولده عليه السلام لم يكن في هذا الوقت الذي يُشاع بين الناس، أي في شهر كانون الثاني.

ولذلك، لا ينبغي أن يكون التهنئة بدخول عام جديد سبباً للخلاف أو الجدل، ما دامت النيّات صادقة، والقلوب متعلّقة بالله.

فالأيام تمضي، والسنون تتعاقب، والعبرة ليست بالأرقام، بل بما نقدّمه فيها من طاعةٍ وتقوى، وإصلاحٍ للنفس، وإحسانٍ إلى الناس، فالسنة الشمسية آية من أيات الله لا بدعة فيها.

نسأل الله أن يجعل أعوامنا أعوام خير وقرب منه، وأن تكون شاهدةً لنا لا علينا، وأن يرزقنا صدق النيّة وحسن العمل.

وكلّ عام وأنتم بخير.


الجمعة، 26 ديسمبر 2025

الجبال التي حكمت المدن... العلوية النصيرية

العلوية، أو النصيرية، فرقةٌ خرجت من ظلال التاريخ، وتكوّنت في القرن التاسع الميلادي على يد محمد بن نصير النميري، القادم من بصرة العراق، من قبيلة نمير. استقر أتباعها على تخوم الجبال، على الساحل السوري، وفي سفوحه الوعرة، ثم تمددوا إلى دمشق وأرياف حمص وحماة، وتفرّقوا في تركيا ولبنان، يحملون معهم سرّ العقيدة وغموض الانتماء.

هي فرقةٌ باطنية، نسجت معتقدها من خيوط فلسفات وأديان متداخلة، وأحكمت عليه أقفال السرية، فلا يُفشى إلا للخاصة، ولا يُفتح بابه إلا لمن وُلد داخل الأسوار، من أبوين نصيريين، كأنها دائرة مغلقة لا تعرف الداخل إلا من رحمها.

وتتوزع النصيرية السورية على أربع عشائر كبرى: الخياطين، والمتاورة، والحدادين، والكلبية، ومنها خرجت عائلة الأسد، التي ستكتب لاحقاً فصلاً دامغاً في تاريخ البلاد.

في معتقدهم، يتجلّى الإله في علي بن أبي طالب، ويغدو محمد ﷺ حجابًا نورانياً بين الروح والمادة، ويصبح سلمان الفارسي باب العبور إلى الحقيقة الإلهية، فتُبنى العقيدة على تثليثٍ غارق في الرمز: علي… محمد… سلمان.

ويؤمنون بتناسخ الأرواح، حيث الجسد ليس إلا قميصاً ضيقاً، تسكنه الروح مؤقتاً، ثم تخلعه عند الموت، لتتحرر وترتحل إلى جسدٍ آخر، في دورةٍ لا تنتهي، ولا تعرف الحساب الأخير.

حين وطئت أقدام الاستعمار الفرنسي أرض سوريا، غيّر المحتل الاسم قبل أن يغيّر الواقع، فاستبدل (النصيريين) بـ (العلويين)، محاولةً لتجميل الصورة وتهيئة القبول، فتبدّل جبال النصيريين إلى جبال العلويين، ثم جاء حافظ الأسد، فمحا الاسم مرة أخرى، وأطلق عليها جبال اللاذقية، وكأن تغيير اللافتة كفيل بتغيير الذاكرة.

ومن دهاليز حزب البعث العربي الاشتراكي، صعدت الطائفة إلى الحكم، مستفيدةً من الانقلابات الدامية في ستينيات القرن الماضي، فسيطرت على مفاصل الدولة والجيش، وحين أمسك حافظ الأسد بزمام السلطة عام 1970م، بدأت حقبتهم الذهبية، خرجوا من عزلة الجبال، ونزلوا إلى المدن، وامتزجوا قسراً بنسيج المجتمع السوري.

لم تدخل تلك السلطة المدن إلا غريبةً عنها، فلم تستطع التصالح معها، ولا أن تفهم روحها، فدخلتها وهي تحمل ميراث الارتياب، تخاف ناسها ويخيفها اتساعها، فاختارت ان تحكم البلاد بقبضةٍ من حديدٍ ونار، وبالخوف بدل الانتماء، وبالعصا بدل العدالة.

شدّت قبضتها الحديدية على البلاد، وأطلقت وحوش أجهزتها الأمنية، فصار القمع قانوناً، والاستبداد عقيدة، ومصادرة الحريات طقساً يومياً.

تمدّد الفساد كالعفن في جسد الدولة، وانهار الاقتصاد تحت أقدام اللصوص، وغابت العدالة حتى كأنها لم تكن، وضاقت السجون حتى ابتلعت الأجساد والأحلام معاً.

لكن الشعوب لا تموت، فحين بلغ الظلم منتهاه، نهض الغضب السوري كالإعصار، فحطّم القيود، واقتلع جذور الطغيان، وحرّر وطنه في معركة ردع العدوان، في الثامن من كانون الثاني عام 2024م. هناك، أُسدل الستار الأخير على سلطةٍ وُلدت في الظل، وصُنعت في الظلام، فلم تحتمل نور العلن، فسقطت أمام نور الثورة، واندثرت تحت أقدام الأحرار.

الأربعاء، 24 ديسمبر 2025

حين تُداس الاتفاقات، تسقط الأقنعة أمام اختبار الوطن

لم يبقَ سوى أسبوع واحد على انتهاء اتفاق العاشر من آذار 2024م، الاتفاق الذي وقّعه الرئيس أحمد الشرع مع مظلوم عبدي، قائد ميليشيا (قسد)، غير أنّ ما جرى على الأرض يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن هذا الاتفاق لم يكن لدى الطرف الآخر سوى ورقة للاستهلاك المؤقت، سرعان ما مزّقتها (قسد) بإرادتها، عبر خرقٍ فاضح ومتعمد في حييّ الأشرفية والشيخ مقصود شماليّ حلب، حيث استُهدفت الأحياء السكنية بالرشاشات الثقيلة، في رسالة عدوانية واضحة مفادها الاستخفاف بالدولة، وبأي التزام وطني أو أخلاقي.

إنّ ما تقوم به (قسد) ليس خرقاً مبرراً، ولا خطأً عابراً، ولا تجاوزاً ميدانياً، بل سلوك انفصالي ممنهج طعناً في ظهر الدولة ينفّذ أجندات معروفة، ويعمل بوعي كامل على زعزعة الأمن، واستنزاف الوطن، وجرّ البلاد إلى مربعات الفوضى.

فكل محاولة لتبرير هذه الأفعال أو التخفيف من خطورتها ليست سوى تواطؤ سياسي مفضوح، أو عجزٍ مخزٍ عن تسمية الأشياء بأسمائها.

إنّ المعركة اليوم ليست معركة آراء، بل معركة وجود، ومن لا يقف في صف الدولة في هذه اللحظة، فقد اختار موقعه بوضوح.

إننا نناشد كل وطنيٍّ حرّ أن يُرجئ نقده وتجريحه وقدحه وذمّه للحكومة السورية، وأن يصبّ جهده ويشدّ عزيمته في خندقٍ واحد، حاشداً قدراته إلى جانبها، في مواجهة أعداء سوريا من انفصاليين وفلول، ومن يقف خلفهم ويحرّك خيوطهم من الظل لتمزيق ما تبقّى من وحدة الوطن، فالاتفاق سقط والعدو انكشف ووحدة سوريا اولاً وما دونها خيانة.

ونقول للمتذمّرين الساخطين الناقمين من الشرائح السياسية وغيرها، إنّ الاستمرار في جلد الذات وفتح النار على الحكومة السورية لا يُعدّ معارضة ولا نقداً، بل خدمة مجانية لأعداء سوريا، وانخراطاُ بقصد أو بسذاجة  في المشروع ذاته الذي تحمله الميليشيات الانفصالية والفلول ومن يشغّلهم من الخارج، فلا تذمر بعد اليوم، إمّا مع الدولة أو مع الانفصال.

السبت، 13 ديسمبر 2025

رغالات العصر...خفافيش الظلام التي طعنت الوطن

كان أبو رغال رجلاً واحداً خان قومه ودلّ أبرهة الحبشي إلى الكعبة، فصار مثلاً للخيانة في التاريخ العربي، لكن ما نراه اليوم يجعل خيانة أبي رغال تبدو عملاً ساذجاً مقارنة بما صار يمارسه بعض أبناء هذا الزمن بوجوهٍ تعرف معنى الخسة ولا تعرف معنى الوطن، فلنكفّ عن المجاملات، ولنمزّق قناع (حرية الرأي) الذي يتستر خلفه البعض لتبرير سقوطهم الأخلاقي.

ما اسم من يتعمّد خنق وطنه؟ من يلعق يد العدو ويطعَن شعبه؟ من ينسّق مع جهات معادية بلا حياء؟ هؤلاء ليسوا أصحاب رأي، هؤلاء خطرٌ على الأرض التي تمشي بهم، ووصمة على كل ما تبقى من الشرف الوطني.

عانى الشعب السوري وحكومته الجديدة لعامٍ كامل في معركة شرسة لإلغاء قانون قيصر الذي مزّق حياة السوريين وعمّق مأساتهم، قانونٌ صاغته واشنطن لمعاقبة الأسد فصار سوطاً على رقاب الناس قبل أن يمس النظام نفسه، وحين انهار نظامه وترك أتباعه يتخبطون خلفه، بقي الشعب وحده يواجه الخراب.

ثم، عندما صوّت مجلس النواب أخيراً لرفع العقوبات عن السوريين، لم يحتمل بعض السياسيين السوريين سقوط مشاريعهم القذرة، فظهروا على الشاشات مكشوفين، بوجوهٍ باردة تشتعل من الداخل حقداً، ويتلوّون غيظاً لأن مخططاتهم السوداء لإبقاء العقوبات على شعبهم فشلت.

كانوا يريدون لإخوتهم أن يظلوا محطمين، لأن بقاءهم محطمين كان طريقهم الوحيد للنفوذ والمال.

والحقيقة المُرّة أن أبا رغال بخيانته الصارخة أشرف منهم جميعاً، فقد خان مرة واحدة وبشكل علني، أما هؤلاء، فهم رغالات معاصرون، خفافيش سياسية، يتحرّكون في العتمة، يقتاتون على خراب الوطن، ويجيدون الطعن في الظهر أكثر مما يجيدون قول كلمة حق واحدة، يبدعون بطعن وطنهم بالعتمة قبل أن تفضحهم الشاشات وتكشف وجوههم الحقيقية.

هؤلاء وأمثالهم ومن يدافع عنهم ليسوا أصحاب رأي، بل أدوات هدم، يتعمدون خنق الوطن لخدمة مصالحهم الصغيرة أو أجندات من يدفعون لهم.

هؤلاء لا يستحقون حتى لقب الخائن، فالخيانة عندهم ليست سقوطاً، بل طبيعة.

الخميس، 11 ديسمبر 2025

حين خذلت الأحزاب السياسية شعبها، ولدت قيادة ملهمة غيرت مسار المستقبل وأعادت للشعب مهابته.

في حين لحظة من أشدّ لحظات مسار الثورة السورية قسوة، وحين بلغ السوريون حدّ اليأس من إمكانية إسقاط النظام.

وحين تراجعت قدرات قوى المعارضة، على اختلاف توجهاتها سواء كانت علمانية أم إسلامية، عن الاستمرار في مواجهة النظام الفاسد المستبد وداعميه، وخيّم الظلام على المشهد برمّته.

وحين تلاشى الأمل بالنصر وانسداد الأفق السياسي والعسكري، واتجه المجتمع الدولي لتأهيل نظام الأسد ثانية، وتمكينه من البقاء عقوداً أخرى جلّاداً للشعب السوري.

وحين بلغ الشعب السوري ذروة الإحباط واليأس والتشتّت، واشتدّت عليه خيبات الأمل والانكسار، بقي فريقٌ استثنائي يشعّ إيماناً لا يخبو ويقيناً لا يتزعزع، فريقٌ مضى في طريقه بثباتٍ لا يعرف التراجع، تقوده شخصية قدّرها الله لحمل هذه المهمّة الدقيقة والحسّاسة، فسار بما منحه الله من بصيرة نافذة وحكمة راسخة. *{وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً}*

كان حضوره شرارة حاسمة أطلقت معادلات قلبت المشهد برمّته، جاء هذا القائد ليحطّم جدران الإحباط التي خنقت القوى السياسية والعسكرية والشعبية، وشلّت حركة الجماعات والأحزاب والطوائف، جمع الصفوف الممزّقة، ونفخ فيهم روح الإرادة، ورسم طريقًا جديداً أعاد للسوريين أملاً غاب عنهم لسنوات طويلة.

وجاء الثامن من كانون الأول، الذكرى الأولى لتحرير الشام من قبضة نظام الأسد، ليشكّل خروج الناس بالملايين في كل المدن، دليلاً واضحاً على التفاف الشعب السوري حول قيادته الجديدة، مُعبِّراً بوضوح عن تمسّكه بمنهج العمل والإنجاز، ومتجاوزاً محادثات أستانة ودماها الهزلية من خلافات وتوتر وتشتت.

كان جزء من هذه الرسالة الشعبية موجَّهة إلى الأحزاب بأن المرحلة الراهنة تستدعي توحيد الصفوف بدلاً من التنازع، وأن كل فرد قادر على خدمة وطنه متى توفرت النية الصادقة، كما تؤكد هذه اللحظة التاريخية الحاجة إلى الترابط لا التباعد، وإلى تغليب المصلحة الوطنية على الخلافات والصراعات حول المواقع والمكاسب.

غير أن هذا التحول والانجاز العظيم الذي حققه هذا القائد وفريقه لم يُرضِ الجميع، فبعض من تجاوزتهم هذه القيادة الشرعية، وجدوا أنفسهم يتأرجحون بين اللوم والنقمة، وبين الحقد والضغينة، ولجأ بعضهم إلى التخلي عن ثوابته السياسية، ليظهر في قنوات معادية لمجرّد تسجيل اعتراض أو انتقام شخصي، وهو سلوك لا يخدم إلا أعداء الثورة من الفلول والانفصاليين والخونة.

والحقيقة لم تعد خافية على أحد أنّ جزءاً كبيراً من الشخصيات المنضوية تحت مظلات الأحزاب والجماعات المعارضة يعيش اليوم في أوروبا وأمريكا، حيث تتوافر ظروف معيشية مريحة لا تشبه بأي شكل ما يعيشه السوريون في الداخل، وكثير منهم مستقر في بيوت مريحة وينعم بحياة غربية هادئة، ولا يعود إلى سوريا إلا خلال زيارات متباعدة، بينما يبقى نشاطه السياسي من الخارج، بعيداً عن واقع الناس وتحدياتهم اليومية.

هذا الانفصال بين المعاناة الحقيقية في الداخل وبين المعارضة الخارجية جعل السوريين يشعرون بأنّ هؤلاء لم يختبروا حتى جزءاً يسيراً من الألم الذي تحمّله المواطن المقيم داخل البلاد أو حتى من خرج منها مضطراً خلال سنوات الثورة.

لقد سئم السوريون من أشكال المعارضة كافة، بعدما فقدوا ثقتهم بها نتيجة تراكمات طويلة من الخيبات، فالدور التقليدي للمعارضة، المتمثّل في مراقبة أداء الحكومة والحد من سلطاتها، أصبح اليوم يقوم به الناس أنفسهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث بات المواطن يوثّق، وينتقد، ويُظهر أي خلل أو تجاوز بشفافية غير مسبوقة، كما أنّ وظيفة المعارضة في منع الاستبداد لم تعد حكراً عليها، فالشعب بات أكثر وعياً وقدرة على رفض أي محاولة لعودة الديكتاتورية.

أما الحديث عن تداول السلطة عبر الانتخابات، فهو بدوره مفتوح أمام الجميع. فكل من يرى في نفسه القدرة على خدمة البلاد يمكنه أن يعود، ويستقر، ويقدّم مشاريعه، ويترشّح، ويترك الحكم النهائي للشعب في صناديق الاقتراع، فالشرعية تُصنع من الداخل، ومن التفاعل المباشر مع الناس، لا من الخارج.

اليوم، سوريا ما زالت في مرحلة حساسة تحتاج فيها إلى ترميم ما دُمّر، وإعادة من هُجّر، وتحقيق الاستقرار، فنصف الشعب ما زال خارج دياره، وثلثا البلاد ما يزال تحت الأنقاض، بينما يستمر أعداء الداخل والخارج بمحاولات إضعاف الدولة وإفشال أي مسعى للاستقرار، في مثل هذا الظرف، تبدو البلاد أحوج إلى العمل والالتفاف حول مشروع وطني واضح، لا إلى معارضة مشتتة لا تملك حضوراً حقيقياً بين الناس.

إنّ السوريين اليوم يريدون فعلاً لا قولاً، وحضوراً حقيقيّاً لا صوراً تُلتقط من بعيد، ومن أراد أن يكون ممثلاً للشعب، فليكن أولاً جزءاً من معاناته اليومية، وجزءاً من الحل داخل الحدود لا خارجها.

الثلاثاء، 9 ديسمبر 2025

حين عادت الشام إلى وجهها الحقيقي

قوافلٌ لا تُحصى من السيارات، تتدفق في شوارع الشام كنبضٍ عائدٍ من الموت، محمّلة بوجوهٍ أنهكتها السنين، وبأعلام الجمهورية العربية السورية الحديثة التي ترفرف كقلوبٍ ماتت ثم عادت تنبض من جديد.

في هذا اليوم، ذكرى العام الأول لتحرر الشام من قبضة الاستبداد، بدا الهواء نفسه كأنه يبكي ويضحك في اللحظة ذاتها.

الأناشيد الثورية تندفع من نوافذ السيارات، كأنها في رحلة طويلة منذ سنوات لم تجد جواباً إلا الآن.

السوريون يصرخون، يهتفون، يبتسمون بدموعٍ جافة من الفرح، كل سيارة تحمل نشيداً، وكل نشيد يحمل جرحاُ، وكل جرح يحمل وطناً كاملاً على كتفيه.

لكن سبعة كلمات من نشيداً واحداً  اخترقني: مهما جاروا عليه وداروا، وطني مقدسين حجاروا.

لا أعرف من صاحبه، ولا من نظم كلماته، لكن ما أعرفه أن روحي ارتجفت لحظة سمعتها، كنت على شرفة بيتي أرفع علماً (كان من يرفعه قبل التحرير يضحّي بحياته)، علماً يشبه الذاكرة أكثر مما يشبه القماش، كل خيط فيه حكاية معتقل، وكل نجمة فيه نصفُ مليون شهيد، وكل لون يحمل وجوه الثكالى والأرامل، وكل نبضة فيه تُعيد إلى الذاكرة ملايين شُرّدوا وفكرة العودة لم تغادرهم يوماً، ويديّ تلوحان به كأنما تسابقان الريح.

نعم… حجارة بلدي مقدّسة، أرضٌ باركها الأنبياء، ألم يذكرها رسول الله ﷺ ويشر إلى أن الملائكة تبسط أجنحتها عليها، الم يقل ﷺ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا في شَامِنَا؟

للمرة الأولى شعرت بأنني أنتمي إلى وطن، وأن العلم الذي أرفعه هو جزء من كياني، ساعات قضيتها على الشرفة حتى خارت ذراعاي، كأنني أحمل على كتفي ثقل وطن كامل، لا مجرد قطعة قماش، عندما أرفع علمي، يفيض فيّ شعور الانتماء لبلدي الحقيقي، ذلك العلم الذي نرفعه كلّفَ مليون معتقل، ومليون ونصف شهيد، وأربعة عشر مليون مهجر ونازح، ومنه أحسّ بوجع من ضحّى، وبقوة الروح التي ما زالت تنبض فيه.

ومع ذلك لم أستطع التوقف، فالناس من السيارات يلوّحون لي، من الأرصفة، من النوافذ، كأننا جميعاً نكمل حركةً إيقاع بدأها أول شهيدٌ ولم يُكملها.

وعلى طرف المشهد الآخر، هناك في الظلال، يقبع الخائنون، والانفصاليون، والفلول، والشبيحة، والمكوعون، الذي اعتادوا العيش على قهرنا وإذلالنا، فتكدّرت أرواحهم اليوم، يظنون أن صمتنا يعني استسلامنا، فإذا بالحق يرتفع ويثور على كل طاغية حاول دفن الوطن، وأرواح تنهض بعزّة لم تنكسر، وأيادي تلوّح، لتعلن أن الكرامة حيّة، وأن الأمل لا يموت، شعبٌ كان يُراد له أن يُمحى فإذا به يعود، يهتف، يغني، ويُلوّح لسماءٍ بدأت أوّل خيوطها تتطهّر.

هذا اليوم ليس مجرد احتفال، بل روحٌ تعود إلى جسدها بعد غياب، تحمل كل ما فينا من تناقضات: تحمل صرخة، ودمعة، وثورة، وفرح، ووجع، ويأسٌ يغتسل بالأمل، وغضبٌ يرقد تحت السكينة، وحزنٌ يتطهّر ليبدأ الصلاة براحة وطمأنينة.

هذا اليوم… كان وجه سوريا الحقيقي!!

الاثنين، 8 ديسمبر 2025

الذكرى الأولى لفتح دمشق...ميلاد زمن سوري جديد

لم تكن بلاد الشام بمنأى عن الغزوات والقهر عبر تاريخها، غير أن وطأة بعض المآسي لا تُقاس بزمان حدوثها بقدر ما تُقاس بعمق الجرح الذي تخلفه.

ومن المؤسف أن ما خلّفته الغزوات عبر التاريخ لا يوازي ما تركه النظام البعثي الأسدي الاستبدادي الحديث من ألم وآهات وجروح وندوب عميقة في وجدان المجتمع السوري.

لقد تفوّق نظام حافظ وبشار الأسد على أسوأ حقب القمع بنسخته الأمنية، وبطشه المنهجي، وجرائمه بحق المجتمع والدولة معاً.

فعلى مدى ستة عقود كاملة، وجد السوريون أنفسهم تحت حكمٍ جعل من الدولة هيكل فارغ، وحوّل مؤسساتها إلى أدوات للسيطرة، فقلَبَ المجتمع إلى ساحة خوف تُحكم بالرعب والترهيب.

لقد تخطّى الاستبداد حدود القمع المعتاد، ليتحوّل إلى مشروع طمس الوعي، وإخراس الأصوات، وتفكيك البنية الوطنية، في سبيل ترسيخ سلطة لا تُحاسَب ولا تُراجَع، ولا ترى في الوطن إلا مزرعة تُدار لخدمة الحاكم وشبكاته الأمنية.

وفي ظل هذا النمط من الحكم، تآكلت الحياة العامة، وتراجع دور القانون، وانكمشت مساحة الأمل، حتى اختنق المجتمع تحت سطوة الأمن واحتكار السلطة وتغوّل الأجهزة، ونتيجة لذلك، نشأت شريحة من “التشبيح الشعبي” وظفت نفسها لصالح هذا النظام المجرم، متباهية بالتقاط الصور مع زعماء مليشياته الطائفية لتستقوي على أهلها وجيرانها وتتعالى عليهم.

واليوم، في الذكرى الأولى لفتح دمشق وتحريرها من رجس الأسد ونظامه، عمَّ الأمان على كل أبناء سوريا باختلاف انتماءاتهم، ليتمكنوا من عبور مصالحة وطنية شاملة.

فتحرير دمشق لم يكن سقوط منظومة بشار الأسد وأبوه فحسب، بل بدء رحلة استعادة وطن نُهبت روحه، وإعلان فجرٍ تُحفظ فيه الكرامة قبل أي شيء.

إنها اللحظة التي يقول فيها السوريون بصوت واحد: إن زمن الحكم الفردي المطلق قد انطوى، وإن الإرادة الشعبية اليوم هي التي تكتب الصفحة الأولى في كتاب سورية الجديد.

يا لها من ذكرى كسرِ قيدٍ أنهك البلاد، وبنى فوق صدور أهلها جبالاً من الفساد، فتخلخلت القيم، وانحرفت الأخلاق، وتحوّلت المدن إلى ساحات يعبث فيها التائهون، والمستهترون، وشذّاذ الآفاق.

يا لها من لحظة يرتفع فيها الوعي الجمعي، ليشهد أن الشعوب، مهما طال صبرها، قادرة على كسر الخوف وإشراق الحرية، وإسقاط أكثر الأنظمة صلابةً ووحشيّة.

فمن الآن فصاعداً، لن يجد خائنٌ ولا انفصالي، ولا مستبد ولا مفسد، ولا شبيح، موطئ طمأنينة، سيبقون في قلق، فالأوطان لا تفتح ذراعَيها للغدر والخيانة، فلا نامت أعين الجبناء.

عاشت سوريا حرّة أبيّة...

حدث في مسجدنا.. لا تؤخِّروا الجنازة.. الجنازة أولاً..

آخر ما ينتفع به الميت في الدنيا هو الصلاة عليه والدعاء له. ومن المؤسف أن يُبتلى بعض أئمة المساجد بتقديم صلاة السُّنّة البعدية على صلاة الجنا...