آخر ما ينتفع به الميت في الدنيا هو الصلاة عليه والدعاء له. ومن المؤسف أن يُبتلى بعض أئمة المساجد بتقديم صلاة السُّنّة البعدية على صلاة الجنازة، مع أن صلاة الجنازة فرض كفاية، وتقديمها أولى بلا خلاف معتبر، خشية فواتها وتقليل عدد المصلين عليها.
إن تأخير دفن الميت بلا عذر شرعي يُعدّ مخالفةً صريحةً للسنة النبوية، وتجنّباً للهدي الصحيح. فلا يجوز التأخير إلا لضرورة معتبرة، كإجراءات التحقيق، وما سوى ذلك فهو تقصير في حق الميت، ومنافٍ لتكريم الإسلام للإنسان حيّاً وميتاً.
وما حدث في مسجدنا اليوم أمر مستنكر، إذ بعد انتهاء صلاة الظهر، ومع وجود جنازة تنتظر، قام أحد الشيوخ بإلقاء درس، متجاهلاً الجنازة والميت وأهله والمصلين، بحجة استعجاله، وكأن هذا الدرس لا يحتمل التأجيل لأنه منزّل من السماء! في وقتٍ تُقدَّم فيه حقوق الميت على الدروس والنوافل والمواعظ.
وقد وقع لغط وأخذٌ وردّ، وحين هممتُ بالتدخل أشار إليّ إمام المسجد أن أبقى بعيداً، فامتثلتُ احتراماً له، مع بقاء أصل الإشكال قائماً.
قال النبي ﷺ: «أسرعوا بالجنازة»، وهو توجيه واضح لا يحتمل التأويل، جرى عليه الصحابة والتابعون، ولم يكونوا يقدّمون عليه أمراً من أمور التطوع.
وعليه، فلا يصحّ شرعاً ولا يليق أدباً أن يُبدأ بالدرس ويُؤخَّر الناس عن الصلاة على الميت، لأن ذلك يؤدي إلى انصراف كثير من المصلين، فيُحرم الميت من دعائهم، ولا يبقى إلاّ أهله.
فالواجب تقديم صلاة الجنازة فوراً، ثم يُؤتى بالدرس بعد ذلك إن شُئتم، حفظاً لكرامة الميت، وامتثالاً للسنة، ورفعاً للحرج عن أهله، وتحقيقاً لمعنى الإحسان الذي أمر به الشرع.
"وأنا بدوري لا أُسامِحُ من يُقَدِّمُ أيَّ صلاةٍ نافلةٍ على صلاةِ جنازتي عند وفاتي.