الثلاثاء، 5 مايو 2026

حدث في مسجدنا.. لا تؤخِّروا الجنازة.. الجنازة أولاً..

آخر ما ينتفع به الميت في الدنيا هو الصلاة عليه والدعاء له. ومن المؤسف أن يُبتلى بعض أئمة المساجد بتقديم صلاة السُّنّة البعدية على صلاة الجنازة، مع أن صلاة الجنازة فرض كفاية، وتقديمها أولى بلا خلاف معتبر، خشية فواتها وتقليل عدد المصلين عليها.

إن تأخير دفن الميت بلا عذر شرعي يُعدّ مخالفةً صريحةً للسنة النبوية، وتجنّباً للهدي الصحيح. فلا يجوز التأخير إلا لضرورة معتبرة، كإجراءات التحقيق، وما سوى ذلك فهو تقصير في حق الميت، ومنافٍ لتكريم الإسلام للإنسان حيّاً وميتاً.

وما حدث في مسجدنا اليوم أمر مستنكر، إذ بعد انتهاء صلاة الظهر، ومع وجود جنازة تنتظر، قام أحد الشيوخ بإلقاء درس، متجاهلاً الجنازة والميت وأهله والمصلين، بحجة استعجاله، وكأن هذا الدرس لا يحتمل التأجيل لأنه منزّل من السماء! في وقتٍ تُقدَّم فيه حقوق الميت على الدروس والنوافل والمواعظ.

وقد وقع لغط وأخذٌ وردّ، وحين هممتُ بالتدخل أشار إليّ إمام المسجد أن أبقى بعيداً، فامتثلتُ احتراماً له، مع بقاء أصل الإشكال قائماً.

قال النبي ﷺ: «أسرعوا بالجنازة»، وهو توجيه واضح لا يحتمل التأويل، جرى عليه الصحابة والتابعون، ولم يكونوا يقدّمون عليه أمراً من أمور التطوع.

وعليه، فلا يصحّ شرعاً ولا يليق أدباً أن يُبدأ بالدرس ويُؤخَّر الناس عن الصلاة على الميت، لأن ذلك يؤدي إلى انصراف كثير من المصلين، فيُحرم الميت من دعائهم، ولا يبقى إلاّ أهله.

فالواجب تقديم صلاة الجنازة فوراً، ثم يُؤتى بالدرس بعد ذلك إن شُئتم، حفظاً لكرامة الميت، وامتثالاً للسنة، ورفعاً للحرج عن أهله، وتحقيقاً لمعنى الإحسان الذي أمر به الشرع.

"وأنا بدوري لا أُسامِحُ من يُقَدِّمُ أيَّ صلاةٍ نافلةٍ على صلاةِ جنازتي عند وفاتي.

الجمعة، 1 مايو 2026

جدلٌ مع عقلٍ مغلق

منذ أسبوعين، كان آخر يوم أصلّي فيه الجمعة في مسجد أبو بكر الصدّيق بالمركز الإسلامي في مدينة سان دييغو بولاية كاليفورنيا الأمريكية.

بعد الصلاة، وبين لقاءات دافئة مع إخوةٍ من جنسياتٍ متعددة، التقيتُ أفرادَ عائلةٍ تربطنا بهم خبزٌ وملحٌ وعِشرةٌ ورفقةٌ منذ عقود.

فاجأني أحدهم بسؤالٍ مباشر، كأنه امتحان ولاء:

من عدوك الأول: إسرائيل أم إيران؟

تجنّبتُ السؤال، لا عجزاً عن الجواب، بل رفضاً للانجرار إلى جدلٍ عقيم ينتهي إلى طريقٍ مسدود ويفسد ما بيننا من سنين.

لكنه أعاد السؤال بإلحاحٍ فظّ، ونظراتٍ مشحونة، وكأنه ينتظر إجابةً على مقاس قناعته. بدا واضحاً أنه يتابع كتاباتي ويعرف موقفي من إيران، ومع ذلك كرّر السؤال مرتين، فتجنّبت.

في المرة الثالثة، فرض إصراره الرد:
نعم، كلاهما عدوّان، ولا فرق في عداوتهما... هذا هو الجواب.

لم يحتمل الإجابة. انتفض، وغضب، وأراد حصر العالم في زاويةٍ واحدة: إسرائيل وحدها هي العدو.

قلتُ بهدوءٍ مقصود: إسرائيل دمّرت غزة وشرّدت أهلها، وإيران وميليشياتها دمّرت سوريا وقتلت وشرّدت أهلها أيضاً.

ازداد تصلّباَ، لا يبحث عن حقيقة، بل عن صدىً لرأيه، يكرّر أن إسرائيل وحدها العدو، وأن إيران صديقة.

حينها أدركت أن النقاش انتهى قبل أن يبدأ، لأن عقله سطحي محدود ومنحاز، يصادر الحقيقة ولا يبحث عنها، يدين جريمة ويبرّر أخرى.

فقطعت الجدل..
حسناً... أنت عدوك إسرائيل، وأنا عدوي إيران وإسرائيل، لكَ عدوّ واحد، ولي عدوان.

انهيت الجدل وغادرت بقناعة أن بعض العقول لا تسمع، بل تُملِي وتصادر الحقيقة.. عقولٌ عمياء لا ترى إلا ما تريد.. تاركاً صوته خلفي يردّد:

"إيران صديقة... ليست عدو... بل إسرائيل العدو."

حدث في مسجدنا.. لا تؤخِّروا الجنازة.. الجنازة أولاً..

آخر ما ينتفع به الميت في الدنيا هو الصلاة عليه والدعاء له. ومن المؤسف أن يُبتلى بعض أئمة المساجد بتقديم صلاة السُّنّة البعدية على صلاة الجنا...