"نحن لا نقاتل لننتصر، فالشرفُ أجدرُ أن ندافع عنه، وابنتي ليلى أمانةٌ في أعناقكم !"
(يوسف العظمة)
هذه الأيقونة الوطنية، التي دافعت عن شرف وطنها، تركت أثراً في أعماقي منذ طفولتي.
(هشام الحمصي)
وُلِدَ يوسف العظمة عام 1884م في حي الشاغور بمدينة دمشق (الصمادية)، والتحق بالأكاديمية العسكرية العثمانية، وتخرّج في كلية الأركان، متقناً فنون الحرب والقتال برتبة عالية.
كان شجاعاً، صاحب مروءة، حسن الخلق، شهد له أعداؤه، كريماً، قنوعاً، بشوشاً، يُحب وطنه، ملتزماً بدينه، ويتقن عدة لغات: التركية والفرنسية والألمانية.
كان يوسف العظمة قائداً عسكرياً فذّاً، خاض حروباً طاحنة لصالح الدولة العثمانية على ثلاث قارات، وانتصر فيها جميعاً، فاكتسب خبرة عسكرية كبيرة.
اندلعت الحرب العالمية الأولى، وشاركت الدولة العثمانية فيها.
استغلّ الشريف حسين انشغال العثمانيين بالحرب، فأعلن التمرّد عليهم بدعم مباشر من بريطانيا، تحت عنوان "الثورة العربية الكبرى".
تمكنت قوات الشريف حسين من طرد العثمانيين من بلاد الشام، بمساعدة ضابط المخابرات البريطاني "توماس إدوارد لورنس" (لورنس العرب)، فكافأت بريطانيا حسين بتتويج ابنه فيصل ملكاً على سوريا، وأُعلن قيام "المملكة السورية العربية".
لم يُشارك يوسف العظمة في الثورة العربية، بل بقي إلى جانب العثمانيين حتى سقوطهم في الحرب. كان يُدرك عداوة فرنسا وبريطانيا للعرب والعثمانيين، لا سيما وأنه درس في أوروبا، وكان على وعي بطبيعة الاستعمار، وخاصة بريطانيا التي كانت تحتل مصر.
عاد إلى سوريا بعد الحرب، رافضاً عرض الأتراك بالبقاء لبناء الجيش التركي، مفضّلاً المساهمة في بناء وطنه السوري، تولّى عدة مناصب في حكومة الملك فيصل بن الحسين، وكان آخرها وزير الحربية، رغم اعتراضه على سياسات الملك.
وصلت بواخر فرنسا إلى الساحل اللبناني، وتقدمت جيوشها نحو دمشق، وفق اتفاقية "سايكس بيكو".
أرسل الجنرال الفرنسي "غورو" إنذاراً إلى الملك فيصل، يأمره فيه بتسريح الجيش السوري وتسليم البلاد خلال أربعة أيام، دون مقاومة.
استشار فيصل وزراءه، فوافقوا جميعاً على الإنذار، وقرّروا التسليم، باستثناء وزير الحربية يوسف العظمة، الذي رفض الإنذار بشدّة، وحاول إقناع الملك بالمقاومة، لكنه فشل.
أمر الملك بفضّ الجيش وتسريح ضباطه، وأرسل إلى "غورو" موافقاً على شروطه. لكنّ الجنرال الفرنسي أصرّ على دخول دمشق عنوةً لإذلالها.
أدرك الملك فيصل نوايا الفرنسيين، فجمع ما استطاع من أموال ومجوهرات، وفرّ إلى لندن حيث كان البريطانيون بانتظاره.
شعر يوسف العظمة بالمسؤولية الوطنية، فأصرّ على إنقاذ سمعة بلاده وخوض معركة الشرف، حفاظاً على كرامة الشام، وكانت ابنته "ليلى" لا تزال في سنوات عمرها الأولى، فالتفت لمن حوله قائلاً:
"ليلى أمانةٌ في أعناقكم !"
جمع ما بقي من الجيش المتفرّق، وضمّ إليه الفصائل المتطوّعة، وأعدّ ما استطاع من ترتيبات عسكرية، وتوجّه لصدّ القوات الفرنسية الزاحفة قبل وصولها إلى دمشق.
سأله رفاقه في الطريق:
هل من أملٍ بالنصر يا سيادة الوزير؟
فأجاب بعزّة مبتسماً رافعاً معنوياتهم:
"نحن لا نقاتل لننتصر، فالشرفُ أجدرُ أن ندافع عنه !"
ثُمَّ رسم خطته القتالية، وزرع الألغام في طريق العدو، ووزّع المهام، فوضع المتدرّبين في المقدّمة، والمتطوّعين بقيادة "أبو شاكر الطبّاع" في المؤخرة، وشرح خطته لقادة الجبهات، ثمّ وقف خطيباً يلهب مشاعرهم ويحثّهم على الصبر والصمود:
إما نصراً وعزّاً، أو شهادةً وجنّة.
وفي 24 تموز 1920م، التقى الجيشان في "ميسلون" على بُعد 30 كم غرب دمشق، واندلعت معركة غير متكافئة بين ثلاثة آلاف مقاتل سوري، بأسلحة تقليدية دون خبرة كافية، مقابل تسعة آلاف فرنسي بين ضباط وجنود مدججين بأحدث الأسلحة، يتقدمهم الطيران والدبابات والمصفحات.
قاتلت الكوكبة السورية قتال الأبطال، وكبّدوا الفرنسيين خسائر فادحة جعلتهم يتقهقروا، ما دفع غورو لإرسال تعزيزات إضافية، تتقدمها الدبابات، لمحاصرة المقاومين والقضاء عليهم.
أمر يوسف العظمة بالتراجع إلى حقل الألغام، وما إن وصلت الدبابات إلى وسط الحقل، أعطى أمر التفجير... لكنها لم تنفجر !
أسرع يتحقق من الأمر، فوجد الأسلاك قد قُطِعت!
واصلت القوات الفرنسية زحفها، فقاتل يوسف ورفاقه ببسالة، يُكبّر ويحثّ على الثبات.
وفجأة، انهمر الرصاص عليهم من الخلف، فسقطوا شهداءً واحداً تلو الآخر !
لقد خان "أبو شاكر" ومن معه الوزير ورفاقه، فقطعوا أسلاك الألغام، وأطلقوا النار من الخلف.
استشهد يوسف العظمة ومجموعته بأيدٍ غادرة، وصعدت أرواحهم إلى بارئها ووجوههم مبتسمة تفيض بالطمأنينة.
دخل الجنرال "غورو" دمشق على عربة يجرّها الخيل، فخرج له الانتهازيون والمنافقون بالترحيب، وكان من بينهم "أبو شاكر الطبّاع" الذي فكّ الحصان عن العربة، وجرّها هو ورفاقه في شوارع دمشق.
قال غورو:
دلّوني على قبر صلاح الدين !
وعندما وقف عند الضريح، ركله بقدمه قائلاً:
"قُم... ها قد عدنا يا صلاح الدين !"
خرج المستعمر الفرنسي من سورية بعد ستة وعشرين عاماً، تاركاً وراءه أنظمةً عميلةً خدمت مصالحه، وعلى رأسها النظام العلوي البعثي الذي اختطف سورية لعقود، لتبقى مرهونةً ومسلوبة الإرادة، وعلى خطى يوسف العظمة، ثار الشعب السوري في ثورة شعبية استمرت أربعة عشر عاماُ، توّجت بمعركة ردع العدوان في الثامن من كانون الأول عام 2024م، والتي قادها غيورون من أبنائها، متفانين في الإخلاص والتضحية، فأسقطوا نظام آل الأسد الطائفي النصيري الدموي، الذي دمّر الحجر، وقتل البشر، وأحرق الزرع والشجر، بعد حكمٍ استمر أربعة وخمسين عاماُ، منذ اغتصاب حافظ الأسد للسلطة عام 1970م.