ومرّت السنينُ.. والتقينا..
وقفتُ على بابها.. وسادَ الصمتُ.. كانت منهارة..
جالسةٌ على ركبتيها.. كئيبةٌ.. حزِينَةٌ.. تبكي..
سألتها: مَا بك؟
أجابت ودموعُها على خديّها:
استباحني شُذَّاذُ الآفَاقِ..
ووطَأَني الرُّعَاعُ والأَوغَادُ..
اقتحموا منزلي..
وانتهكوا حُرمتي..
ودنّسوا مَسجدي..
وسجنوني..
نشروا الرُّعبَ..
وأَشَاعَوا الفَوْضَى..
فرحَلَ الأَنَامُ..
وبقيتُ وحيدةً.. بلا أهلٍ.. ولا أَحِبَّةً..
فلَم يَعد بالدارِ دَيَّار..
كَسَروا النَّوافيرَ..
فجَفَّ الماءُ.. ويَبِسَ العريشُ.. وذَوَى الجُوريُّ..
وتصلَّبَ اللَّيمُونُ وَالنّارنجُ..
وارتحلَ الزهرُ والريحانُ..
وَمَاتَ الياسَمينُ..
وشَرَدَت القِطَطُ..
وَطَارَ الحَمَامُ..
ومَضَت العَصَافِيرُ..
ونَوَى الدَّورِيُّ..
ولم يبقى عندي أحد..
فأحاطني الحزنُ والألمُ..
وانتابني اليَأسُ والقنوطُ..
قلتُ: تمَهَلي..
فرَمَقتني بلومٍ وعِتَابٍ..
وتنهَدَت..
ودَعَتني للدخول..
تفحّصُتُ عينيها..
فعانقتني..
فشَمَمّتُ طيبَها..
وهَمَستُ بِأُذنِها..
يا جنّةَ الأرضِ انهَضي..
لا تحزني..
أنتِ حُبِّي وصَبوَتي..
وسُهدي وَأَرَقي..
ونَبضُ قَلبي..
أنا ما زلتُ على العهدِ حبيبتي..
فأبشري..
فإذا بالخيلِ تصَهَلُ..
تَدُكُّ سنابِكِها الأَرضَ..
وتعالت فوقها الأصواتُ..
يا أميرةَ الشامِ..
يا أميرةَ الشامِ عُدنا..
لَا تقنَطي مِن رَحمَةِ الله..
فنهَضَت بعباءةٍ بيضاءَ لامعةً..
تحملُ بيدِها مِشعَلاً..
وسَترَت بِجدَائِلها الطَّويلَةِ السَّودَاءِ..
فتحةَ ثوبِها القُطنيِّ الأحمَر..
منتعِلةً بِقدَميهَا الغار..
وفوقَ رأسِها إكليلُ الورُودُ..
تعلُوهُ هَالَةٌ مِن نُور ..
فبدا وجهُهَا كالبدرِ..
في ليلةٍ غابَ عنها القمر..
وصرَخَت بأعلى صوتِها..
الحمدُ للهِ لقد عادوا أَجنادي..
فتدفّقت مياهُ النوافيرُ..
واخضرَّ العريشُ..
وتدلّىَ العِنَبُ..
وَلاَنَ الليمونُ والنارنجُ..
وتفتّحَ الياسَمينُ..
وشَذَا الزهرُ والريحان..
وفاحَ الجوريُّ..
وانتشرَ العِطرُ في كلِ مكان..
وارتسَمَت بالأفُقِ علاماتُ النصر..
وبدا مَشهدٌ صَمَتَ فيهِ الكلام..
نظرتُ مَذهُولاً..
وفرَكتُ عينيَّ..
يا الله..
إنّها الحقيقة..
لقد عَادَت الأميرة !
9 تموز 2019 م