الثلاثاء، 23 يونيو 2020

يا ليتني قلتُ آسفة.. قصة حقيقية

حين يأتي الاعتذار متأخراً… يكون كل شيء قد انتهى.

انسحبَ إلى غرفته كظلٍ محطم، وعيناه المليئتان بالحزن العميق والألم كانتا تترنّح بين الانكسار واليأس، وكأن قلبه ينهار بصوتٍ لا يسمعه سوى روحه المعذبة.

أخذتُ شهيقاً عميقاً أتنفّسُ وهْمَ الفوز، وأرتشفُ نشوةَ غريبة، مع أنّ خلافاتِنا كانت في العادة، تنتهي بسلامٍ وعناقٍ دافئٍ بلا صراخ، لكنني في ذلك اليوم كنتُ عنيدةً على غيرِ عادتي، قاسيةً كأنني في ساحةِ معركة، أقاتلُ لأُثبِتَ شيئاً لا أعرفه، رأيتُ الهزيمةَ تنكسرُ في عينيه، فتوهمتُ أنني المنتصرة.

هزمتهُ… لكن قلبي لم يظفر بالطمأنينة، كان مثقلاً بسؤالٍ موجع:
أيُّ نصرٍ هذا الذي يترك في عيني من أحبّ كلَّ هذا القدر من الانكسار

سرحتُ بخيالي على الأريكة أستعيدُ سنواتِ عمرِنا، عاماً بعد عام…
كم أحببتُ حازمَ بكلِّ جوارحي، حبّاً لم يترك في قلبي زاويةً إلا وسكنها.

وكيف لا أحبّه، وهو البشوشُ الصادقُ الخلوق، زوجي وحبيبي ورفيقُ دربي، وملجئي حين تضيقُ الدنيا؟

تزوّجنا فعشنا متفاهمين منسجمين، نتعاهدُ على الحلوةِ والمُرّة، نتقاسمُ الضحكةَ قبل الدمع، ونسابقُ الاعتذارَ إن أخطأنا، كأنّ قلوبنا تخشى أن يطول بينها الزعل. فمضت حياتُنا هنيئةً مريئةً، سلسةً كنسيمِ المساء، تغمرها السعادة، ويظلّلها دفءُ المودّة والهناء.

ورزقنا اللهُ بباسم، فجاءَ إلى دنيانا كقطعةِ ضوءٍ صغيرة، وسيماً كأبيه، يضحكُ فتزهرُ الجدران، ويخفقُ قلبُ البيتِ كلّه على إيقاعِ أنفاسه. ملأ حياتَنا دفئاُ وحبّاُ وحناناً، حتى غدا منزلُنا عالَماً صغيراً من الأُنس، ومثالاُ لحياةٍ زوجيةٍ نُسجت بخيوطِ التفاهمِ والانسجام، وسُقِيَت بماءِ المودّةِ والرضا.

ومضتِ السنونُ هادئةً كجدولٍ رقراق… إلى أن جاءَ هذا اليومُ المشؤوم.

دُعيتُ إلى زفافِ صديقةِ الدراسة، واحدةٍ من رفيقاتِ العمرِ الجميل، فوعدتُها بالحضور... ويا ليتني ما وعدت. كنّا في المدرسةِ سرباً من الأحلام، نزفُّ بعضَنا بعضاً كلّما ارتَدَت إحدانا ثوبَ الفرح، نغنّي ونضحك كأنّ الدنيا خُلقت لتلك اللحظات. وكان زوجي يعرفهنّ جميعاً، ويعرف كم كان يجمعنا من ودٍّ وبراءةِ أيامٍ لا تُنسى… لكنّ القدر كان يُخبّئ خلف ذلك الفرحِ حكايةً أخرى.

طلبتُ منه أن أذهب إلى عرسِها، وكان في مدينةٍ تبعدُ ساعتين عن مقرّ إقامتنا.

جلستُ أحدثه بكلّ التفاصيل، كأنني أزيّنُ الفكرةَ بالكلمات، أخبرته أن صديقاتِ الدراسة سيُمضين يومين في فندقٍ تكفّل به أهلُ العرس، وأن باسماً سيقضي الوقتَ في بيتِ خالته، يلعبُ ويضحكُ بين أبناء خالته، فلا ينقصه شيء.

كان حازم يصغي بصمتٍ ثقيل، صمتٍ لم أفهمه يومها. تجاهلَ كلامي كأنّه يحاول أن يختار عباراته بعناية، فأعدتُ طلبي بنبرةٍ امتزج فيها الرجاءُ بشيءٍ من الإصرار. عندها قال بهدوئه الذي أعرفه:

"لا داعي للسفر يا حبيبتي، المكانُ بعيد، وأنا وباسم بحاجةٍ إليكِ. سنزور صديقتكِ وزوجها لاحقًا بزيارةٍ خاصة، إن شاء الله."

لم يكن في صوته قسوة، بل كان مليئاً بالحرص والاحتواء. لم يزعجني كلامه، فهو دائماُ أدرى بمصلحة بيتنا، وأحنُّ علينا من أنفسنا… لكن شيئاً خفيّاً في داخلي تمرّد. لم أقبل رأيه، ولا أدري لماذا.

ربما لأنني وعدتُ صديقتي، وربما لأنني في تلك اللحظة شعرتُ أن بيني وبين ذلك الفرح خيطاً رفيعاً لا أريد له أن ينقطع… حتى لو شددته أكثر مما ينبغي.

وسوستْ لي نفسي، فارتفع صوتي على غير عادتي، وقلتُ بنبرةٍ اختلط فيها الرجاءُ بالعِناد:

"جميعهنّ مجتمعاتٌ هناك يا حازم… وأريدُ أن أذهب!"

نظر إليّ بعينيه اللتين اعتادتا أن تُطفئا غضبي، وقال برفقٍ يلامس القلب:

"لقد وعدتُكِ يا حبيبتي أن نزورهنّ قريباً، ونحمل معنا أجمل هدية. ما رأيكِ أن تصنعي لنا فنجان قهوة من يديكِ الجميلتين؟ هناك أمرٌ أودّ أن أستشيركِ فيه."

لكنّ غضبي كان قد استيقظ، وأنانيّتي أغلقت أبواب اللين في داخلي. رفضتُ أن أتحرّك خطوةً قبل أن أسمع كلمة الموافقة التي أردتها، وقلتُ بإصرار:

"لكنني وعدتُها… ولا أحبّ أن أُخلف وعدي."

فقال بصوتٍ هادئٍ يخالطه القلق:

"لا أرى بقاءكِ يومين خارج البيت أمراً مناسباً. أنا وباسم بحاجةٍ إليكِ. اعتذري منها، وعديها بزيارةٍ خاصة، وستتفهم ظروفنا."

كان كلامه منطقياً، مشبعاً بالحرص والحبّ… لكنني، بدل أن أحتضن خوفه عليّ، تركتُ الغضب يقودني بعيداً.

اشتعلتُ فجأة، وصرختُ بكلمةٍ خرجت أقسى مما شعرتُ:
"ألا تثق بي؟!"

وفي اللحظة التي نطقتها، شعرتُ أن شيئاً هشّاً بيننا قد ارتجف… كأنّ الثقة التي بنيناها سنيناً كاملةً تألمت من سؤالٍ لم يكن يستحق أن يُقال.

رمقني بعينين متسعتين، وكأن الدهشة والحيرة تتراقص فيهما، وقال بصوتٍ حاول أن يخفف من وطأة الموقف:

"ما بكِ اليوم يا حبيبتي؟ غريب… يبدو أنّ قلبكِ يغلي بالغضب. هلا صنعتِ قهوة، لنهدأ معاً؟"

تجمّدتُ لحظة، شعرت بغصة الغضب تتسلل إلى صدري، وخرج صوتي حاداً، يقطر تحدياً ورفضاً لكل قيود صامتة:

"أنا لستُ خادمةً عندك! قم بنفسك واصنع قهوتك!"

ما تلا كلماتي لم يكن صمتاً، بل مقبرة الكلمات التي لم تولد.

تمزّق حازم من الداخل غارقة روحه في الخيبة واليأس، فصمت صمتاً ثقيلاً يثقل الهواء حوله، ولم ينبس بحرفٍ واحد.

انسحب إلى غرفته كظلٍ محطم، وعيناه المليئتان بالحزن العميق والألم كانتا تترنّح بين الانكسار واليأس، وكأن قلبه ينهار بصوتٍ لا يسمعه سوى روحه المعذبة.

وفجأة، انتبهت لنفسي، ونهضت من على الأريكة، وكأني نسيت طعم انتصاري الذي شعرتُ به لحظة التفوق… شعورٌ بالندم غمر كياني، يسري في عروقي كلسعةٍ باردة.

هل يمكنني أن أستشعر النصر على زوجي وحبيبي، وأظل سعيدة بذلك؟

هل يمكن لقلبٍ وعدته الحياة بحلوها ومرها أن يُنتصر عليه بهذه السهولة؟

أسودّت الدنيا في عينيّ، وغاص قلبي في بحر الذنب، فاندفعت مسرعة لأصلح ما أفسدته يداي.

دخلت الغرفة أستسمحه، فإذا به غارقٌ في نومٍ عميق، لا يعي ما جرى…

استلقيت بجانبه على ظهري، حدقت في السقف، وأحادث نفسي بصوتٍ خافت:

لماذا فعلتِ ذلك؟
كيف تخدشين قلباً أحبكِ؟
كيف تجرحين قلباً تملكينه بكل حب؟

أيقنتُ كم أنا أنانية… وكم قلبي ضعيف أمام مشاعري.
التفت إليه، أتمعن وجهه النائم، وأهمس في داخلي:

كم اشتقت إليك يا حازم…
كم أشتاق لحضنك الذي يمحو عني كل ألم.

أردت أن أوقظه لأضمّه إلى صدري، وأعتذر، لكن شفقت عليه، أمهلته ليستيقظ للصلاة.

توضأتُ، وقمت الليل أستغفر الله حتى علا صوت آذان الفجر.

ذهبتُ بعد ذلك، نشيطة سعيدة بقلبٍ مليء بالحب، لأوقظ حبيبي للصلاة، فالذي يستيقظ أولاً يوقظ الآخر. هكذا بقيت المحبة حيّة بيننا.

اقتربت منه بهدوء، كمن يلمس زهرة ناعمة، أمسح وجهه بأناملي، وهمست بصوتٍ خافت بين القلب والشفاه:

"أحبك…"

لكن نومه كان عميقاً، كأنه لا يسمع، ولم يلتفت. همستُ في نفسي مبتسمة:

من حقه أن يكون مدلّلاً…

اقتربت أكثر، ألصق وجهي بوجهه، ليشمّ عطري الذي يعرفه، أتمتم بأذنه:

"أحبك…"

ظل غافلاً، بلا مبالاة، بلا حركة.

ناديتُه كعادتي، بصوتٍ رقيقٍ يذوب بين جدران الغرفة:

"قم يا حازم… حان وقت الصلاة…"

ولكن جسده بقيَ ساكناً… صامتاً… كأن العالم كله توقف.

ارتجف قلبي، تسللت رعشة الخوف إلى عروقي، حرّكت رأسه برفق، أتمتم:

"حازم… انهض…"

صمتٌ، لا جواب، لا نفس.

هززته بكلتا يديّ، أصرخ:

"حازم… قُم… انهض يا حازم…"

لكن جسده صار فارغاً بلا روح، والموت خطّ بيننا صمتاً أبدياً وكأن العالم بأسره توقف عن الدوران.

تراجعت إلى الوراء أرتجف، وصوتي يتلاشى بين الدموع أتمتم بلا وعي:

"حازم… مات… مات... حازم…"

وصارت الغرفة صامتة إلا من صدى قلبي المحطم، وروحي تتشتت بين الصدمة والحزن.

عدتُ إليه ثانيةً، أضمّه إلى صدري بكل ما تبقّى لي من قوة، كأني احتضن الحياة نفسها، أقبل وجهه كله بشوق، كأنّي ازرع روحي فيه، وأمسح رأسه برفق أملاً في أن يعود إلى الحياة.

كرّرت مناداته مكسورة:

"حازم… انهض... أرجوك… أنا بحبك…أرجوك انهض!"

لكن صمته كان اعمق من أي صدى، ثقيلاً كالصخر، لا يجيب، ولا يترك لي سوى فراغ يلتهم قلبي حزناً.

صرختُ صرخة اختنقت بين الحب والخسارة من قلبٍ محطّم… لقد مات زوجي… مات حبيبي قبل أن اعتذر… مات رفيق عمري.

استيقظ صغيري باسم على صراخي، يركض إليّ ببراءة لا تعرف السبب، يشاركني دموعي، كطفلٍ يعانق الحزن ذاته دون أن يفهمه.

وقُضِيَ أمر الله، وكتبت النهاية، وتلاشى كل شيء كما لو لم يكن…

وبعد أن غُسِّلَ حازم وكُفّنَ، جاءوا ينادونني لألقي عليه نظرة الوداع الأخيرة قبل أن يُوارى جسده الطاهر في مثواه الأخير. 


اقتربت منه وأنا أرتجف، ويداي ترتعشان، وقلبي يصرخ في صمت كأن كل جزء مني يُدفن معه…

وقفتُ عاجزةً أمام جسده الراقد، وقلبي ينفطر إلى أشلاء، فملامحه التي اعتادت أن تضيء أيامي، صارت وجهاً بارداً لا يعرفني، ووجنتاه تستقبلان دموعي كأنها رماد الخسارة والانطفاء يسقط على قلبي المحترق.

صرختُ بصوتٍ مكسورٍ يختنق بالبكاء، صوت يتردد في الفراغ الذي خلفه رحيله:

"حازم… لا تتركني… سامحني… أرجوك… أرجوك… قلبي لا يستطيع أن يتحمل فراغك… أرجوك… عد… عد إليّ ولو للحظة…"

وقبّلت يده ووجهه، أهمس بصوت متقطع حزين:
"سامحني… سامحني…"

حملوا النعش وساروا به ببطء، وقلبي يتقطع وأنا واقفة في الشرفة أراقب اختفائه رويداً رويداً، وكأن كل لحظة تمرّ، تمحو جزءاً من قلبي، وارتفع صوت في أذني:

"يا عباد الله… سامحوا حازم، يرحمكم الله…"

ورحلت الجنازة، ورحلت روحي عن جسدي، وغرقت في بحرٍ من الحزن والحنين، حيث لا صوت إلا صدى قلبي الممزق، ولا نور إلا ذكراه التي ستظل ترافقني إلى الأبد…

في صباح اليوم الثاني، جاء باسمُ برفقة أختي التي بات عندها، ركضَ بخطواته الصغيرة المتمايلة نحو غرفة أبيه، ينادي بصوتٍ مرتعش: "بابا… بابا…" فلم يجد صدىً!

نظر إليّ بعينين ملؤهما التساؤل، كأنه يقول: أين أبي؟

سَحبته أختي بلطف نحو المطبخ، تقول:
"حان وقت الفطور يا باسم…"

وتركتني وحيدة أبكي، أذرف دموعي بصمت، والوجع يلتهم قلبي.

ومضى عامان على رحيل حازم، وما زلتُ أسير في البيت بلا أمان، أبحث عن سكينته في كل زاوية، وكلما وقفت عند المكان الذي اعتاد الجلوس فيه، تمتمت شفتاي بكلمات التي لم تُقال، بشوقٍ مؤلم، وبدمعٍ ينساب كنهرٍ لا يعرف العودة :

يا ليتني اعتذرت…
يا ليتني قلتُ آسفة…
يا ليتني قلتُ آسفة…

تمَّت.

حدث في مسجدنا.. لا تؤخِّروا الجنازة.. الجنازة أولاً..

آخر ما ينتفع به الميت في الدنيا هو الصلاة عليه والدعاء له. ومن المؤسف أن يُبتلى بعض أئمة المساجد بتقديم صلاة السُّنّة البعدية على صلاة الجنا...