الجمعة، 17 أبريل 2026

خلف شعارات الكرامة: ما الذي يُحاك في الظلام؟

تُحاك في الظلام تحركاتٌ مشبوهة، تتخفّى تحت مسمّى اعتصام “قانون وكرامة” (بدنا نعيش)، في ساحة المحافظة وسط مدينة دمشق.

لم يعد ما يجري مجرد دعوة عابرة لاعتصام، بل مشهد مكرر تُحاك خيوطه في العتمة، ويُقدَّم للناس بواجهة براقة من الشعارات التي أُفرغت من معناها.

“قانون”… “كرامة”… كلمات عظيمة، لكنهم يصرّون على استخدامها كأقنعة تخفي وراءها مشاريع لا تمتّ لها بصلة.

هناك من لم يتعلم من سقوطه، ولا من لفظ الشارع له، فعاد اليوم بوجوه جديدة وخطاب مُعاد تدويره، يحاول التسلل مجدداً إلى وعي الناس عبر بوابة المعاناة. نفس الأساليب القديمة: تضليل، تضخيم، واستغلال لحالة الغضب المشروع.

إن أخطر ما في الأمر ليس الاعتصام بحد ذاته، بل من يقف خلفه، ومن يحاول توجيهه، ومن يسعى لتحويله إلى أداة ضغط تخدم أجندات لا علاقة لها بمطالب الناس الحقيقية.

يريدون ساحة بلا وعي، وجمهوراً يُقاد بالعاطفة، لا بالعقل، لكن هذه المرة مختلفة.

هذه المرة، هناك من يرى بوضوح، من يميز بين الصوت الصادق والضجيج المصطنع، من يدرك أن الكرامة لا تُستعار كشعار، ولا تُستخدم كحصان طروادة لتمرير مشاريع مريبة.

لن نكون أدوات في أيدي أحد.
لن نُساق خلف دعوات ملغومة مهما تجمّلت بالكلمات.
ولن نسمح بتحويل وجع الناس إلى منصة لمن فشلوا بالأمس ويحاولون العودة اليوم.

الثورة الحقيقية ليست صراخاً… بل وعي.
وليست حشداً أعمى… بل موقفاً واضحاً.
ومن لا يزال يظن أن بإمكانه خداع الناس مرة أخرى،
فليعلم أن الزمن تغيّر… والوعي لم يعد يُخدع بسهولة.

الخميس، 16 أبريل 2026

دمشق.. حين أزهر الحلم من جديد

عادتِ السماءُ تمطر، لا كما اعتادت، بل كما لو أنّها تُغسِل ذاكرة دمشق، وتُعيد ترتيب الحكايات التي أثقلها الغبار، وتسلّلت البراعم الخضراء من شقوق الأرض، كأنّها رسائل حياةٍ كُتبت بعد طول صمت، وعادت الأشجار التي بدت يوماً هياكلَ صامتة، تهمس للريح: ما زال فينا ما يُزهر.

وانطلقت الأنهار، لا لتجري فحسب، بل لتبوح، كأنّ الماء استعاد صوته أخيراً، وكأنّ الينابيع تنبض من جديد بقلبٍ لا يعرف التوقّف.

لقد عاد الربيع..
لا كفصلٍ عابر، بل كوعدٍ يفتح أبواب الرجاء، وعدٌ بأنّ الأزهار لا تنسى طريقها، وأنّ الحبّ، مهما طال صمته، سيجد من ينطقه، وأنّ السعادة.. تلك الغريبة المؤجَّلة ستعود لتتجوّل في حدائق المدينة وبساتين غوطتها، كحلمٍ تأخّر كثيراً ثم استيقظ.

عادت العصافير..
لا إلى أعشاشها فقط، بل إلى نغمها الأول، وعادت أسراب الحمام ترسم في السماء دوائر من الطمأنينة، ثم تهبط فوق الأسطح، كأنّها تُرمّم ذاكرة البيوت لتستعيد نفسها نبضاً بعد نبض، واسماً بعد اسم.

عاد كلُّ شيء، بعد أن كاد كلُّ شيءٍ يُفقد، كأنّ الروح التي غابت طويلاً قرّرت أخيراً أن تعود.

وعاد الفرح..
لا خجولاً كما كان، بل واضحاً كالشمس، تبدّلت الوجوه التي اعتادت الشحوب، فصارت أكثر خفّة: ضحكات تتسرّب من بين التعب، عيون تلمع كأنّها تعلّمت الضوء من جديد، وخطوات أقلّ انكساراً، كأنّ المدينة وُلدت مرّةً أخرى، نهضت من رمادها، وكتبت نفسها بلغة الضوء. (بالتعبير الروحي الصوفي)

تغيّر كلّ شيء..
تلاشى ذلك الظلّ الثقيل الذي كان يُخيّم على الأزقّة، وانسحب الخوف من القلوب بهدوءٍ كأنّه لم يكن، لم يعد الهمس سيّد الكلام، ولم تعد العيون تفرّ من نظراتها، لأن في الهواء شيءٌ جديد… شيءٌ اسمه الحرية تُلمَس لأول مرّة.

وحديقةُ تشرين…
يُقترح أن تُسمّى “حديقةَ الأمويّين”، لاتّساعها وامتدادها كأنّها تتمّةٌ لها.

في الحديقة…
امرأةٌ مسنّة تبتسم لطفلٍ يطارد حمامة، وشابّ يضحك كأنّه يكتشف صوته للمرّة الأولى، وطفلةٌ تركض مع أقرانها كأنّ الأرض خُلقت لتحتمل خفّة خطواتها، وفتاةٌ تبتسم فيتسرّب الضوء من بين شفتيها، وعاشقان يتهامسان بخفوتٍ لا يُدرك، وزوجان يستعيدان، بهدوء، ذكرى الخطوبة.

في الرَّبوة…
وما أدراك ما الربوة! هنا.. على تخومِ الحكايةِ الأولى، وُلد المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام، فانبثقَ النورُ من رحمِ السكون، حيثُ ينفرطُ عقدُ نهر بردى إلى سبعةِ أنهر كأنّها أناملُ ماءٍ، تسقي غوطة دمشق وتُهدهدُ خُضرتها.

وهنا، تفترشُ العائلاتُ الدمشقيةُ الحصيرَ كأنّها تبسطُ قلبها للأرض، يتقاسمون الخبزَ والدفءَ على همسِ الماء، على خريرِ بردى، ذاك نهرُ الفردوس الذي يجري كخيطٍ من ذهبٍ في ذاكرةِ المكان.

وعلى طريق المطار..
لم يعد الطريق طريقًا فقط، بل صار فسحةً للقلوب، ازدحم بالعائلات، بالضحكات، بالخطوات التي لا تبحث عن وجهة، بل عن اتّساع، بعضهم يجلس على العشب، وبعضهم يمشي بلا سبب… إلا ليتنفّس.

طفلةٌ تسأل:
"ليش كل الناس مبسوطة؟"
فيجيبها صوتٌ هادئ، كأنّه يخرج من قلب المدينة:
"لأنهم أخيراً… يتنفسون."

نعم، الجميع يتنفس، فالهواء لم يعد كما كان، صار خفيفاً، نقياً، يشبه البداية حين تكون صادقة، بداية مدينةٍ أُنهِكَت طويلاً، وها هي الآن تستنشق ما غاب عنها:
هواء الحرية…
هواء النصر...
هكذا دمشق اليوم…
لا كما كانت، بل كما تستحق.

السبت، 11 أبريل 2026

أحنّ إليهم… كأنني لم أغادر قط

مع تقدم العمر، تتجلّى الوجوه من حولنا كأنها مرايا، تعكس خفايا وجودنا وتهمس لنا بحقيقتنا، فما الإنسانُ إلا كائنٌ خُلِقَ ليأنس، لا ليغدو جزيرةً موحشةً في بحر العزلة، بل قلباً يقترب ليكتمل، فإن ابتعد، أضاع دروبه في غربةٍ تسكنه، حتى يغدو لغزاً منغلقاً كرسالةٍ نسيها الزمن دون أن تُقرأ.

يشتد هذا التيه حين يرحل المرء بعيداً في سفرٍ تقطّعت فيه خيوط الرجوع، إذ عصَفت الحرب بين عدوين لا يُبكى على زوالهما، ولا يأسف على فنائهما، فيبقى هو وحده، معلّقاً بين أرضٍ لا تضمّه، وحنينٍ لا يخبو.

كلٌّ منا يحمل في ذاكرته محطاتٍ تتوهّج كنجومٍ بعيدة، ومواقفَ تنبض بحكاياتٍ لا يخفت صداها، ولو أن الزمن يعود بنا لحظةً، فنرسمها بألوانٍ أبهى، أو نُجيد فيها ما أخفقنا به، أو نقتلعها من جذورها قبل أن تمتدّ وتترك في القلب ندبةً خفيّة.

كم ننحني أحيانًا أمام من نحب، لا ضعفاً، بل حفاظاً على بهجة الحياة أن تتكسّر، ولو كان بوسع الإنسان أن يُسقط بعض لحظاته المتصلّبة، لربما عاش سعادةً صافية، لا يشوبها كدر.

كان يجلس قرب النافذة في مساءٍ هادئ، يحدّق في فراغٍ لا يراه سواه، تتسلّل إليه الذكريات كما لو كانت زوّاراً قدامى يعرفون الطريق إلى قلبه دون استئذان.

لم تكن مجرد صورٍ عابرة، بل حكايات كاملة، بكل تفاصيلها، بكل ما فيها من ضحكاتٍ وندم.

توقّف عند ذكرى بعينها… يومٌ بسيط، ربما لم يكن يستحق كل هذا الحضور، تذكّر كيف تمسّك برأيه بعناد، كيف اختار أن ينتصر لنفسه بدل أن يحتضن من يحب.

ابتسم بمرارة، وقال في سرّه:

لو عاد بي الزمن… لكنت أكثر ليناً، وأكثر رحمةً.

صار يفهم الناس أكثر، ويشعر بقيمتهم كما لم يفعل من قبل، ثم جاءت الغربة التي لم يتوقعها! لم تكن مجرد سفرٍ إلى مكانٍ بعيد، بل كانت شعوراً ثقيلاً.

هناك، كان كل شيء يبدو ناقصاً، الوجوه غريبة، الأصوات مختلفة، وحتى الصمت كان له طعمٌ آخر، أدرك أن الإنسان لا يُخلق ليعيش وحده، وأن العزلة، مهما بدت هادئة، تُخفي في أعماقها وحشةً باردة، أصبح صامتاً، منغلقاً، يراقب العالم من بعيد دون أن يلمسه.

في صباح الأمس، كان جالساً يحتضن فنجان قهوته بين يديه، وقد أرخى جفنيه قليلاً فإذا به ينزلق بعيداً، عائداً إلى شرفة بيته في وطنه.

هناك، تسلّل صوت فيروز كنسيمِ هادئٍ يلامس الروح، والهواء مشبع بدفء الألفة القديمة، ذلك الدفء الذي لا يُشترى ولا يُنسى، وعلى غصن شجرة الجيران، التي غرست جذورها في طابق الأرضي، وامتدت أغصانها تلوّح لشرفته كأنها تعرفه، كان الدوري يغرّد كأنه يستدعي طفولته من بين الغياب.

وصوت “الستيتية” الحمامة، ذات البقع السوداء المنقطة على رقبتها، وهي واقفة على كابل الكهرباء، ينساب مألوفاً، كأنه جزء من ذاكرته لا ينفصل عنها، وارتفعت ضحكات حبيته من حوله، تتردد في المكان كأنها لم تغب يوماً.

غمرته سعادة دافئة، خفيفة كحلمٍ جميل، ثم فتح عينيه فجأة، فعاد كل شيء إلى برودته الأولى.

تنفّس بعمق، وأدرك أن تلك اللحظات البسيطة الجميلة التي مرّت يوماً، صارت الآن كنوزاً بعيدة، يستحضرها كلما ضاقت به الغربة، وان هناك نصوصٌ يكتبها الشوق، لا تُقال!

في تلك اللحظة، فهم شيئاً لم يفهمه من قبل، فهم أن الغربة ليست في البعد عن المكان فقط، بل في البعد عمّن نحب، وأن الشوق ليس ضعفاً، بل دليلٌ على أن في القلب أشياء حيّة، ترفض أن تموت، فحين تُهاجر الأرواح تبقى القلوب معلّقة بين الذاكرة والحنين.


الجمعة، 3 أبريل 2026

القطار الذي لم أنتبه له

حين دعتني ابنتي لقضاء بضعة أيام مع أحفادي، لم أتردد، كان في قلبي شوقٌ كبير، شوقُ الجدّ لأطفاله الصغار، وشوقُ المسافر إلى لحظة دفءٍ عائلية قبل عودته إلى دمشق، لكن الزمن، كعادته، لا يسير دائماً كما نشتهي.

كنتُ في سفرٍ قصير، لا يتجاوز أسبوعاً، حين اندلعت الحرب فجأةً بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهةٍ أخرى.

خلال ساعات، تغيّر كل شيء.. أُغلقت الأجواء، توقفت الرحلات، وأُلغيت تذكرة عودتي.

وجدتُ نفسي عالقاً في الغربة، بعيداً عن وطني، لا أملك سوى الانتظار.

كنتُ أتابع الأخبار بشعورٍ متناقض، شيءٌ من الارتياح لأن من دمّروا بيوتنا، وشردوا أطفالنا، وهجّروا أهلنا، باتوا يتقاتلون، ولا أسف على أيٍّ منهم… وقلقٌ ثقيل لأن الطرق إلى وطني أُغلقت، حتى مطار دمشق صار صامتاً كمدينةٍ مهجورة.

مرّت الأيام بطيئة، حتى جاء خبرٌ صغير، لكنه بدا لي كنافذةٍ في جدار: الخطوط الأردنية أعادت رحلاتها إلى عمّان، ومنها يمكن العودة برّاً إلى دمشق.

عندها، عاد إليّ الأمل دفعةً واحدة، أدركتُ كم أن الوطن يسكننا، بل يعيش في وجداننا، شهران فقط ابتعدتُ عنهما، لكنهما بدوا كعمرٍ كامل.

قبل أن يحين موعد العودة، قررتُ تلبية دعوة ابنتي، كانت تبعد ساعةً ونصفاً بالقطار، اشتريتُ تذكرة، وذهبتُ إلى المحطة أحمل معي شوقاً وذهناً مثقلاً بالأسئلة.

وصلتني رسالة تُخبرني أن القطار سيتأخر، ثم رسالة أخرى تؤكد الأمر نفسه. وقفتُ قرب الرصيف، أتنقّل بين أفكاري: ماذا لو أُغلقت الرحلات مجدداً؟ ماذا لو ضاعت فرصة العودة كما ضاعت من قبل؟

كنتُ هناك… جسداً فقط.

وحين وصل القطار، لم أكن حاضراً بالكامل.

فُتِحَت الأبواب، صعد الناس، وصعدتُ معهم بلا تفكير، كأنني أهرب من الانتظار. جلستُ في مقعدي، أراقب الوجوه دون أن أراها.

تحرّك القطار..
وفي اللحظة التي بدأ فيها بالابتعاد، انتبهتُ فجأة وكأن أحدهم أيقظني من حلمٍ ثقيل:
هذا ليس قطاري!

نهضتُ مرتبكاً، توجّهتُ إلى الموظفة، وطلبتُ إيقاف القطار.

نظرت إليّ بهدوءٍ وقالت:
"لا يمكن… القطار يسير وفق جدولٍ دقيق."

عدتُ إلى مقعدي ببطء.

خارج النافذة، كانت المحطة تبتعد ومعها شيءٌ في داخلي. شعرتُ أنني لم أخطئ في ركوب قطارٍ فحسب، بل في ترك ذهني يضيع في زحام القلق.

في تلك اللحظة فهمت:
بعض الأخطاء لا تأتي من الجهل، بل من الشرود ومن غيابنا عن اللحظة التي نعيشها.

خطأٌ صغير…
لكنّه كان كافياً ليذكّرني أن الإنسان، حين يفقد انتباهه، قد يركب القطار الخطأ في حياته… ويمضي.

سار القطار عشرين دقيقة قبل أن يتوقف عند المحطة التالية، وكنت غارقاً في حيرةٍ صامتة: أأنزل هنا، أم أؤجل قراري إلى محطةٍ أخرى؟

كان السؤال بسيطاً في ظاهره، لكنه يحمل في داخله ثِقل الاختيار… ذلك الثقل الذي لا يُقاس بالوقت، بل بما يتركه في النفس من أثر.

لكن القطار لم يمهلني طويلاً، فما إن ترددتُ حتى انطلق من جديد، تاركاً خلفه حيرتي معلّقة بين قرارٍ لم يُتخذ، ووقتٍ لا يعود.

حينها أدركت أن الحياة، كالقِطار، لا تنتظر المترددين، وأن الفرص لا تعلن رحيلها، بل تمضي بصمتٍ تاركةً لنا ضجيج الندم.

التفكير يبدو سهلًا، أما اتخاذ القرار فهو الامتحان الحقيقي، فالعقل يُجيد رسم الاحتمالات، لكن القلب وحده يتحمّل عواقب الاختيار.

حسمتُ أمري أخيراً دون تردد: سأنزل في المحطة القادمة. لم يكن القرار شجاعةً خالصة، بل مزيجاً من خوفٍ وتأخرٍ ورغبةٍ في استعادة السيطرة.

وبعد عشرين دقيقة أخرى دفعت خلالها ثمن شرود ذهني، توقف القطار، فاندفعت خارجه مسرعاً قبل ان يتحرك ثانية، كأنني أحاول اللحاق بقرارٍ تأخر كثيراً.

في تلك اللحظة، شعرت أن الإنسان لا يركض نحو المكان بقدر ما يركض نحو نسخةٍ منه كان يمكن أن يكوّنها لو اختار في الوقت المناسب، فنحن لا نطارد الأماكن… بل نطارد احتمالات أنفسنا التي لم تتحقق.

سألتُ إحدى السيدات المنتظرات عن قطاري الذي فاتني، فأجابت بهدوء: سيصل إلى هذه المحطة قريباً.

كان جوابها بسيطاً، لكنه أعاد ترتيب فوضى داخلي، كأن الحياة تقول لي إن بعض ما نفقده لا يضيع، بل يتأخر فقط، بشرط أن نبقى في الاتجاه الصحيح.

تنفستُ الصعداء، وحمدت الله أن القطار الذي استقللته خطأً كان يسير في الاتجاه نفسه، فلو مضى عكسه، لابتعدت عن وجهتي أضعافاً، وربما طال التيه.

عندها أدركت أن الأخطاء ليست كلها سواء، فبعضها يقودنا خفيةً إلى ما نريد، وبعضها الآخر يفتح أبواب الضياع، الفرق بينهما ليس في الخطأ ذاته، بل في الاتجاه الذي نسير فيه ونحن نخطئ.

وأخيراً...
وصل القطار، ووصلتُ معه، كانت وجهتي لا تزال هناك، وكان الجميع في انتظاري، وكأن شيئاً لم يحدث… إلا في داخلي.

ففي داخلي تغيّر شيء ما، صرتُ أعلم أن القرارات المؤجلة ليست بلا ثمن، وأن التردد شكلٌ خفي من أشكال الفقد، وأن الوصول لا يعني دائماً أننا سلكنا الطريق الصحيح، بل أحياناً يعني فقط أننا لم نبتعد كثيراً.

ومنذ ذلك اليوم، لم أعد أنظر إلى المحطات كأماكن عابرة، بل كاختباراتٍ صغيرة للوعي، ولا إلى القطارات كوسيلة انتقال، بل كتشبيهٍ دقيقٍ للحياة، فهي تمضي، سواء كنا مستعدين أم لا، وتترك لنا دائماً سؤالاً واحداً…
هل اخترنا فعلاً، أم أننا فقط تأخرنا في الاختيار؟

هذه كانت حكايتي... حكاية رجلٍ أضاع لحظةً فكسب وعياً.

حدث في مسجدنا.. لا تؤخِّروا الجنازة.. الجنازة أولاً..

آخر ما ينتفع به الميت في الدنيا هو الصلاة عليه والدعاء له. ومن المؤسف أن يُبتلى بعض أئمة المساجد بتقديم صلاة السُّنّة البعدية على صلاة الجنا...