انتفض الشعب السوري في وجه واحدٍ من أعتى الأنظمة التي عرفها تاريخ البشرية، بل في وجه وحش تاريخي لم يشهد له البشر مثيلاً، اهتزّت الأرض تحت أقدام الجلاد، وارتفعت الهتافات في كلّ محافظة كصدى واحد لقلبٍ واحد.
كانت دمشق خارجة عن المألوف، مدينة تطوّقها الأجهزة الأمنية بإحكام، كما لو أنها تُمسك بأنفاسها الأخيرة، فلا تُترك لها فرصة لالتقاط نسمة حرية واحدة، الاعتقال فيها روتيني يومي، والقمع كالظل، لا يفارق شارعاُ ولا زقاقاً، تخرج فيها الحرية متخفّية، راكضة، تطاردها العيون قبل الهراوات.
لقد وُضِعَت دمشق في قفص حديدي يُحرسه الرعب، وتُديره أجهزة مخابرات لا تعرف الرحمة، فالتنفّس تهمة، والهمس جريمة، والخطوة حساباً بين الإفراج والاعتقال، بل بين الحياة والموت!
فالعاصمة ليست مجرد مدينة للنظام، بل مسرح صورته، وقلب سلطته، وسرّ بقائه، ومرآته أمام داعميه، وسقوط دمشق لا يعني سقوط سلطة محليّة، بل اهتزاز منظومة تُغذّيها الصهيونية، وتَشدّ خيوطها قوى دولية.
وحين انهار حكم الأسد وتلاشت قيوده عن عنق دمشق، بدا وكأن سماءها تُفتح من جديد، تتنفس بعد انقشاع غبار الأجهزة الأمنية والميليشيات الطائفية التي خنقتها لسنوات، وتتحرر من رائحة الخوف العالقة في حجارتها وطرقاتها.
فجأة.. برزت على الهامش نبرة غريبة تزعم أنّها وحدها من حرّرها، صوتٌ نشاز يقول إن “إدلب حرّرت سوريا وحدها”.
يا للمهزلة… ويا للوقاحة!
هذا افتراء على الذاكرة وظلم للحقيقة، فإدلب كانت ملاذاً، نعم، حضنت أبناء المدن التي طحنها القصف والاعتقال والاغتصاب والذبح، وكانت مرفأ نجاة لملايين السوريين من دمشق وحمص وحلب وبقية المدن. احتضنتهم بكرم وأمان ومحبة، بصدور مفتوحة وقلوب واسعة، وهذا حقّ يُحفظ لإدلب وفضل لا يُنكر.
لكن أن يتحوّل هذا الملاذ إلى منبر لتوزيع شهادات التحرير والغاء حقائق أخرى؟ فهذا تزويرٌ للتاريخ واعتداء على الذاكرة السورية كلّها.
إنّ من العار أن يُقال لأهل الشام إنهم لم يشاركوا بالثورة، فدمشق سبقت موعدها حين انتفضت في ساحة الحريقة 17 شباط 2011، ثم في سوق الحميدية في 15 آذار 2011، حيث اعتُقلت إحدى الاخوات، وخرج الدمشقيون في جمعة الكرامة 18 آذار 2011 في قلب المسجد الأموي، وكنتُ هناك، بين الحشود، بين العيون المترقّبة وحراب الأمن.
وتوالت الجمع، وانفجرت أحياء دمشق: الميدان، الشاغور، كفرسوسة، برزة، ركن الدين، القدم، القابون، الصالحية، مخيم فلسطين واليرموك، تصدح بصوتٍ واحد تريد الحرية وإسقاط النظام، فمن يجرؤ بعد هذا أن يطعن بأهلها ويملك هذا الجحود؟
ولأنّ دمشق مركز السلطة، ومركز رعب النظام، كانت محاصرة بجيوش الأمن، والعسكر، والميليشيات، والفرقة الرابعة كي لا يصلها أحد، المظاهرات فيها كانت خاطفة وطيّارة، تُنفّذ وتختفي قبل أن تبتلعها آلة القمع.
كانت التظاهرات الكبرى تتفجّر في ريف دمشق، حيث يقيم عدد واسع من أبناء العاصمة في مدن كدوما وحرستا وداريا والمعضمية وزملكا وعربين وسقبا وكفر بطنا. هناك، كانت الشوارع تغلي بالحشود، فيما كانت السماء تُمطر براميل متفجّرة لا تعرف توقّفاً.
وقد ابتُلِيت تلك المدن بحصارٍ أعمى، وتجويعٍ مقصود وقصفٍ جويّ لا يهدأ، حتى غدا الخبز حلماً بعيد المنال، وصار الحصول على الماء معركة يومية، وتحولت قطعة اللحم إلى شيء من الخيال.
لقد بلعَ الدمشقيون نصيبهم من الذلّ والمهانة والاعتقال، تماماً كما بلَعَها إخوتهم في سائر المحافظات، وربما أشدّ. لذلك لا يملك أحد حقّ التقليل من تضحيات غيره، ولا وضع مدينة فوق أخرى.
ومن هنا، فإن العبارة القائلة إنّ "الإدلبي حرّر سوريا" ليست إلا تضييقاً للرؤية وانتقاصاً من الألم السوري المشترك، فلو كانت إدلب هي العاصمة، واقعة تحت قبضة أمنية تضاهي قبضة دمشق، ومخنوقة كما خُنقت دمشق، وعاجزة عن رفع صوتها، لَما سمعت شامياً يعيّر إدلبياً أو أي مدينة سورية أخرى، فهم جميعاً شعبٌ واحد، ووجعهم واحد، وصوت صراخهم واحد.
إنّ الثورة السورية ليست غنيمةً تُقسّم، ولا بطولة تُسرق، ولا شرفاً يُباع في سوق المزاودات، هي دمٌ سال في كل زاوية من الوطن، سال في دمشق وريفها، ودرعا، وحمص، وحماة، وحلب، وإدلب، وطرطوس، واللاذقية، والرقة، ودير الزور، والحسكة.
جميع المحافظات دَفعت الثمن، وجميعها شُوّهت، وجميعها انتُزعت منها الأرواح، فليحفظ كلٌّ منا لغيره حقّه، ولنكفّ عن مزايداتٍ لا تسمن ولا تُشرف.
فيا أهلنا الأدالبة..
كفّوا عن تحميل وجع ما لا يحتمل، وعن تقسيم الثورة بين أبناء الوطن الواحد، فالثورة لم تكن ملكاً لمنطقة دون أخرى، كانت الثورة سورية وستبقى سورية، والحرية التي أُريق الدم في سبيلها ليست حكراً على “نحن” أو “أنتم”، بل هي من أجل سوريا… كل سوريا... وستظل البلاد واحدة لا تُقسَّم ولا تُختزل في اسم أو مدينة.