الخميس، 27 نوفمبر 2025

من دماء الشهداء ودموع الأمهات… وُلدت الحرية

استجابة لطلب أم أحد الشهداء قالت لي: اكتب عن الشهداء… فدمُ ابني لم يجف بعد.

فأجبتها: إن دماءهم ليست حكاية تُروى، بل قلب ينبض في عروق سوريا ويصرخ بالحياة.

هم الذين نفخوا أرواحهم في وجه القمع فاهتزَّت أركان الظلم، ومسحوا سواد الليل عن سماء الوطن، فانشقَّ الليل بفجرٍ يزهر كرامة، ويعلن أن الشام تولد من جديد بين الألم والدم، صارخاً:
الحرية لم تمت بعد.

ابشري يا أمَّ الشهيد…
ففي كلِّ قطرةٍ من دمائهم سقطَ طاغية، ونهضَ وطنٌ يستجمع شجاعته من جديد.

ابشري يا أمَّ الشهيد…
فرفاق ابنكِ ما خانوا العهد، جاءوا يحملون راية الحرية على أكتافهم، ليُثبتوا أن قطرة دمٍ واحدة أقوى من أنظمة الطغيان كلها، وأرسخ من الفرعون بشار وأبيه حافظ الأسد ونظامه الذي ظنّ أنه لا يُهزم.

ابشري يا أمَّ الشهيد…
فدمُ ابنكِ لم يذهب سُدى، بل روى التراب السوري ليشتدّ عوده، فبهِ انتصرت ثورة ولدت من دماء الشهداء، لتحيا الأجيال بحريةٍ حقيقية غير مستعارة، وسعادة لا تُنتزع.

ابشري يا أمَّ الشهيد…
فدمه لم يُهدر، بل صار لهيباً أشعل الثورة، وروحاً نفخت في هذه الأرض حتى نهضت من بين الركام، وصوتاً هادراً يعلن: لن نُقهَر… ولن نعود إلى الخلف أبداً.

أيها السوريون الأبطال…
كم ودّعتم من قوافل الشهداء!
وكم مشيتم خلف نعوشٍ حملت أرواحكم قبل أن تحمل أجسادهم!

أيها السوريون الصناديد...
ما من بيتٍ في هذا الوطن المبارك إلا وفيه شهيد أو مفقود أو جريح، ومع ذلك وقفتم، ورفعتم رؤوسكم، وقلتم: لن ننكسر… ولن ننحني.

طوبى لكم يا شعب سوريا… يا من كتبتم بدمائكم الصفحة الأولى من كتاب الحرية، وجعلتم من آلامكم سُلّماً يرتقي عليه المستقبل.

طوبى لكم يا أهل الشام… يا من قدّمتم من أرواحكم شرارة الخلاص، وكسرتم بها قيد العبودية، ففتحت دمشق أبوابها لمعركة ردع العدوان، لتبقى ما بقيت الحياة.

واليوم نقولها وبصراحة واضحة، نقولها وليسمعها العالم:
وداعاً للقمع… لا عودة له.
وداعاً للاستبداد… إلى غير رجعة.

ابشري يا أمَّ الشهيد…

27 تشرين الثاني 2025م


الأربعاء، 26 نوفمبر 2025

ذكريات تركض مع المطر


بعدسة هاتفي، هناك مقابل مديرية التربية والتعليم، كان المشهد يغتسل بالمطر. قطراته أيقظت في صدري حنيناً دافئاً، كأنها تعزف على أبواب الذاكرة ليفتح الماضي قلبه لي.
رائحة الأرض المبللة حملتني إلى طفولتي البعيدة، إلى أيام كنت أجري فيها تحت المطر بابتسامة لا تعرف ثقل العالم، وكأن السماء كانت تحضن خطواتي.
وها هي أوراق الأشجار المتساقطة من حولي تهمس بأن القسوة لا تدوم، وأن لكل نهاية موعداً مع نهار جديد… فالسقوط أحياناً ليس انكساراً، بل بداية لفرصة تنمو في صمت، وتعد بمستقبل أبهى وأجمل.

الخميس، 20 نوفمبر 2025

إدلب ليست الثورة وحدها… وسورية أكبر من أي مدينة

انتفض الشعب السوري في وجه واحدٍ من أعتى الأنظمة التي عرفها تاريخ البشرية، بل في وجه وحش تاريخي لم يشهد له البشر مثيلاً، اهتزّت الأرض تحت أقدام الجلاد، وارتفعت الهتافات في كلّ محافظة كصدى واحد لقلبٍ واحد.

كانت دمشق خارجة عن المألوف، مدينة تطوّقها الأجهزة الأمنية بإحكام، كما لو أنها تُمسك بأنفاسها الأخيرة، فلا تُترك لها فرصة لالتقاط نسمة حرية واحدة، الاعتقال فيها روتيني يومي، والقمع كالظل، لا يفارق شارعاُ ولا زقاقاً، تخرج فيها الحرية متخفّية، راكضة، تطاردها العيون قبل الهراوات.

لقد وُضِعَت دمشق في قفص حديدي يُحرسه الرعب، وتُديره أجهزة مخابرات لا تعرف الرحمة، فالتنفّس تهمة، والهمس جريمة، والخطوة حساباً بين الإفراج والاعتقال، بل بين الحياة والموت!

فالعاصمة ليست مجرد مدينة للنظام، بل مسرح صورته، وقلب سلطته، وسرّ بقائه، ومرآته أمام داعميه، وسقوط دمشق لا يعني سقوط سلطة محليّة، بل اهتزاز منظومة تُغذّيها الصهيونية، وتَشدّ خيوطها قوى دولية.

وحين انهار حكم الأسد وتلاشت قيوده عن عنق دمشق، بدا وكأن سماءها تُفتح من جديد، تتنفس بعد انقشاع غبار الأجهزة الأمنية والميليشيات الطائفية التي خنقتها لسنوات، وتتحرر من رائحة الخوف العالقة في حجارتها وطرقاتها.

فجأة.. برزت على الهامش نبرة غريبة تزعم أنّها وحدها من حرّرها، صوتٌ نشاز يقول إن “إدلب حرّرت سوريا وحدها”.

يا للمهزلة… ويا للوقاحة!

هذا افتراء على الذاكرة وظلم للحقيقة، فإدلب كانت ملاذاً، نعم، حضنت أبناء المدن التي طحنها القصف والاعتقال والاغتصاب والذبح، وكانت مرفأ نجاة لملايين السوريين من دمشق وحمص وحلب وبقية المدن. احتضنتهم بكرم وأمان ومحبة، بصدور مفتوحة وقلوب واسعة، وهذا حقّ يُحفظ لإدلب وفضل لا يُنكر.

لكن أن يتحوّل هذا الملاذ إلى منبر لتوزيع شهادات التحرير والغاء حقائق أخرى؟ فهذا تزويرٌ للتاريخ واعتداء على الذاكرة السورية كلّها.

إنّ من العار أن يُقال لأهل الشام إنهم لم يشاركوا بالثورة، فدمشق سبقت موعدها حين انتفضت في ساحة الحريقة 17 شباط 2011، ثم في سوق الحميدية في 15 آذار 2011، حيث اعتُقلت إحدى الاخوات، وخرج الدمشقيون في جمعة الكرامة 18 آذار 2011 في قلب المسجد الأموي، وكنتُ هناك، بين الحشود، بين العيون المترقّبة وحراب الأمن.

وتوالت الجمع، وانفجرت أحياء دمشق: الميدان، الشاغور، كفرسوسة، برزة، ركن الدين، القدم، القابون، الصالحية، مخيم فلسطين واليرموك، تصدح بصوتٍ واحد تريد الحرية وإسقاط النظام، فمن يجرؤ بعد هذا أن يطعن بأهلها ويملك هذا الجحود؟

ولأنّ دمشق مركز السلطة، ومركز رعب النظام، كانت محاصرة بجيوش الأمن، والعسكر، والميليشيات، والفرقة الرابعة كي لا يصلها أحد، المظاهرات فيها كانت خاطفة وطيّارة، تُنفّذ وتختفي قبل أن تبتلعها آلة القمع.

كانت التظاهرات الكبرى تتفجّر في ريف دمشق، حيث يقيم عدد واسع من أبناء العاصمة في مدن كدوما وحرستا وداريا والمعضمية وزملكا وعربين وسقبا وكفر بطنا. هناك، كانت الشوارع تغلي بالحشود، فيما كانت السماء تُمطر براميل متفجّرة لا تعرف توقّفاً.

وقد ابتُلِيت تلك المدن بحصارٍ أعمى، وتجويعٍ مقصود وقصفٍ جويّ لا يهدأ، حتى غدا الخبز حلماً بعيد المنال، وصار الحصول على الماء معركة يومية، وتحولت قطعة اللحم إلى شيء من الخيال.

لقد بلعَ الدمشقيون نصيبهم من الذلّ والمهانة والاعتقال، تماماً كما بلَعَها إخوتهم في سائر المحافظات، وربما أشدّ. لذلك لا يملك أحد حقّ التقليل من تضحيات غيره، ولا وضع مدينة فوق أخرى.

ومن هنا، فإن العبارة القائلة إنّ "الإدلبي حرّر سوريا" ليست إلا تضييقاً للرؤية وانتقاصاً من الألم السوري المشترك، فلو كانت إدلب هي العاصمة، واقعة تحت قبضة أمنية تضاهي قبضة دمشق، ومخنوقة كما خُنقت دمشق، وعاجزة عن رفع صوتها، لَما سمعت شامياً يعيّر إدلبياً أو أي مدينة سورية أخرى، فهم جميعاً شعبٌ واحد، ووجعهم واحد، وصوت صراخهم واحد.

إنّ الثورة السورية ليست غنيمةً تُقسّم، ولا بطولة تُسرق، ولا شرفاً يُباع في سوق المزاودات، هي دمٌ سال في كل زاوية من الوطن، سال في دمشق وريفها، ودرعا، وحمص، وحماة، وحلب، وإدلب، وطرطوس، واللاذقية، والرقة، ودير الزور، والحسكة.

جميع المحافظات دَفعت الثمن، وجميعها شُوّهت، وجميعها انتُزعت منها الأرواح، فليحفظ كلٌّ منا لغيره حقّه، ولنكفّ عن مزايداتٍ لا تسمن ولا تُشرف.

فيا أهلنا الأدالبة..
كفّوا عن تحميل وجع ما لا يحتمل، وعن تقسيم الثورة بين أبناء الوطن الواحد، فالثورة لم تكن ملكاً لمنطقة دون أخرى، كانت الثورة سورية وستبقى سورية، والحرية التي أُريق الدم في سبيلها ليست حكراً على “نحن” أو “أنتم”، بل هي من أجل سوريا… كل سوريا... وستظل البلاد واحدة لا تُقسَّم ولا تُختزل في اسم أو مدينة.

الأحد، 16 نوفمبر 2025

سوريا تفرز رجالها وتفضح المدّعين

ما زال بين السوريين من أثقل الوهمُ رؤوسَهم، يصرخون بلقبٍ ذابلٍ لم يعد يعني شيئاً، ويقولون "الجولاني" كأنهم يفرّون من حقيقةٍ أوسع من أفهامهم، متعامين عن واقعٍ بات واضحاً، فالعالم كلّه بجغرافيته وهيبته اعترف بأحمد الشرع رئيساً للجمهورية العربية السورية، وفتح له أبواب عواصمه كضيف شرعي لا كطارقٍ مجهول.

أهو إرثُ الحقد؟ أم حُمّى الغيرة؟ أم أنّ الحرية حين ارتفع سقفها كشفت صغار النفوس من كبار الشعارات؟

أيها السوريون الأحرار…
احملوا نور ثورتكم كما يحمل المؤمن قبسًا من قدره. هذا يومكم لحراسة ما ورثتموه من دم شهدائكم، وما دفعتْه أعمارُ المعتقلين والمفقودين، وما دفعته خيامُ اللجوء وطرق المنفى من أثمان.

اليوم تُمحَّص المواقف فيتميز الحر من الرعديد، وصاحب الأرض من صاحب الصوت، والوفيُّ من المتقلب على أهوائه.

والوقوف مع سوريا ليس شعاراً يُكتب، بل موقفاً لا يتجزأ مع حكومتها، مع رئيسها، مع جيشها، مع أمنها، ومع شعبها كلّه.

وما يزال للأسف صوت نشاز يتدلّى من بعض المجموعات، يلوك اسم الرئيس أحمد الشرع بلقبٍ تجاوزه الزمن، متذرعاً بحرية رأي لم يعرف معناها أصلاً، لكن حرية الرأي لا تبرّر صغائر النفوس، ولا تُغسل بها الإساءات.

كممَ الأسد أفواه الناس بنعل الاستبداد، فسار الجميع خلفه خائفين، لا يجرؤون على ذكر اسمه إلا همساً. وحتى كثير من السوريين في المهجر عاشوا تحت رهابٍ فكري جعلهم يرتجفون قبل النطق بكلمة حق، فهل من الشرف أن يظهر اليوم من يستغل الهواء الطلق الذي وهبه الله للبلاد، ليطعن مُحرِّرها بلقبٍ فقد معناه؟

يقولها بعضهم بوقاحة: "سأظل أناديه بالجولاني" وكأن النكران بطولة. مع أن لولا الجولاني، ما استطاع واحد منهم أن يرفع رأسه أو يصدح بجملة واحدة خارج جدار الخوف.

الجولاني اليوم هو أحمد الشرع رئيس سوريا العظيمة، المعترف به دولياً، وأول رئيس سوري يدخل البيت الأبيض ممثلاً لبلاده لا تابعاً لجلاده.

سوريا اليوم لأبنائها الشرفاء، لا لمن هزلت قلوبهم، ولا لمن يبيعون انتماءهم تحت لافتة الانفصال والتقسيم.

كونوا سوريين بحقّ، فالأيام لا تُجامل، والحقائق لا ترتدي الأقنعة طويلاً، واليوم تُكشَف الوجوه وتُعرَف المواقف، ويظهر كل إنسان على حقيقته التي لا يمكنه الهرب منها، اليوم سقوط الأصوات المريضة وارتفاع اسم سوريا وحده، لقد انتهى زمن الارتجاف ومن يشكّك فليخرج من الطريق.




الجمعة، 7 نوفمبر 2025

مقام السيدة من زينب الدمشقية إلى زينب بنت علي

لقد انتقلت العادات والتقاليد عبر الأجيال وأصبحت إرثاً ثقافياً نعيشه اليوم، نأخذها عن آبائنا وأجدادنا وننقلها بدورنا إلى أولادنا، حتى يذوب هذا الإرث بمرور الوقت بين الحقيقة والخيال ليصبح جزءاً من هويتنا، ويصبح لدينا ارتباط عاطفي قوي به.

لكن هناك ما يظل عالقاً في ذاكرة مجتمعنا من خرافات ومفاهيم مغلوطة، تؤثر في فهمنا لما يدور حولنا، فنقص الوعي قد يقودنا إلى الجهل، ومع هذا الجهل يصبح التصديق أسهل، ويغلق العقل أمام الحقائق.

من أبرز تلك القصص التي أحاطتها الأساطير هي قصة "مقام السيدة زينب" في ضاحية دمشق، فالحقيقة التي يغفل عنها الكثيرون هي أن التاريخ لم يذكر أبداً أن السيدة زينب، بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قد دُفنت في دمشق، فالمقام الذي يتوافد إليه الزوار اليوم ليس قبر السيدة زينب كما يعتقد البعض، بل هو قبر امرأة دمشقية عظيمة تُدعى "زينب" حيث ينتشر هذا الاسم في العديد من العائلات الدمشقية، ففي كل عائلة دمشقيَّة يوجد اسم "زينب وفاطمة وعائشة ورقية" حبّاً وتكريماً لأزواج النبي وبناته صلى الله عليه وسلم.

كانت السيدة زينب الدمشقية من الأغنياء الكرماء في الشام، وكان لها قلب كبير، دائم العطاء والمساعدة للفقراء والمحتاجين، وبعد وفاتها، دُفنت في بستانها، فظل قبرها قريباُ من قلب دمشق وأهلها، وأصبح يُطلق عليه "مقام السيدة زينب".

لكن المفارقة تكمن في أن الزوار الذين يطوفون حول القبر يجهلون حقيقة صاحبة القبر. فقد مرّت عقود طويلة منذ أن بدأ الدمشقيون بزيارة هذا المقام، بكل حب وإيمان، دون أن يعرفوا أنها ليست السيدة زينب بنت علي.

أذكر جيداً أول زيارة لي في ستينيات القرن الماضي، حيث كنت طفلاً دون العاشرة، يرافقني أمي وصديقاتها، دخلت الحرم وأنا أركض بشغف، أتمسح بالجدران طلباُ للبركة، مثلما كان يفعل كل من حولي. وكان هذا التقليد راسخاً في أذهان الجميع، وكان غالبية الزوار من المسلمين السنة.

لكن مع مرور الزمن، وتحديداُ مع بداية المشروع الطائفي الإيراني في سوريا، تغيّرت الكثير من الأمور، ففي السبعينات، أصدر رجل الدين العراقي "حسن الشيرازي" فتوى غريبة تربط بين الطائفة العلوية والشيعة الجعفرية الإمامية الاثني عشرية، في محاولة لإخراج حافظ الأسد وطائفته النصيرية من عزلتهم الفكرية والاجتماعية.

وقد كانت الفتوى بمثابة إشارة لبدء التدخل الإيراني في نشر أفكار مذهبية، واستيلاء الشيعة على بعض المقامات، مثل مقام السيدة زينب ومقام رقية، وبناء حوزات شيعية، فتمَّ بناء أول حوزة علمية شيعية في دمشق عام 1975م، تحت اسم "الحوزة الزينبية"، لتتغير بذلك معالم التاريخ، وتعتبر ثالث أهم حوزة بالنسبة للشيعة بعد حوزة النجف وحوزة قم.

ومع قيام الثورة الخمينية عام 1979، بدأ التدفق الإيراني نحو سوريا، حاملاً معه ثقافة طائفية جديدة، مدعومة من النظام العلوي الحاكم، وبالتالي، تحوّلَت المقامات التي كانت تُعتبر جزءاً من تاريخ دمشق، إلى مراكز دينية تُمارس فيها الطقوس الشيعية، تحت دعم النظام، وأكثر ما يُؤسف له هو أن قبر زينب الدمشقية قد اختلط اسمه مع السيدة زينب بنت علي، ليصبح المقام واحداً، ويُصدق الناس أن "زينب" الدمشقية في هذا المقام، هي تلك السيدة العظيمة بنت الإمام علي بن أبي طالب، في حين أن ذلك بعيد عن الحقيقة، وهذا الخلط في الفهم قد أثر على فهمنا للتاريخ، فيجب أن نحترم تاريخنا ونفهمه جيداً، كي نعرف من هي صاحبة القبر الحقيقية، ولنتأكد من الحقائق ونعيد الفهم الصافي لما ورثناه، فنبني على أساس سليم، وننزع بسمار جحا التي تعلق عليه إيران حقدها الطائفي.

لذلك، نتمنى من الجهات المعنية، مثل وزارة الأوقاف السورية، أن تتأكد من حقيقة المقامات الشيعية في بلادنا، وأن يكون لدينا مرجع علمي وتاريخي واضح يؤكد صحة ما هو موجود، أو ينفي تلك الادعاءات، فليس من اللائق أن نظل في حالة من الضبابية والجهل.

الثلاثاء، 4 نوفمبر 2025

من يستدبر بيت الله ينازع الله في كبريائه

صرخة لافتة في بيت الله، صاح بهم بصوتٍ قويٍّ اخترق سكون المسجد:

"اجلسوا ووجوهكم إلى القبلة، فالناس تُصلِّي إليكم!"

هكذا هو مسجد حيّنا، فكلما أدخله وأؤدِّي تحيّة المسجد، أتجنّب من استدبر القبلة ووجَّه وجَههُ إليَّ، فإنما جئت أُصلِّي لله ربّ العالمين، لا لأحدٍ سواه.

في يوم الجمعة الماضي، حين غصّ المسجد بالمصلّين، كانت هناك فئة تجلس مستدبرةً القبلة كأنها على عروشٍ من كِبرٍ وغفلة، بعضهم يمدّ قدمه، وآخر يمدّهما معاً، وآخر فاتح ساقيه، يحدّقون في الناس أمامهم وهم يُصلّون تحيّة المسجد.

مشهدٌ يورث الاشمئزاز، وتنفر منه المروءة، وتأباه نفوس الرجال التي تعرف قدر السجود والخشوع، وفجأة، دوّت صرخة غيور :

"اجلسوا واعتدلوا، فالناس تُصلِّي إليكم!"

كان الصوت حادّاً يملأ الأركان، ايقظ في القلوب هيبةً غابت عن بعض بيوت الله، مشهد يوجع القلب، توقّف الهمس، سمعه الجميع، الإمام، والوعّاظ، وسائر القائمين على بيت الله، إلا فضيلة الشيخ الذي يلقي الدرس قبل صلاة الجمعة، تابع الدرس ولم يلقي بالاً !!

تزحزح البعض خجلاً لا ورعاً، وعدّل آخرون جلستهم في حياءٍ مصطنع، وبقي من بقي كأنهم فراعنة العصر لا يبالون... وانتهى المشهد...

إن استدبار القبلة في المساجد عادة دخيلة، غاب فيها الوعي الديني، نشأت من الجهل واللامبالاة، وسكت عنها من كان الأولى به أن يُعلّم وينصح، فأين الغيرة على شعائر الله؟

وأين الأدب مع القبلة التي هي رمز التوحيد ووحدة الأمة؟

إنها ليست مسألة هيئةٍ أو جلوس، بل مسألة قلب يعرف إلى أين يتوجّه، فمن عرف الله عَظُم عنده الاتجاه إلى القبلة، ومن جهل قدر ربّه جلس مستدبراً، لا يدري أنه ينازع ربّ العزّة في كبريائه.

إن الواجب على الأئمة والخطباء أن يُنبّهوا الناس إلى هذا الخلل، وأن يُقيموا في القلوب أدب الوقوف بين يدي الله، ويُستحسن أن تُعلَّق لوحاتٌ على جدار القبلة تُذكّر بأن استدبارها والناس تُصلّي أمرٌ يُنافي المروءة ويُشغل المصلّين، ويُشبه في هيئته المتكبّرين الذين يُنازعون الله في كبريائه، فالله وحده هو المتفرّد بالعظمة، المتوَّج بالكبرياء، ومن نافسه في ذلك أهلكه، كما قال سبحانه في الحديث القدسي:
"الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني فيهما قصمته ولا أبالي."

حدث في مسجدنا.. لا تؤخِّروا الجنازة.. الجنازة أولاً..

آخر ما ينتفع به الميت في الدنيا هو الصلاة عليه والدعاء له. ومن المؤسف أن يُبتلى بعض أئمة المساجد بتقديم صلاة السُّنّة البعدية على صلاة الجنا...