صرخة لافتة في بيت الله، صاح بهم بصوتٍ قويٍّ اخترق سكون المسجد:
"اجلسوا ووجوهكم إلى القبلة، فالناس تُصلِّي إليكم!"
هكذا هو مسجد حيّنا، فكلما أدخله وأؤدِّي تحيّة المسجد، أتجنّب من استدبر القبلة ووجَّه وجَههُ إليَّ، فإنما جئت أُصلِّي لله ربّ العالمين، لا لأحدٍ سواه.
في يوم الجمعة الماضي، حين غصّ المسجد بالمصلّين، كانت هناك فئة تجلس مستدبرةً القبلة كأنها على عروشٍ من كِبرٍ وغفلة، بعضهم يمدّ قدمه، وآخر يمدّهما معاً، وآخر فاتح ساقيه، يحدّقون في الناس أمامهم وهم يُصلّون تحيّة المسجد.
مشهدٌ يورث الاشمئزاز، وتنفر منه المروءة، وتأباه نفوس الرجال التي تعرف قدر السجود والخشوع، وفجأة، دوّت صرخة غيور :
"اجلسوا واعتدلوا، فالناس تُصلِّي إليكم!"
كان الصوت حادّاً يملأ الأركان، ايقظ في القلوب هيبةً غابت عن بعض بيوت الله، مشهد يوجع القلب، توقّف الهمس، سمعه الجميع، الإمام، والوعّاظ، وسائر القائمين على بيت الله، إلا فضيلة الشيخ الذي يلقي الدرس قبل صلاة الجمعة، تابع الدرس ولم يلقي بالاً !!
تزحزح البعض خجلاً لا ورعاً، وعدّل آخرون جلستهم في حياءٍ مصطنع، وبقي من بقي كأنهم فراعنة العصر لا يبالون... وانتهى المشهد...
إن استدبار القبلة في المساجد عادة دخيلة، غاب فيها الوعي الديني، نشأت من الجهل واللامبالاة، وسكت عنها من كان الأولى به أن يُعلّم وينصح، فأين الغيرة على شعائر الله؟
وأين الأدب مع القبلة التي هي رمز التوحيد ووحدة الأمة؟
إنها ليست مسألة هيئةٍ أو جلوس، بل مسألة قلب يعرف إلى أين يتوجّه، فمن عرف الله عَظُم عنده الاتجاه إلى القبلة، ومن جهل قدر ربّه جلس مستدبراً، لا يدري أنه ينازع ربّ العزّة في كبريائه.
إن الواجب على الأئمة والخطباء أن يُنبّهوا الناس إلى هذا الخلل، وأن يُقيموا في القلوب أدب الوقوف بين يدي الله، ويُستحسن أن تُعلَّق لوحاتٌ على جدار القبلة تُذكّر بأن استدبارها والناس تُصلّي أمرٌ يُنافي المروءة ويُشغل المصلّين، ويُشبه في هيئته المتكبّرين الذين يُنازعون الله في كبريائه، فالله وحده هو المتفرّد بالعظمة، المتوَّج بالكبرياء، ومن نافسه في ذلك أهلكه، كما قال سبحانه في الحديث القدسي:
"الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني فيهما قصمته ولا أبالي."
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق