الجمعة، 7 نوفمبر 2025

مقام السيدة من زينب الدمشقية إلى زينب بنت علي

لقد انتقلت العادات والتقاليد عبر الأجيال وأصبحت إرثاً ثقافياً نعيشه اليوم، نأخذها عن آبائنا وأجدادنا وننقلها بدورنا إلى أولادنا، حتى يذوب هذا الإرث بمرور الوقت بين الحقيقة والخيال ليصبح جزءاً من هويتنا، ويصبح لدينا ارتباط عاطفي قوي به.

لكن هناك ما يظل عالقاً في ذاكرة مجتمعنا من خرافات ومفاهيم مغلوطة، تؤثر في فهمنا لما يدور حولنا، فنقص الوعي قد يقودنا إلى الجهل، ومع هذا الجهل يصبح التصديق أسهل، ويغلق العقل أمام الحقائق.

من أبرز تلك القصص التي أحاطتها الأساطير هي قصة "مقام السيدة زينب" في ضاحية دمشق، فالحقيقة التي يغفل عنها الكثيرون هي أن التاريخ لم يذكر أبداً أن السيدة زينب، بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قد دُفنت في دمشق، فالمقام الذي يتوافد إليه الزوار اليوم ليس قبر السيدة زينب كما يعتقد البعض، بل هو قبر امرأة دمشقية عظيمة تُدعى "زينب" حيث ينتشر هذا الاسم في العديد من العائلات الدمشقية، ففي كل عائلة دمشقيَّة يوجد اسم "زينب وفاطمة وعائشة ورقية" حبّاً وتكريماً لأزواج النبي وبناته صلى الله عليه وسلم.

كانت السيدة زينب الدمشقية من الأغنياء الكرماء في الشام، وكان لها قلب كبير، دائم العطاء والمساعدة للفقراء والمحتاجين، وبعد وفاتها، دُفنت في بستانها، فظل قبرها قريباُ من قلب دمشق وأهلها، وأصبح يُطلق عليه "مقام السيدة زينب".

لكن المفارقة تكمن في أن الزوار الذين يطوفون حول القبر يجهلون حقيقة صاحبة القبر. فقد مرّت عقود طويلة منذ أن بدأ الدمشقيون بزيارة هذا المقام، بكل حب وإيمان، دون أن يعرفوا أنها ليست السيدة زينب بنت علي.

أذكر جيداً أول زيارة لي في ستينيات القرن الماضي، حيث كنت طفلاً دون العاشرة، يرافقني أمي وصديقاتها، دخلت الحرم وأنا أركض بشغف، أتمسح بالجدران طلباُ للبركة، مثلما كان يفعل كل من حولي. وكان هذا التقليد راسخاً في أذهان الجميع، وكان غالبية الزوار من المسلمين السنة.

لكن مع مرور الزمن، وتحديداُ مع بداية المشروع الطائفي الإيراني في سوريا، تغيّرت الكثير من الأمور، ففي السبعينات، أصدر رجل الدين العراقي "حسن الشيرازي" فتوى غريبة تربط بين الطائفة العلوية والشيعة الجعفرية الإمامية الاثني عشرية، في محاولة لإخراج حافظ الأسد وطائفته النصيرية من عزلتهم الفكرية والاجتماعية.

وقد كانت الفتوى بمثابة إشارة لبدء التدخل الإيراني في نشر أفكار مذهبية، واستيلاء الشيعة على بعض المقامات، مثل مقام السيدة زينب ومقام رقية، وبناء حوزات شيعية، فتمَّ بناء أول حوزة علمية شيعية في دمشق عام 1975م، تحت اسم "الحوزة الزينبية"، لتتغير بذلك معالم التاريخ، وتعتبر ثالث أهم حوزة بالنسبة للشيعة بعد حوزة النجف وحوزة قم.

ومع قيام الثورة الخمينية عام 1979، بدأ التدفق الإيراني نحو سوريا، حاملاً معه ثقافة طائفية جديدة، مدعومة من النظام العلوي الحاكم، وبالتالي، تحوّلَت المقامات التي كانت تُعتبر جزءاً من تاريخ دمشق، إلى مراكز دينية تُمارس فيها الطقوس الشيعية، تحت دعم النظام، وأكثر ما يُؤسف له هو أن قبر زينب الدمشقية قد اختلط اسمه مع السيدة زينب بنت علي، ليصبح المقام واحداً، ويُصدق الناس أن "زينب" الدمشقية في هذا المقام، هي تلك السيدة العظيمة بنت الإمام علي بن أبي طالب، في حين أن ذلك بعيد عن الحقيقة، وهذا الخلط في الفهم قد أثر على فهمنا للتاريخ، فيجب أن نحترم تاريخنا ونفهمه جيداً، كي نعرف من هي صاحبة القبر الحقيقية، ولنتأكد من الحقائق ونعيد الفهم الصافي لما ورثناه، فنبني على أساس سليم، وننزع بسمار جحا التي تعلق عليه إيران حقدها الطائفي.

لذلك، نتمنى من الجهات المعنية، مثل وزارة الأوقاف السورية، أن تتأكد من حقيقة المقامات الشيعية في بلادنا، وأن يكون لدينا مرجع علمي وتاريخي واضح يؤكد صحة ما هو موجود، أو ينفي تلك الادعاءات، فليس من اللائق أن نظل في حالة من الضبابية والجهل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

حدث في مسجدنا.. لا تؤخِّروا الجنازة.. الجنازة أولاً..

آخر ما ينتفع به الميت في الدنيا هو الصلاة عليه والدعاء له. ومن المؤسف أن يُبتلى بعض أئمة المساجد بتقديم صلاة السُّنّة البعدية على صلاة الجنا...