السبت، 24 يناير 2026

القامشلي... حكاية مدينة لم تكن في الحسبان

على أطراف الخرائط، حيث تتعانق الحدود وتضيع المسافات بين الدول، وُلدت القامشلي !!

لم تولد من رحم حضارة قديمة، ولا استظلّت بظل قلعة أو عاصمة منسية، بل خرجت إلى الوجود صدفة، ثم أضفى البشر عليها الروح، فتحولت إلى مدينة تنبض بالحياة.

تقع القامشلي في شمال شرق سوريا، ضمن محافظة الحسكة، عند مثلث تلاقي الحدود السورية والتركية والعراقية، هناك، حيث يختلط التاريخ بالجغرافيا، غدت المدينة مركزاً إدارياً وتجارياً مهماً، وواحدةً من أكبر مدن المحافظة وأكثرها حركةً وتأثيراً.

اكتسبت القامشلي نشاطها بموقعها الحدودي مع تركيا، ومنحتها الأرض خيرها بسخاء، تمتد حولها حقول القمح والعدس والشعير كبحرٍ ذهبي، وتتناثر الثروة الحيوانية في محيطها، أسهمت حقول النفط القريبة في تسريع نبضها الاقتصادي، وعلى ضفاف نهر الجغجغ (الجعجع) الذي يشق المدينة بهدوء، حيث يكثر نبات القصب، وُلد اسمها «القامشلي» الذي يعني القصب، اسمٌ بسيط مثل نشأتها، لكنه صار عنواناً لمدينة كاملة.

بعد الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية، رُسِمَت الحدود الجديدة بقلم المنتصرين، ومع الانتداب الفرنسي على سوريا عام 1920م، تحولت سكة الحديد (برلين – بغداد) عند نصيبين إلى خط فاصل بين بلدين.

 هناك، وقفت نصيبين في الشق التركي، (مدينة نصيبين تاريخياً تابعة لبلاد الشام) بينما بدأت القامشلي تتشكل في الجانب السوري، مدينتان متقابلتان، يفصل بينهما خطٌ سياسي، ويجمعهما تاريخٌ واحد، حتى بات كثيرون يخلطون بينهما إلى اليوم.

حكاية القامشلي...
أقام الفرنسيون مخفراً حدودياً ومحطة قطار على الجانب السوري، في منطقة زراعية تضم قرى عربية مسلمة وسريانية وآشورية وكلدانية فتحول المكان إلى نقطة جذب لجأ إليه الأرمن الهاربون من الأناضول، وبالتالي هاجر الأكراد من تركيا هرباً من القوميات المتشددة بعد تأسيس الجمهورية التركية.

في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، وبعد فشل الثورات الكردية في كردستان تركيا، ومنها ثورة الشيخ سعيد بيران عام 1925م التي قامت ضد سياسة التتريك، نزح عدد كبير من الأكراد الأتراك إلى شمال شرق سوريا، ولا سيما إلى القامشلي ومنطقة الجزيرة، لتشكل هذه الموجة أكبر مرحلة تأسيسية للوجود الكردي في القامشلي.

وفي فترات لاحقة، خلال الصراعات المتكررة في كردستان العراق في الثلث الأخير من القرن العشرين، وخاصة بعد حملة الأنفال، لجأ العديد من الأكراد إلى سوريا، واستقر بعضهم في القامشلي.

وفي ثمانينيات القرن الماضي، ومع اندلاع الصراع المسلح بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني (PKK)، تدفقت إلى القامشلي موجات جديدة من الهجرة الكردية، وبعد عام 2011، ومع الثورة السورية، استقرت في المدينة عائلات عديدة من مختلف مناطق كردستان، فامتدت القامشلي ونمت، لا بأسوارها، بل بالبشر.

اليوم، يقترب عدد سكان القامشلي وضواحيها أكثر من نصف مليون نسمة، ينتمون إلى فسيفساء بشرية نادرة الألوان والأنغام: العرب والسريان والآشوريون والكلدان والأرمن والأكراد، مجتمعون على أرض واحدة، هذا الخليط لم تخلقه السياسة وحدها، بل نسجته الهجرات ودفء البحث عن الأمان، وحكايات العيش المشترك.

وبهذا، لم تكن القامشلي مجرد مدينة من حجر، بل كانت مدينة الأعراق واللغات، ومرآةً لتاريخٍ حافل بالهجرات والتلاقي، لم تختَر الأرض مكانها، لكنها اختارت أن تحتضن الجميع، وُلدت صدفةً على الحدود، لتصبح وطناً لكل من عبر إليها، وبقيت صامتةً وشاهدةً على أن المدن، مثل البشر، تُعرَف بروحها ودفئها، لا بأصولها أو جذورها.


الاثنين، 19 يناير 2026

حين نهضت الجزيرة وسقط القيد، عاد الفرات إلى اسمه ومعناه

عاثت قسد ميليشيا قنديل في جسد الجزيرة السورية فساداً أسودَ، فحوّلت الأرض الطاهرة إلى ساحات قتل، وارتكبت بحق أهلنا الأبرياء جرائم تندى لها الجباه، إجراماً منظماً لا يعرف الرحمة، خلّف دماراً لا تُحصيه الأرقام، وخراباً لا تمحوه السنين، ووصمة عارٍ لا تُغتفر.

اليوم…
اليوم نهض الحق من تحت الركام، وبإرادة الله أولاً، ثم بسواعد صناديدنا الأبطال، فارتفعت راية الكرامة فوق أنقاض الظلم، وخُطّت ملاحم النصر بأيدٍ لم تعرف القيد، ولا انحنت يوماً للطغيان.

أربعة عشر عاماً من الإجرام كانت كافية لفضح كل الأعداء أمام العالم، لكنها كانت أعجز من أن تكسر إرادة شعبٍ خُلق حرّاً، ولا يعرف معنى الانكسار !

اليوم...
عادت الجزيرة الفراتية لأهلها عالية الراية، مرفوعة الرأس، ثابتة العهد إلى يوم القيامة.

اليوم...
ومن القلب إلى القلب نبارك لشعبنا السوري الأبي هذا اليوم العظيم، ونخصّ أهلنا في الجزيرة بعودة الفرات إلى اسمه، إلى روحه، إلى معناه الحقيقي، عاد متطهّراً من رجس جبال قنديل، فراتاً حرّاً صافياً كما خُلق، صادق الانتماء، سوريَّ الهوى والهوية، يشهد أن الماء لا يُستعبد، وأن الأرض لا تخون أبناءها، وأن الحق مهما طال اغترابه لا بد أن يعود.

اليوم سورية أعلنتها مدوّية:
أنا عصيّة على السقوط، شامخة كشموخ الجبال، صامدة كجريان الأنهار، ينفجر الفرح من قلبي عزّةً لا تنحني، ويزدهر النصر في شراييني بقلوبٍ فولاذية لا تلين، فنبض بواسلي حيّ، وزئيرها لا يعرف الهزيمة.

الخميس، 1 يناير 2026

السنة الشمسية نظام كوني من آيات الله لا بدعة فيها.. عام جديد..

السنة الشمسية ليست أمراً مُحدَثاً من الناس، بل هي نظام كوني جعله الله تعالى آيةً من آياته، تقوم عليه حياة البشر، وبه تُعرَف الأزمنة وتُحسب السنين.

وهي المدّة التي تكمتل فيها الأرض دورتها حول الشمس، وقد أشار القرآن الكريم إلى دقّة هذا النظام بقوله تعالى:

﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ أي أنّ الكون يسير وفق حسابٍ دقيق لا يختل.

وبهذا الحساب عرف الناس الفصول الأربعة (الصيف والخريف، والشتاء، والربيع)، وانتظمت حياتهم من زراعة وسفر ومعاش.

وعلى هذا الأساس قسّم أجدادنا الشتاء إلى أربعينيّة وخمسينيّة، وسمّوا الأزمنة (سعد بلع، والدابح، والسعود، والخبايا)، وسمّوا الجمرات (الأولى، والثانية، والثالثة)، وعرفوا أوقات الانقلابين الربيعي والخريفي، وكلّ ذلك من فهمهم لسنن الله في الكون.

فالسنة الشمسية، مثل السنة القمرية، كلتاهما من تقدير الله، وكلتاهما وسيلة لمعرفة الوقت وتنظيم الحياة، فلا قداسة لإسم أو رقم بذاته، وإنما العبرة بما يوافق شرع الله، ولا حرج في استخدام ما ينظّم شؤون الناس ومعاشهم.

أما ميلاد عيسى عليه السلام، فإنّ القرآن الكريم بيّن زمنه بوضوح، حين قال تعالى على لسان مريم عليها السلام:

﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾

ورُطَبُ النخيل لا يكون في كانون الثاني، وإنّما يكون في أواخر الصيف وبداية الخريف، ممّا يدلّ على أنّ مولده عليه السلام لم يكن في هذا الوقت الذي يُشاع بين الناس، أي في شهر كانون الثاني.

ولذلك، لا ينبغي أن يكون التهنئة بدخول عام جديد سبباً للخلاف أو الجدل، ما دامت النيّات صادقة، والقلوب متعلّقة بالله.

فالأيام تمضي، والسنون تتعاقب، والعبرة ليست بالأرقام، بل بما نقدّمه فيها من طاعةٍ وتقوى، وإصلاحٍ للنفس، وإحسانٍ إلى الناس، فالسنة الشمسية آية من أيات الله لا بدعة فيها.

نسأل الله أن يجعل أعوامنا أعوام خير وقرب منه، وأن تكون شاهدةً لنا لا علينا، وأن يرزقنا صدق النيّة وحسن العمل.

وكلّ عام وأنتم بخير.


حدث في مسجدنا.. لا تؤخِّروا الجنازة.. الجنازة أولاً..

آخر ما ينتفع به الميت في الدنيا هو الصلاة عليه والدعاء له. ومن المؤسف أن يُبتلى بعض أئمة المساجد بتقديم صلاة السُّنّة البعدية على صلاة الجنا...