الأربعاء، 23 مارس 2016

نازحة على الرصيف

"في زمنِ الظلمِ والقمعِ والفقرِ والجوعِ والخوف، تضيقُ الأرضُ حتى يغدو الرصيفُ مأوى، وتبقى الكرامةُ آخرَ ما يملكه الإنسان."

في ليلة صيف حارّة، أسدل الليل سدوله على المدينة، فأضاء القمر وجه نجوى الذابل الحزين، وهي مُتمدِّدة على جانبها الأيمن، تفترش الأرض وتلتحف السماء، تحضن طفلتها وتتمسك بصرتها خشية أن تفلت منها.

اعتادت نجوى الرقود على الرصيف بعد أن طلبت جدتها منها الرحيل، رصيف عريض تحت الجسر بين شارعي الثورة والنصر، تُباع عليه أثاث البيوت المستعملة ومستلزماتها، يعجُّ بالمارة، يرتاده الفقراء في النهار لرخص الأسعار. ويضطجع عليه المتسولون في الليل حتى الصباح، معروف باسم:
سوق الحرامية!

ذهبت نجوى في نومها العميق على جنبها الأيمن كعادتها، تستحضر حكايتها، تأمل أن تتبدّل الأحداث في الحلم، فتستيقظ على غدٍ أفضل يُنقذها مما هي فيه.

سكنت "نجوى" مع زوجها "أحمد" في شقة حماتها ذات الغرفتين في بلدة كفر بطنا بريف دمشق، وتقاسمت العيش مع حماتها وسلفتها في بيت واحد، أقامت هي وأحمد في غرفة، وسلفتها وزوجها في الغرفة الأخرى، أما حماتها فمكثت في الصالون.

عاشت نجوى وزوجها حياة سعيدة هادئة، ورزقهم الله مولودة جميلة سمّوها "عائدة". لكن سعادتهم كانت محدودة لتقاسم الإخوة العيش معاً، وكل أخ بالكاد يغطي نصف احتياجاته رغم اجتهاده.

في داخلها شعرت نجوى برغبة عميقة للعيش في منزل يضم عائلتها الصغيرة وحدها، حيث يمكنها أن تستقبل شريك حياتها وتفعل له ما يحب دون أي قيود، لكن الواقع كان أقوى منهم فلا قدرة لهم على الاستقلال، فالحياة اجبرتهم على البقاء مع أهله.

أحمد شاب طيب النفس، خلوق ومسالم، يتكلم عند اللزوم، محب لوالدته وزوجته وابنته التي أتمّت عامها الثالث، لا يدخر جهداً لإسعاد عائلته، ولهذا أحبته نجوى حبّاً صادقاً.

وفي ليلة نجلاء، تعرّضت كفر بطنا لعدة صواريخ دمرت بُنيانها، فاصبح الجميع نازحاً بلا مأوى!

استأجرت سلفتها غرفة في دمشق مع زوجها وأمها التي فقدت ذاكرتها، أما نجوى وزوجها فكانا بلا وجهة، ليس بمقدور أحمد استئجار سكن، ولا لوالديها مكان تلتجئ إليه، فهما منفصلان عن بعضهما.

تزوجت والدتها رجلاً من غير ملتها وأقامت في اللاذقية، ولا تعرف عن والدها شيئاً. ذهبت نجوى مع زوجها وابنتها حيث عاشوا فترة قصيرة بينما أحمد يعمل بالكاد لتغطية بعض احتياجاتهم.

ازدحمت دمشق بالنزوح، امتلأت شوارعها وحدائقها، وتقطعت أوصالها بالحواجز، وارتفعت الأسعار، وأصبح العيش فيها صعباً للغاية.

كانت نجوى تمنع زوجها من الخروج خشية الاعتقال، وتحلم بهجرة آمنة نحو أوروبا، لكنها تعلم أن المال هو العائق الأكبر.

قالت له يوماً:
"الناس تخشى الخروج من البيت خشية ألا تعود سالمة، وأنا قلقة عليك طوال غيابك."

أجابها بهدوء:
"لا تخشي يا حبيبتي، إنّ الله معنا، وأنا لست فضولياً ولا أتدخّل في شؤون أحد."

قالت:
"ولكنّهم يعتقلون الشباب بدون سبب، وهناك الكثير من هاجر خوفاً من التجنيد أو الاعتقال، اذهب يا أحمد إلى ألمانيا واطلب لنا "لمّ الشمل!"

رد أحمد برفق:
"الهجرة تحتاج لمال كثير، ومن أين لي كلفة السفر يا حبيبتي؟"

صمتت نجوى، فهي تعلم أنه بالكاد يجد قوت يومه، لكنها أرادت تحفيزه للخلاص مما هم فيه.

استمر القلق يرافق نجوى كل يوم، حتى جاء اليوم الذي اعتُقل فيه أحمد عند أحد الحواجز أثناء عودته بالميكروباص.

بكت نجوى بحرقة، كان أحمد رجلاً مسالماً يريد فقط أن يعيش!

أصبحت في حيرة كيف تُطعم ابنتها. فكرت ملياً ثم هتفت في داخلها:
"لن أستسلم...يجب أن أعمل!"

وفي اليوم التالي، قالت لجدتها:
"ستي، أرجوك، ديري بالك على عائدة، أنا ذاهبة أبحث عن عمل، فأحمد لن يعود."

قالت الجدة:
"وما أدراك أنّه لن يعود؟"

أجابتها نجوى بحزم:
"يا ستي، لم أسمع عن أحد اعتُقل من الحاجز وعاد سالماً إلى أهله!"

ردّت الجدة:
"الله يستر."

بدأت نجوى رحلة البحث عن عمل، وكانت جدتها عاجزة عن إعالتها، فهي تعيش على الصدقات.

نجوى، الفتاة الخجولة، العفيفة المحتشمة، وجهها مستدير، عيناها عسليتان، خديها مكتنزان تعلوه حمرة خفيفة، وشعرها ناعم أسود كالليل مختبئ تحت غطاء أبيض، تداري بسمتها المشرقة كي لا تكشف لآلئ أسنانها.

ومرت أيام تبحث عن عمل يغنيها عن سؤال الناس، ولكنها تعود دائماً خائبة، فالنفوس الضعيفة تريد شيئاً بالمقابل!

عادت نجوى يوماً صفر اليدين دون عمل ولا طعام، وجدت جدّتها بانتظارها غاضبة تقول:
"لقد أتعبني بكاء ابنتك، ولا طعام عندي ولا قدرة على إعالتك!"

شهقت نجوى رعباً، فهي تتوقع سيأتي يوماً تضجر جدتها من طفلتها الصغيرة، وها هو اليوم قد جاء.

واستمرت الجدة:
"كان الناس يتصدقون علي بالمال والطعام،  ولكن منذ قدومكم انقطع عني كل شيء، اذهبي وابحثي عن مأوى آخر."

قضت نجوى ليلة سوداء في أرق وغم وحزن، لا تريد بزوغ الفجر، فلا مكان تأوي إليه، لقد كانت كل الطرق مغلقة في وجهها.

جاء الصباح، وخرجت نجوى من بيت جدتها مكسورة حزينة، دموعها تنساب على وجنتيها، تحمل ابنتها بيد وصرتها باليد الأخرى، لا تدري أين تذهب.

سارت في شوارع دمشق، توقفت عند الحواجز، رأت الفوضى في كل مكان، نساء بلا حياء، شبه عاريات، ورجال فقدوا شهامتهم ونخوتهم، بكت وتنهدت حسرة على غياب الفضيلة وانتشار الرذيلة.

تقلّبت نجوى في نومها إلى جنبها الأيسر، فتفكك عقد أزرار صدرها، وبرز طرفي نهديها وهي راقدة على الرصيف، فاستيقظت مذعورة خوفا وحياء على يد تتحسس مفاتنها التي انكشفت، فقد حاول أحد الجنود التحرش بها، فأبعدت يده بحزم و أعادت عقد أزرارها المنفكّة، وحضنت ابنتها بقوة وامسكت بصرتها، وبدأت نهاراً جديداً في البحث عن لقمة العيش، متحدية الواقع القاسي.

سارت نجوى تحت أشعة الشمس الصباحية، تارة تُضيء وجهها وتارة يختبئ الضوء خلف الغيوم، وهي تخطو بعجلة عكس السير المزدحم، ظلّها يسابق خطواتها، تتمنى أن يتحرر منها ويتركها دون عبء وعذاب!

صعدت رصيفاً وهبطت آخر بمحاذاة حائط جسر الثورة متجهة نحو قلعة دمشق، عند سوق الهال القديم.

توقفت لحظة... جذبتها ألوان الأجبان والخضار والفواكه المرتبة بعناية على البسطات، نشًقت أنفها رائحة الخبز الطازج الذي كان يحمله أحد المارّة، لكن أنف صغيرتها الجائعة كان أسرع، فصرخت ابنتها بنبرة طفولية:
— بدي خبزة!

أحست نجوى بألم في صدرها، لا تملك ثمن رغيف، ولم تُطعم ابنتها منذ الأمس سوى لُقيمات من حاويات قمامة المطاعم.

أسرعت في مشيتها لتُبعد صغيرتها عن رائحة الخبز، ووقفت عند قلعة دمشق، أمام تمثال صلاح الدين الأيوبي، الفارس على جواده، سيفه بيده وجنوده حوله، ووجهه موجهاً نحو الأفق، رفعت نظرها حتى التقت عيناها بعينيه، وهمست في نفسها:
— انظر يا صلاح الدين، ماذا حل بالمسلمين بعدك؟

أفاقت نجوى من شرودها على صوت النّاس يتدافعون حول التمثال المصنوع من البرونز لالتقاط الصور، وبحركة سريعة ضمّت طفلتها إلى صدرها بقوة خشية أن يبتلعها الزحام.

واصلت طريقها نحو سوق الحميدية، أطول الأسواق الشعبية في دمشق، وأجملها، حيث تُباع كل السلع من البابوج إلى الطربوش، حسب تعبير أهل دمشق.

كان السوق مألوفاً لها منذ طفولتها، لكنها اليوم لم تاتي للتسوًق، بل لاستجداء النّاس، لتجد بعض النقود التي تشتري بها الطعام لسد رمق جوعها وجوع ابنتها.

بدأت جولتها تمشي بين النّاس بذلّة وهوان، عينيها دائماً إلى الأرض لتتفادى مواجهة أي نظرة تزيد ألمها، تمدّ يدها وتتساءل في صمت:
— لماذا أفعل هذا؟

يجيبها صوت داخلي:
— إنها الحاجة... إنه الجوع... إنها ابنتك!

جذب نظرها صور القائد الخالد معلقة بحبل الزينة وهو يضحك، فاضت دموعها وهي تهمس إلى ربها بصوت خافت:
— اللهمّ من كان سبباً في حالي فاجعل حاله كحالي، ومن كان سبباً في ذلي فأذله كذلي!

ظلّت نجوى تبكي وتتوسّل، متجنبة أعين عناصر الأمن خشية التعدي عليها بأي تهمة جاهزة لديهم، حتى ارتفع قرص الشمس في كبد السماء.

دخلت نجوى سوق الحريقة لتستريح في ساحتها، وتحسب ما جمعت من جولتها كالمعتاد، وبينما تحاول الجلوس على أحد المقاعد العامّة، شعرت بوجود خطر يقترب، أصوات اشخاص تقول:
— ليلة واحدة معنا تنهي عذابك!

رفعت بصرها لتجد شباباً يلوحون لها بالمال يُريدون أن يغرّوها.

لو أرادت نجوى بيع جسدها لزال همومها وشقاؤها، ولعاشت حياة رغد ورفاهية مثل صديقتها سحر!

سرحت بخيالها، تسترجع قصة صديقتها سحر.

سحر التي باعت جسدها إلى كل مسعور وجبان، اختصرت طريق الشقاء، فصارت من الأغنياء، تقطن في "أبو رمّانة"، أرقى أحياء دمشق، ترتدي افخر الفساتين، وتتناول ما تشتهي وطاب، تفنّنت في بيع جسدها فتحوّلت إلى حلم كل من يحمل منصباً، والجميع يتمنون رضاها لتصبح امرأة ذات شأن، تفكّ مشنوقاً من حبل المشنقة!


حاورت نجوى نفسها:
— أنا أجمل من سحر، أصغر سناً، وأفتن جسداً، فهل أسلك طريقها؟

أخذت نفساً حزيناُ عميقاً وأردفت:
— هل أبيع شرفي؟ هل تعذرني ابنتي؟ هل يغفر لي ربي؟

انهمرت دموعها عند ذكر الله، وعادت تهمس:
— الكثيرات هاجرن إلى أوروبا لتجنب بيع شرفهنّ... والحرة الشريفة تجوع ولا تأكل بجسدها!

عقدت حاجبيها واتخذت القرار:
— لن أكون زانية… إني أخاف الله!

ارتجف قلبها من الخوف والرهبة، لكنها شعرت بالطمأنينة أخيراً.

صحت من شرودها فوجدت الشبّان الماجنون ما زالوا ينتظرون ردها، لكنها ابتعدت عنهم محضنة ابنتها، حاملة صُرَّتها وغادرت سوق الحريقة.

عادت إلى سوق الحميدية باتجاه مسجد الأموي، ومع غياب الظهيرة، انبعثت رائحة الطعام، لقد حان وقت الغداء، ورائحة "الصفيحة" الشهية تملأ المكان، متسللة من المطاعم. غرّدت ابنتها:
— بدي آكل!

توقفت عند مطعم أبو العز في باب البريد، فلقد جمعت ما يكفي للغداء. اشترت عدة أقراص صفيحة مع قارورة لبن، واتجهت إلى حائط مسجد الأموي لتجلس مع ابنتها على أحجاره البارزة، مكان استراحتها المعتاد.

شعرت بالشفقة تجاه ابنتها، فالصغيرة لا ذنب لها فيما جرى، ضمت ابنتها لصدرها وقبلتها، لقد راودها شعور غريب بأن شيئاً سيحدث.

بعد الغداء، لعبت مع ابنتها وضحكنا معاً حتى تعالت ضحكات الصغيرة، لكن حرارة الظهيرة كانت خانقة والناس يزدحمون في كل زاوية بحثاً عن ظل، البعض يجلس داخل المسجد على البلاط الرطب، والبعض في الظل على جوانب الساحة الخارجية، والبعض وجد مكاناً على احجار الحائط الأثرية، وآخرون واقفون يتداولون الأحاديث، مكان كعادته مزدحم بأطياف بشرية.

جذب انتباه عائدة بائع العرقسوس والتمر هندي، بزيه الشعبي الكلاسيكي، يلبس قنبازاً مخططاً، وسروالاً أسوداً، ويضع طربوشاً أحمراً على رأسه، وهو يرمي الكأس الزجاجي في الهواء قبل أن يمسكه من جديد، ليملؤه شراباً ويقدمه للزبائن.

طلبت عائدة من أمها أن تسقيها فتحسست نجوى ما تبقى معها من نقود، داعية الله أن يتمم فرحتهما فوجدت ما يكفي.

سقت ابنتها كأساً من شراب التمرهندي، وجلست وابنتها، والصُرّة بجانبها، والوسن يغلبها بعد أن شبعت وارتوت مستظلّة بالحائط، فأغلقت عينيها وغفت.

في الغفوة، رأت نفسها مع ابنتها في مرج أخضر مرتفع يطل على وادٍ عميق. اقتربت الطفلة من الحافة، تتراجع إلى الوراء، تلهو مع أمها، صرخت نجوى:
— قفي يا عائدة! ارجعي!

ضحكت الطفلة قهقة عذبة، تمشي للخلف، وأمها تسرع لتمسك بها قبل أن تسقط في الوادي!

فجأة... استيقظت نجوى مذعورة، تردد:
— يا رب اجعله خير… يا رب اجعله خير!

نظرت إلى جانبها فلم تجد طفلتها، الصُرّة كانت بلا عائدة!

صرخت بأعلى صوتها:
— عائدة… أين أنتِ؟ ارجعي!

سمعها كل من حولها...

أعادت الصرخة:
أين أنت يا عائدة؟

وعائدة لا تجيب...

التفتت يمنى ويسرى، ركضت هنا وهناك، دخلت المسجد بحثاً عنها وخرجت تصرخ ولم تجد صغيرتها!

فتشت الأطفال ووجوه الناس عسى أن تجد عائدة بينهم، ولكن دون جدوى!

وضعت ركبتيها على الأرض وجلست على كعبيها، فسقط غطاء رأسها، وانكشف شعرها الناعم الحالك الجميل، وهي تقول:
— من شان الله شوفولي عائدة!

ازدادت حشود الناس وازدادت دموعها وصراخها، فأسرع بعض الجنود نحوها، لكنها استمرت تصرخ:
— من شان الله شوفولي عائدة!

ثم فجأة هدأت، ضحكت بصوت عالٍ ثم سكتت، أدخلت أصابع يدها في شعرها تعبث به، ثم وقفت تدور وسط المتجمهرين حولها، ثم اقتربت منهم واحداً واحداً قائلة:
— خطفوا عائدة… ضاعت عائدة… سرقوا عائدة...!

جلست على الأرض، تمد قدميها وتفرك بهما، فانخلع حذاؤها، نهضت حافية، تصرخ بوجوه الناس، تبكي وتشد شعرها وتنادي ابنتها:
— عا……ئد……ة!

انفضّ الناس من حولها، يبتعدون عنها بخوف مكتوم، يهمسون فيما بينهم:

"جنّت المسكينة لضياع ابنتها... يا حرام!"

وغدت نجوى هايمة على وجهها لم تسمع أحد، تجوب شوارع دمشق بعيون خاوية كطيف ضائع، كمن يمشي في حلم مظلم لا ينتهي، صوتها يهذي بصعوبة متقطعاً يلتصق بجدران الأزقة:
 
"خطفوا عائدة... سرقوها..."

وكلما رفعت عينيها، بدت دمشق صامتةً كقبرٍ مفتوح، معتمةً كأنها تبتلع ما تبقّى من الضوء في صدرها.

كانت أبواب محلاتها موصدةً، مطليةً بعلم النظام الحاكم، كأن المدينة أُجبرت أن ترتدي لوناً لا يشبهها، وعلى الجدران تمتد العبارات القاسية:

"الأسد أو نحرق البلد"

كلماتٌ مسمومة تنبض بالتهديد، وتخنق الهواء في الأزقة.

كل شارع كان يكرر المشهد ذاته، كأن الحزن صار قالباً تُصبّ فيه المدينة بأكملها، لم تكن ترى أمامها سوى صورة ابنتها المفقودة، تتقدمها كطيفٍ موجع، تحدّق فيها ببراءةٍ مكسورة. كانت تسير بين الجدران والرايات والوجوه الباردة، ولا تجد في المدينة قلباً يرحم، ولا نافذةً تفتح لها درباً نحو الأمل.

واختفت نجوى كما اختفت ابنتها، ولم يرها منذ ذلك الحين أحد.

مرت شهور...
حتى جاء أقرباء زوجها يبحثون عنها، اقتربوا من المكان الذي اعتادت أن تنام فيه بين الثورة والنصر، وسألوا عنها أحد أصحاب المحلات هناك، فأشار بإصبعه إلى الرصيف قائلاً بصوت خافت:

"هنا كانت ترقد نجوى مع ابنتها وصُرَّتها، نازحة على الرصيف !"

تمّت..

حدث في مسجدنا.. لا تؤخِّروا الجنازة.. الجنازة أولاً..

آخر ما ينتفع به الميت في الدنيا هو الصلاة عليه والدعاء له. ومن المؤسف أن يُبتلى بعض أئمة المساجد بتقديم صلاة السُّنّة البعدية على صلاة الجنا...