العلوية، أو النصيرية، فرقةٌ خرجت من ظلال التاريخ، وتكوّنت في القرن التاسع الميلادي على يد محمد بن نصير النميري، القادم من بصرة العراق، من قبيلة نمير. استقر أتباعها على تخوم الجبال، على الساحل السوري، وفي سفوحه الوعرة، ثم تمددوا إلى دمشق وأرياف حمص وحماة، وتفرّقوا في تركيا ولبنان، يحملون معهم سرّ العقيدة وغموض الانتماء.
هي فرقةٌ باطنية، نسجت معتقدها من خيوط فلسفات وأديان متداخلة، وأحكمت عليه أقفال السرية، فلا يُفشى إلا للخاصة، ولا يُفتح بابه إلا لمن وُلد داخل الأسوار، من أبوين نصيريين، كأنها دائرة مغلقة لا تعرف الداخل إلا من رحمها.
وتتوزع النصيرية السورية على أربع عشائر كبرى: الخياطين، والمتاورة، والحدادين، والكلبية، ومنها خرجت عائلة الأسد، التي ستكتب لاحقاً فصلاً دامغاً في تاريخ البلاد.
في معتقدهم، يتجلّى الإله في علي بن أبي طالب، ويغدو محمد ﷺ حجابًا نورانياً بين الروح والمادة، ويصبح سلمان الفارسي باب العبور إلى الحقيقة الإلهية، فتُبنى العقيدة على تثليثٍ غارق في الرمز: علي… محمد… سلمان.
ويؤمنون بتناسخ الأرواح، حيث الجسد ليس إلا قميصاً ضيقاً، تسكنه الروح مؤقتاً، ثم تخلعه عند الموت، لتتحرر وترتحل إلى جسدٍ آخر، في دورةٍ لا تنتهي، ولا تعرف الحساب الأخير.
حين وطئت أقدام الاستعمار الفرنسي أرض سوريا، غيّر المحتل الاسم قبل أن يغيّر الواقع، فاستبدل (النصيريين) بـ (العلويين)، محاولةً لتجميل الصورة وتهيئة القبول، فتبدّل جبال النصيريين إلى جبال العلويين، ثم جاء حافظ الأسد، فمحا الاسم مرة أخرى، وأطلق عليها جبال اللاذقية، وكأن تغيير اللافتة كفيل بتغيير الذاكرة.
ومن دهاليز حزب البعث العربي الاشتراكي، صعدت الطائفة إلى الحكم، مستفيدةً من الانقلابات الدامية في ستينيات القرن الماضي، فسيطرت على مفاصل الدولة والجيش، وحين أمسك حافظ الأسد بزمام السلطة عام 1970م، بدأت حقبتهم الذهبية، خرجوا من عزلة الجبال، ونزلوا إلى المدن، وامتزجوا قسراً بنسيج المجتمع السوري.
لم تدخل تلك السلطة المدن إلا غريبةً عنها، فلم تستطع التصالح معها، ولا أن تفهم روحها، فدخلتها وهي تحمل ميراث الارتياب، تخاف ناسها ويخيفها اتساعها، فاختارت ان تحكم البلاد بقبضةٍ من حديدٍ ونار، وبالخوف بدل الانتماء، وبالعصا بدل العدالة.
شدّت قبضتها الحديدية على البلاد، وأطلقت وحوش أجهزتها الأمنية، فصار القمع قانوناً، والاستبداد عقيدة، ومصادرة الحريات طقساً يومياً.
تمدّد الفساد كالعفن في جسد الدولة، وانهار الاقتصاد تحت أقدام اللصوص، وغابت العدالة حتى كأنها لم تكن، وضاقت السجون حتى ابتلعت الأجساد والأحلام معاً.
لكن الشعوب لا تموت، فحين بلغ الظلم منتهاه، نهض الغضب السوري كالإعصار، فحطّم القيود، واقتلع جذور الطغيان، وحرّر وطنه في معركة ردع العدوان، في الثامن من كانون الثاني عام 2024م. هناك، أُسدل الستار الأخير على سلطةٍ وُلدت في الظل، وصُنعت في الظلام، فلم تحتمل نور العلن، فسقطت أمام نور الثورة، واندثرت تحت أقدام الأحرار.