الجمعة، 26 ديسمبر 2025

الجبال التي حكمت المدن... العلوية النصيرية

العلوية، أو النصيرية، فرقةٌ خرجت من ظلال التاريخ، وتكوّنت في القرن التاسع الميلادي على يد محمد بن نصير النميري، القادم من بصرة العراق، من قبيلة نمير. استقر أتباعها على تخوم الجبال، على الساحل السوري، وفي سفوحه الوعرة، ثم تمددوا إلى دمشق وأرياف حمص وحماة، وتفرّقوا في تركيا ولبنان، يحملون معهم سرّ العقيدة وغموض الانتماء.

هي فرقةٌ باطنية، نسجت معتقدها من خيوط فلسفات وأديان متداخلة، وأحكمت عليه أقفال السرية، فلا يُفشى إلا للخاصة، ولا يُفتح بابه إلا لمن وُلد داخل الأسوار، من أبوين نصيريين، كأنها دائرة مغلقة لا تعرف الداخل إلا من رحمها.

وتتوزع النصيرية السورية على أربع عشائر كبرى: الخياطين، والمتاورة، والحدادين، والكلبية، ومنها خرجت عائلة الأسد، التي ستكتب لاحقاً فصلاً دامغاً في تاريخ البلاد.

في معتقدهم، يتجلّى الإله في علي بن أبي طالب، ويغدو محمد ﷺ حجابًا نورانياً بين الروح والمادة، ويصبح سلمان الفارسي باب العبور إلى الحقيقة الإلهية، فتُبنى العقيدة على تثليثٍ غارق في الرمز: علي… محمد… سلمان.

ويؤمنون بتناسخ الأرواح، حيث الجسد ليس إلا قميصاً ضيقاً، تسكنه الروح مؤقتاً، ثم تخلعه عند الموت، لتتحرر وترتحل إلى جسدٍ آخر، في دورةٍ لا تنتهي، ولا تعرف الحساب الأخير.

حين وطئت أقدام الاستعمار الفرنسي أرض سوريا، غيّر المحتل الاسم قبل أن يغيّر الواقع، فاستبدل (النصيريين) بـ (العلويين)، محاولةً لتجميل الصورة وتهيئة القبول، فتبدّل جبال النصيريين إلى جبال العلويين، ثم جاء حافظ الأسد، فمحا الاسم مرة أخرى، وأطلق عليها جبال اللاذقية، وكأن تغيير اللافتة كفيل بتغيير الذاكرة.

ومن دهاليز حزب البعث العربي الاشتراكي، صعدت الطائفة إلى الحكم، مستفيدةً من الانقلابات الدامية في ستينيات القرن الماضي، فسيطرت على مفاصل الدولة والجيش، وحين أمسك حافظ الأسد بزمام السلطة عام 1970م، بدأت حقبتهم الذهبية، خرجوا من عزلة الجبال، ونزلوا إلى المدن، وامتزجوا قسراً بنسيج المجتمع السوري.

لم تدخل تلك السلطة المدن إلا غريبةً عنها، فلم تستطع التصالح معها، ولا أن تفهم روحها، فدخلتها وهي تحمل ميراث الارتياب، تخاف ناسها ويخيفها اتساعها، فاختارت ان تحكم البلاد بقبضةٍ من حديدٍ ونار، وبالخوف بدل الانتماء، وبالعصا بدل العدالة.

شدّت قبضتها الحديدية على البلاد، وأطلقت وحوش أجهزتها الأمنية، فصار القمع قانوناً، والاستبداد عقيدة، ومصادرة الحريات طقساً يومياً.

تمدّد الفساد كالعفن في جسد الدولة، وانهار الاقتصاد تحت أقدام اللصوص، وغابت العدالة حتى كأنها لم تكن، وضاقت السجون حتى ابتلعت الأجساد والأحلام معاً.

لكن الشعوب لا تموت، فحين بلغ الظلم منتهاه، نهض الغضب السوري كالإعصار، فحطّم القيود، واقتلع جذور الطغيان، وحرّر وطنه في معركة ردع العدوان، في الثامن من كانون الثاني عام 2024م. هناك، أُسدل الستار الأخير على سلطةٍ وُلدت في الظل، وصُنعت في الظلام، فلم تحتمل نور العلن، فسقطت أمام نور الثورة، واندثرت تحت أقدام الأحرار.

الأربعاء، 24 ديسمبر 2025

حين تُداس الاتفاقات، تسقط الأقنعة أمام اختبار الوطن

لم يبقَ سوى أسبوع واحد على انتهاء اتفاق العاشر من آذار 2024م، الاتفاق الذي وقّعه الرئيس أحمد الشرع مع مظلوم عبدي، قائد ميليشيا (قسد)، غير أنّ ما جرى على الأرض يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن هذا الاتفاق لم يكن لدى الطرف الآخر سوى ورقة للاستهلاك المؤقت، سرعان ما مزّقتها (قسد) بإرادتها، عبر خرقٍ فاضح ومتعمد في حييّ الأشرفية والشيخ مقصود شماليّ حلب، حيث استُهدفت الأحياء السكنية بالرشاشات الثقيلة، في رسالة عدوانية واضحة مفادها الاستخفاف بالدولة، وبأي التزام وطني أو أخلاقي.

إنّ ما تقوم به (قسد) ليس خرقاً مبرراً، ولا خطأً عابراً، ولا تجاوزاً ميدانياً، بل سلوك انفصالي ممنهج طعناً في ظهر الدولة ينفّذ أجندات معروفة، ويعمل بوعي كامل على زعزعة الأمن، واستنزاف الوطن، وجرّ البلاد إلى مربعات الفوضى.

فكل محاولة لتبرير هذه الأفعال أو التخفيف من خطورتها ليست سوى تواطؤ سياسي مفضوح، أو عجزٍ مخزٍ عن تسمية الأشياء بأسمائها.

إنّ المعركة اليوم ليست معركة آراء، بل معركة وجود، ومن لا يقف في صف الدولة في هذه اللحظة، فقد اختار موقعه بوضوح.

إننا نناشد كل وطنيٍّ حرّ أن يُرجئ نقده وتجريحه وقدحه وذمّه للحكومة السورية، وأن يصبّ جهده ويشدّ عزيمته في خندقٍ واحد، حاشداً قدراته إلى جانبها، في مواجهة أعداء سوريا من انفصاليين وفلول، ومن يقف خلفهم ويحرّك خيوطهم من الظل لتمزيق ما تبقّى من وحدة الوطن، فالاتفاق سقط والعدو انكشف ووحدة سوريا اولاً وما دونها خيانة.

ونقول للمتذمّرين الساخطين الناقمين من الشرائح السياسية وغيرها، إنّ الاستمرار في جلد الذات وفتح النار على الحكومة السورية لا يُعدّ معارضة ولا نقداً، بل خدمة مجانية لأعداء سوريا، وانخراطاُ بقصد أو بسذاجة  في المشروع ذاته الذي تحمله الميليشيات الانفصالية والفلول ومن يشغّلهم من الخارج، فلا تذمر بعد اليوم، إمّا مع الدولة أو مع الانفصال.

السبت، 13 ديسمبر 2025

رغالات العصر...خفافيش الظلام التي طعنت الوطن

كان أبو رغال رجلاً واحداً خان قومه ودلّ أبرهة الحبشي إلى الكعبة، فصار مثلاً للخيانة في التاريخ العربي، لكن ما نراه اليوم يجعل خيانة أبي رغال تبدو عملاً ساذجاً مقارنة بما صار يمارسه بعض أبناء هذا الزمن بوجوهٍ تعرف معنى الخسة ولا تعرف معنى الوطن، فلنكفّ عن المجاملات، ولنمزّق قناع (حرية الرأي) الذي يتستر خلفه البعض لتبرير سقوطهم الأخلاقي.

ما اسم من يتعمّد خنق وطنه؟ من يلعق يد العدو ويطعَن شعبه؟ من ينسّق مع جهات معادية بلا حياء؟ هؤلاء ليسوا أصحاب رأي، هؤلاء خطرٌ على الأرض التي تمشي بهم، ووصمة على كل ما تبقى من الشرف الوطني.

عانى الشعب السوري وحكومته الجديدة لعامٍ كامل في معركة شرسة لإلغاء قانون قيصر الذي مزّق حياة السوريين وعمّق مأساتهم، قانونٌ صاغته واشنطن لمعاقبة الأسد فصار سوطاً على رقاب الناس قبل أن يمس النظام نفسه، وحين انهار نظامه وترك أتباعه يتخبطون خلفه، بقي الشعب وحده يواجه الخراب.

ثم، عندما صوّت مجلس النواب أخيراً لرفع العقوبات عن السوريين، لم يحتمل بعض السياسيين السوريين سقوط مشاريعهم القذرة، فظهروا على الشاشات مكشوفين، بوجوهٍ باردة تشتعل من الداخل حقداً، ويتلوّون غيظاً لأن مخططاتهم السوداء لإبقاء العقوبات على شعبهم فشلت.

كانوا يريدون لإخوتهم أن يظلوا محطمين، لأن بقاءهم محطمين كان طريقهم الوحيد للنفوذ والمال.

والحقيقة المُرّة أن أبا رغال بخيانته الصارخة أشرف منهم جميعاً، فقد خان مرة واحدة وبشكل علني، أما هؤلاء، فهم رغالات معاصرون، خفافيش سياسية، يتحرّكون في العتمة، يقتاتون على خراب الوطن، ويجيدون الطعن في الظهر أكثر مما يجيدون قول كلمة حق واحدة، يبدعون بطعن وطنهم بالعتمة قبل أن تفضحهم الشاشات وتكشف وجوههم الحقيقية.

هؤلاء وأمثالهم ومن يدافع عنهم ليسوا أصحاب رأي، بل أدوات هدم، يتعمدون خنق الوطن لخدمة مصالحهم الصغيرة أو أجندات من يدفعون لهم.

هؤلاء لا يستحقون حتى لقب الخائن، فالخيانة عندهم ليست سقوطاً، بل طبيعة.

الخميس، 11 ديسمبر 2025

حين خذلت الأحزاب السياسية شعبها، ولدت قيادة ملهمة غيرت مسار المستقبل وأعادت للشعب مهابته.

في حين لحظة من أشدّ لحظات مسار الثورة السورية قسوة، وحين بلغ السوريون حدّ اليأس من إمكانية إسقاط النظام.

وحين تراجعت قدرات قوى المعارضة، على اختلاف توجهاتها سواء كانت علمانية أم إسلامية، عن الاستمرار في مواجهة النظام الفاسد المستبد وداعميه، وخيّم الظلام على المشهد برمّته.

وحين تلاشى الأمل بالنصر وانسداد الأفق السياسي والعسكري، واتجه المجتمع الدولي لتأهيل نظام الأسد ثانية، وتمكينه من البقاء عقوداً أخرى جلّاداً للشعب السوري.

وحين بلغ الشعب السوري ذروة الإحباط واليأس والتشتّت، واشتدّت عليه خيبات الأمل والانكسار، بقي فريقٌ استثنائي يشعّ إيماناً لا يخبو ويقيناً لا يتزعزع، فريقٌ مضى في طريقه بثباتٍ لا يعرف التراجع، تقوده شخصية قدّرها الله لحمل هذه المهمّة الدقيقة والحسّاسة، فسار بما منحه الله من بصيرة نافذة وحكمة راسخة. *{وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً}*

كان حضوره شرارة حاسمة أطلقت معادلات قلبت المشهد برمّته، جاء هذا القائد ليحطّم جدران الإحباط التي خنقت القوى السياسية والعسكرية والشعبية، وشلّت حركة الجماعات والأحزاب والطوائف، جمع الصفوف الممزّقة، ونفخ فيهم روح الإرادة، ورسم طريقًا جديداً أعاد للسوريين أملاً غاب عنهم لسنوات طويلة.

وجاء الثامن من كانون الأول، الذكرى الأولى لتحرير الشام من قبضة نظام الأسد، ليشكّل خروج الناس بالملايين في كل المدن، دليلاً واضحاً على التفاف الشعب السوري حول قيادته الجديدة، مُعبِّراً بوضوح عن تمسّكه بمنهج العمل والإنجاز، ومتجاوزاً محادثات أستانة ودماها الهزلية من خلافات وتوتر وتشتت.

كان جزء من هذه الرسالة الشعبية موجَّهة إلى الأحزاب بأن المرحلة الراهنة تستدعي توحيد الصفوف بدلاً من التنازع، وأن كل فرد قادر على خدمة وطنه متى توفرت النية الصادقة، كما تؤكد هذه اللحظة التاريخية الحاجة إلى الترابط لا التباعد، وإلى تغليب المصلحة الوطنية على الخلافات والصراعات حول المواقع والمكاسب.

غير أن هذا التحول والانجاز العظيم الذي حققه هذا القائد وفريقه لم يُرضِ الجميع، فبعض من تجاوزتهم هذه القيادة الشرعية، وجدوا أنفسهم يتأرجحون بين اللوم والنقمة، وبين الحقد والضغينة، ولجأ بعضهم إلى التخلي عن ثوابته السياسية، ليظهر في قنوات معادية لمجرّد تسجيل اعتراض أو انتقام شخصي، وهو سلوك لا يخدم إلا أعداء الثورة من الفلول والانفصاليين والخونة.

والحقيقة لم تعد خافية على أحد أنّ جزءاً كبيراً من الشخصيات المنضوية تحت مظلات الأحزاب والجماعات المعارضة يعيش اليوم في أوروبا وأمريكا، حيث تتوافر ظروف معيشية مريحة لا تشبه بأي شكل ما يعيشه السوريون في الداخل، وكثير منهم مستقر في بيوت مريحة وينعم بحياة غربية هادئة، ولا يعود إلى سوريا إلا خلال زيارات متباعدة، بينما يبقى نشاطه السياسي من الخارج، بعيداً عن واقع الناس وتحدياتهم اليومية.

هذا الانفصال بين المعاناة الحقيقية في الداخل وبين المعارضة الخارجية جعل السوريين يشعرون بأنّ هؤلاء لم يختبروا حتى جزءاً يسيراً من الألم الذي تحمّله المواطن المقيم داخل البلاد أو حتى من خرج منها مضطراً خلال سنوات الثورة.

لقد سئم السوريون من أشكال المعارضة كافة، بعدما فقدوا ثقتهم بها نتيجة تراكمات طويلة من الخيبات، فالدور التقليدي للمعارضة، المتمثّل في مراقبة أداء الحكومة والحد من سلطاتها، أصبح اليوم يقوم به الناس أنفسهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث بات المواطن يوثّق، وينتقد، ويُظهر أي خلل أو تجاوز بشفافية غير مسبوقة، كما أنّ وظيفة المعارضة في منع الاستبداد لم تعد حكراً عليها، فالشعب بات أكثر وعياً وقدرة على رفض أي محاولة لعودة الديكتاتورية.

أما الحديث عن تداول السلطة عبر الانتخابات، فهو بدوره مفتوح أمام الجميع. فكل من يرى في نفسه القدرة على خدمة البلاد يمكنه أن يعود، ويستقر، ويقدّم مشاريعه، ويترشّح، ويترك الحكم النهائي للشعب في صناديق الاقتراع، فالشرعية تُصنع من الداخل، ومن التفاعل المباشر مع الناس، لا من الخارج.

اليوم، سوريا ما زالت في مرحلة حساسة تحتاج فيها إلى ترميم ما دُمّر، وإعادة من هُجّر، وتحقيق الاستقرار، فنصف الشعب ما زال خارج دياره، وثلثا البلاد ما يزال تحت الأنقاض، بينما يستمر أعداء الداخل والخارج بمحاولات إضعاف الدولة وإفشال أي مسعى للاستقرار، في مثل هذا الظرف، تبدو البلاد أحوج إلى العمل والالتفاف حول مشروع وطني واضح، لا إلى معارضة مشتتة لا تملك حضوراً حقيقياً بين الناس.

إنّ السوريين اليوم يريدون فعلاً لا قولاً، وحضوراً حقيقيّاً لا صوراً تُلتقط من بعيد، ومن أراد أن يكون ممثلاً للشعب، فليكن أولاً جزءاً من معاناته اليومية، وجزءاً من الحل داخل الحدود لا خارجها.

الثلاثاء، 9 ديسمبر 2025

حين عادت الشام إلى وجهها الحقيقي

قوافلٌ لا تُحصى من السيارات، تتدفق في شوارع الشام كنبضٍ عائدٍ من الموت، محمّلة بوجوهٍ أنهكتها السنين، وبأعلام الجمهورية العربية السورية الحديثة التي ترفرف كقلوبٍ ماتت ثم عادت تنبض من جديد.

في هذا اليوم، ذكرى العام الأول لتحرر الشام من قبضة الاستبداد، بدا الهواء نفسه كأنه يبكي ويضحك في اللحظة ذاتها.

الأناشيد الثورية تندفع من نوافذ السيارات، كأنها في رحلة طويلة منذ سنوات لم تجد جواباً إلا الآن.

السوريون يصرخون، يهتفون، يبتسمون بدموعٍ جافة من الفرح، كل سيارة تحمل نشيداً، وكل نشيد يحمل جرحاُ، وكل جرح يحمل وطناً كاملاً على كتفيه.

لكن سبعة كلمات من نشيداً واحداً  اخترقني: مهما جاروا عليه وداروا، وطني مقدسين حجاروا.

لا أعرف من صاحبه، ولا من نظم كلماته، لكن ما أعرفه أن روحي ارتجفت لحظة سمعتها، كنت على شرفة بيتي أرفع علماً (كان من يرفعه قبل التحرير يضحّي بحياته)، علماً يشبه الذاكرة أكثر مما يشبه القماش، كل خيط فيه حكاية معتقل، وكل نجمة فيه نصفُ مليون شهيد، وكل لون يحمل وجوه الثكالى والأرامل، وكل نبضة فيه تُعيد إلى الذاكرة ملايين شُرّدوا وفكرة العودة لم تغادرهم يوماً، ويديّ تلوحان به كأنما تسابقان الريح.

نعم… حجارة بلدي مقدّسة، أرضٌ باركها الأنبياء، ألم يذكرها رسول الله ﷺ ويشر إلى أن الملائكة تبسط أجنحتها عليها، الم يقل ﷺ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا في شَامِنَا؟

للمرة الأولى شعرت بأنني أنتمي إلى وطن، وأن العلم الذي أرفعه هو جزء من كياني، ساعات قضيتها على الشرفة حتى خارت ذراعاي، كأنني أحمل على كتفي ثقل وطن كامل، لا مجرد قطعة قماش، عندما أرفع علمي، يفيض فيّ شعور الانتماء لبلدي الحقيقي، ذلك العلم الذي نرفعه كلّفَ مليون معتقل، ومليون ونصف شهيد، وأربعة عشر مليون مهجر ونازح، ومنه أحسّ بوجع من ضحّى، وبقوة الروح التي ما زالت تنبض فيه.

ومع ذلك لم أستطع التوقف، فالناس من السيارات يلوّحون لي، من الأرصفة، من النوافذ، كأننا جميعاً نكمل حركةً إيقاع بدأها أول شهيدٌ ولم يُكملها.

وعلى طرف المشهد الآخر، هناك في الظلال، يقبع الخائنون، والانفصاليون، والفلول، والشبيحة، والمكوعون، الذي اعتادوا العيش على قهرنا وإذلالنا، فتكدّرت أرواحهم اليوم، يظنون أن صمتنا يعني استسلامنا، فإذا بالحق يرتفع ويثور على كل طاغية حاول دفن الوطن، وأرواح تنهض بعزّة لم تنكسر، وأيادي تلوّح، لتعلن أن الكرامة حيّة، وأن الأمل لا يموت، شعبٌ كان يُراد له أن يُمحى فإذا به يعود، يهتف، يغني، ويُلوّح لسماءٍ بدأت أوّل خيوطها تتطهّر.

هذا اليوم ليس مجرد احتفال، بل روحٌ تعود إلى جسدها بعد غياب، تحمل كل ما فينا من تناقضات: تحمل صرخة، ودمعة، وثورة، وفرح، ووجع، ويأسٌ يغتسل بالأمل، وغضبٌ يرقد تحت السكينة، وحزنٌ يتطهّر ليبدأ الصلاة براحة وطمأنينة.

هذا اليوم… كان وجه سوريا الحقيقي!!

الاثنين، 8 ديسمبر 2025

الذكرى الأولى لفتح دمشق...ميلاد زمن سوري جديد

لم تكن بلاد الشام بمنأى عن الغزوات والقهر عبر تاريخها، غير أن وطأة بعض المآسي لا تُقاس بزمان حدوثها بقدر ما تُقاس بعمق الجرح الذي تخلفه.

ومن المؤسف أن ما خلّفته الغزوات عبر التاريخ لا يوازي ما تركه النظام البعثي الأسدي الاستبدادي الحديث من ألم وآهات وجروح وندوب عميقة في وجدان المجتمع السوري.

لقد تفوّق نظام حافظ وبشار الأسد على أسوأ حقب القمع بنسخته الأمنية، وبطشه المنهجي، وجرائمه بحق المجتمع والدولة معاً.

فعلى مدى ستة عقود كاملة، وجد السوريون أنفسهم تحت حكمٍ جعل من الدولة هيكل فارغ، وحوّل مؤسساتها إلى أدوات للسيطرة، فقلَبَ المجتمع إلى ساحة خوف تُحكم بالرعب والترهيب.

لقد تخطّى الاستبداد حدود القمع المعتاد، ليتحوّل إلى مشروع طمس الوعي، وإخراس الأصوات، وتفكيك البنية الوطنية، في سبيل ترسيخ سلطة لا تُحاسَب ولا تُراجَع، ولا ترى في الوطن إلا مزرعة تُدار لخدمة الحاكم وشبكاته الأمنية.

وفي ظل هذا النمط من الحكم، تآكلت الحياة العامة، وتراجع دور القانون، وانكمشت مساحة الأمل، حتى اختنق المجتمع تحت سطوة الأمن واحتكار السلطة وتغوّل الأجهزة، ونتيجة لذلك، نشأت شريحة من “التشبيح الشعبي” وظفت نفسها لصالح هذا النظام المجرم، متباهية بالتقاط الصور مع زعماء مليشياته الطائفية لتستقوي على أهلها وجيرانها وتتعالى عليهم.

واليوم، في الذكرى الأولى لفتح دمشق وتحريرها من رجس الأسد ونظامه، عمَّ الأمان على كل أبناء سوريا باختلاف انتماءاتهم، ليتمكنوا من عبور مصالحة وطنية شاملة.

فتحرير دمشق لم يكن سقوط منظومة بشار الأسد وأبوه فحسب، بل بدء رحلة استعادة وطن نُهبت روحه، وإعلان فجرٍ تُحفظ فيه الكرامة قبل أي شيء.

إنها اللحظة التي يقول فيها السوريون بصوت واحد: إن زمن الحكم الفردي المطلق قد انطوى، وإن الإرادة الشعبية اليوم هي التي تكتب الصفحة الأولى في كتاب سورية الجديد.

يا لها من ذكرى كسرِ قيدٍ أنهك البلاد، وبنى فوق صدور أهلها جبالاً من الفساد، فتخلخلت القيم، وانحرفت الأخلاق، وتحوّلت المدن إلى ساحات يعبث فيها التائهون، والمستهترون، وشذّاذ الآفاق.

يا لها من لحظة يرتفع فيها الوعي الجمعي، ليشهد أن الشعوب، مهما طال صبرها، قادرة على كسر الخوف وإشراق الحرية، وإسقاط أكثر الأنظمة صلابةً ووحشيّة.

فمن الآن فصاعداً، لن يجد خائنٌ ولا انفصالي، ولا مستبد ولا مفسد، ولا شبيح، موطئ طمأنينة، سيبقون في قلق، فالأوطان لا تفتح ذراعَيها للغدر والخيانة، فلا نامت أعين الجبناء.

عاشت سوريا حرّة أبيّة...

السبت، 6 ديسمبر 2025

إلى الشعب السوري

انفجرت أنوار النصر في هذه الأيام، فطفحت بها صدورنا سروراً، وغمرت قلوبنا بهجةً واحتفالا، حتى بدا وكأنّ موسمي الفطر والأضحى قد التقيا معاً، وانسكبا في أرواحنا نوراً وطمأنينة.

عيدُ تحرير سوريا من رجس نظام الأسد يومٌ من أيام الله الخالدة التي يختصّ بها عباده، يومٌ يلمع في الذاكرة كما لمع فتح مكة حين فتحت أبوابها، وامتلأت قلوب الصحابة سعادةً وسرورا.

من لم يشعر بأنفاس الفرح تعصف به، ويرقص قلبه طرباً في هذه الأيام، فليصغِ إلى داخله، وليفتّش في ضميره وإيمانه، ولينظر في روحه ودينه: هل ما يزال يحمل جذوةَ الانتماء لهذا الوطن؟

الجمعة، 5 ديسمبر 2025

بين خطيب الجمعة وشعبٌ ينتظر العصا التي تردعه

ما إن انقضت خطبة الجمعة، حتى سارعت إليه قبل أن ينهض من مقامه، وجلست إلى جواره كمن يسابق الوقت، كلّي رغبة أن أبوح له بما يختلج في صدري، حدّثته همساً وجهاً لوجه، وتلقّف الناس همسي بعيون تستفهم وتتطفّل عمّ يتحدث هذا الرجل وخطيب الجمعة، وما الذي يدور بينهما؟
وهذا كان الحوار…

كانت خطبة الشيخ، حفظه الله، من أبدع ما نقد في علل المجتمع السوري، فقد لامس جراح الأنانية والأنا، وتطرّق إلى الإيثار والاثرة، وبيّن كيف أن الأولى تسمو بالروح فترجّح راحة الغير على رغبات النفس، واستشهد بإيثار الأنصار للمهاجرين، وكيف جعلوا من الكرم مذهباً ومن العطاء ديناً. ثم عرّج على الأثرة، تلك الأنانية العمياء، وضرب أمثلة مؤلمة لمن يركن سيارته وسط الطريق ليبتاع علبة دخان، أو لمن ينفث دخانه داخل الحافلة غير آبهٍ بأحد، فجاء لومه موجهاً إلى أولئك الذين يقدّمون ذواتهم على الآخرين بلا وازع ولا حياء.

وفي الخطبة الثانية، ازداد جمال حديثه حين دعا الناس إلى صون ثمار النصر، وحراسة مكتسبات الثورة، وبيّن واجب الأمة تجاه هذه الأمانة.

وما إن أنهى حديثه، حتى أسرعت إليه أشكره على كلماته العذبة، ثم قلت له:
يا شيخ، إن ما نراه من تجاوزات ليس وليد اللحظة، بل هو إرث ثقيل تراكم عبر عقود من استبداد النظام الأسدي البائد، ذاك الذي أفسد الذوق العام، حتى صار من يوقف سيارته عشوائياً لا يرى في فعله خطأ، لأنه يرى الجميع يفعلون الشيء ذاته، ومن يدخّن في الحافلة، يفعلها مطمئناً لأن السائق نفسه يفعلها أمامه.

قلت له: يا شيخ، لقد ذكرتَ المسبِّب ولم تشر إلى السبب، تحدّثت عن فرعون ولم تُبرز عصا موسى، فانظر إلى الغرب يا شيخ، إلى أمريكا واوروبا: لا يخاف الناس هناك من الله، ولا من عيسى عليه السلام، ولا من الكنيسة، بل يخافون من القانون لأنه فوق جميع المسؤولين، بفضله تشكّلت ثقافتهم، انضباط في السير، نظافة في الشوارع، احترام للآخرين.

أما عندنا، فالناس إلا من رحم ربك، لا يخافون لا من الله، ولا من محمد صلى الله عليه وسلم، ولا من القانون، لأن واضع القانون هو أول من داسه خمسين عاماً، حتى ولدت ثقافة الأنا وعدم الاكتراث.

ثم قلت له:
يا شيخ، فرعون استخف قومه فأطاعوه، وسحر أعينهم بحبالٍ ظنوها أفاعي، حتى جاء موسى بعصاه، فإذا هي حقيقة تبتلع الوهم، فأيقن السحرة بالحق وسجدوا.

أنت تخاطب الناس يا شيخ، والناس بسطاء تشكّلت طباعهم عبر عقود، ولكن صوتك ينبغي أن يبلغ المسؤولين، فهم من بيدهم العصا التي تردع الأنا والفرعنة، والعصا اليوم هي القانون.

إن غرامة رادعة كفيلة أن تلجم من يتجاوز القانون، وإن تطبيق المخالفة على من يركن سيارته بصف مزدوج سيجعله يفكر ألف مرة قبل أن يكررها، هذا الصوت يجب أن يصل إلى من يملك القرار، حتى نرى ثمرة الوعظ تتحقق في الواقع.

سألني الشيخ عن اسمي، ثم قال: بلغهم أنت، فأنت من جملة المصلين.

فأجبته بأني ذهبت منذ أشهر إلى محافظة دمشق وإلى المكتب التنفيذي، وحدثت رئيسه بكل ما ذكرت، فأحال الأمر إلى مجلس الشعب الذي لم يُشكَّل بعد، ثم طلبت من الشيخ أن نذهب معاً إلى المحافظ، فهو صاحب كلمة مسموعة، فشكرني وقال: مهمتي أن أذكّر المصلين… وهم من يوصل الرسالة إلى المسؤولين.
وانتهى الهمس بيني وبينه...

ويبقى السؤال معلّقاً في هواء البلاد:
متى ينهض الشعبُ ليقف في وجه الإهمال، ويكسرُ دائرة الفوضى، ويصدُّ الاعتداء على الحقّ العام واستباحته؟
متى يستعيد الناسُ صوتهم، ليعيدوا للأرض هيبتها، وللعدالة مكانها؟

الاثنين، 1 ديسمبر 2025

كلمة في الخاطرة

الحمدُ لله الذي شاء أن يولد فجرُ خلاصِنا من سطوةِ بشار الأسد وعصابته في كانون، لا في تشرين، لئلّا تلتبس في الذاكرة صرخاتُ الحرية، بنهيق الحركة التصحيحية، ولا تختلط نارُ تحرير الشام ببنادق مهزلة حرب تشرين.

هكذا جاء كانونُنا والحمد لله، فاصلاً حادّاً، يقطع خيط اجرام بشار الأسد وأبوه حافظ، وشبيحته وأعياده، كما يقطع البردُ عظامَ الليل.

حدث في مسجدنا.. لا تؤخِّروا الجنازة.. الجنازة أولاً..

آخر ما ينتفع به الميت في الدنيا هو الصلاة عليه والدعاء له. ومن المؤسف أن يُبتلى بعض أئمة المساجد بتقديم صلاة السُّنّة البعدية على صلاة الجنا...