في حين لحظة من أشدّ لحظات مسار الثورة السورية قسوة، وحين بلغ السوريون حدّ اليأس من إمكانية إسقاط النظام.
وحين تراجعت قدرات قوى المعارضة، على اختلاف توجهاتها سواء كانت علمانية أم إسلامية، عن الاستمرار في مواجهة النظام الفاسد المستبد وداعميه، وخيّم الظلام على المشهد برمّته.
وحين تلاشى الأمل بالنصر وانسداد الأفق السياسي والعسكري، واتجه المجتمع الدولي لتأهيل نظام الأسد ثانية، وتمكينه من البقاء عقوداً أخرى جلّاداً للشعب السوري.
وحين بلغ الشعب السوري ذروة الإحباط واليأس والتشتّت، واشتدّت عليه خيبات الأمل والانكسار، بقي فريقٌ استثنائي يشعّ إيماناً لا يخبو ويقيناً لا يتزعزع، فريقٌ مضى في طريقه بثباتٍ لا يعرف التراجع، تقوده شخصية قدّرها الله لحمل هذه المهمّة الدقيقة والحسّاسة، فسار بما منحه الله من بصيرة نافذة وحكمة راسخة. *{وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً}*
كان حضوره شرارة حاسمة أطلقت معادلات قلبت المشهد برمّته، جاء هذا القائد ليحطّم جدران الإحباط التي خنقت القوى السياسية والعسكرية والشعبية، وشلّت حركة الجماعات والأحزاب والطوائف، جمع الصفوف الممزّقة، ونفخ فيهم روح الإرادة، ورسم طريقًا جديداً أعاد للسوريين أملاً غاب عنهم لسنوات طويلة.
وجاء الثامن من كانون الأول، الذكرى الأولى لتحرير الشام من قبضة نظام الأسد، ليشكّل خروج الناس بالملايين في كل المدن، دليلاً واضحاً على التفاف الشعب السوري حول قيادته الجديدة، مُعبِّراً بوضوح عن تمسّكه بمنهج العمل والإنجاز، ومتجاوزاً محادثات أستانة ودماها الهزلية من خلافات وتوتر وتشتت.
كان جزء من هذه الرسالة الشعبية موجَّهة إلى الأحزاب بأن المرحلة الراهنة تستدعي توحيد الصفوف بدلاً من التنازع، وأن كل فرد قادر على خدمة وطنه متى توفرت النية الصادقة، كما تؤكد هذه اللحظة التاريخية الحاجة إلى الترابط لا التباعد، وإلى تغليب المصلحة الوطنية على الخلافات والصراعات حول المواقع والمكاسب.
غير أن هذا التحول والانجاز العظيم الذي حققه هذا القائد وفريقه لم يُرضِ الجميع، فبعض من تجاوزتهم هذه القيادة الشرعية، وجدوا أنفسهم يتأرجحون بين اللوم والنقمة، وبين الحقد والضغينة، ولجأ بعضهم إلى التخلي عن ثوابته السياسية، ليظهر في قنوات معادية لمجرّد تسجيل اعتراض أو انتقام شخصي، وهو سلوك لا يخدم إلا أعداء الثورة من الفلول والانفصاليين والخونة.
والحقيقة لم تعد خافية على أحد أنّ جزءاً كبيراً من الشخصيات المنضوية تحت مظلات الأحزاب والجماعات المعارضة يعيش اليوم في أوروبا وأمريكا، حيث تتوافر ظروف معيشية مريحة لا تشبه بأي شكل ما يعيشه السوريون في الداخل، وكثير منهم مستقر في بيوت مريحة وينعم بحياة غربية هادئة، ولا يعود إلى سوريا إلا خلال زيارات متباعدة، بينما يبقى نشاطه السياسي من الخارج، بعيداً عن واقع الناس وتحدياتهم اليومية.
هذا الانفصال بين المعاناة الحقيقية في الداخل وبين المعارضة الخارجية جعل السوريين يشعرون بأنّ هؤلاء لم يختبروا حتى جزءاً يسيراً من الألم الذي تحمّله المواطن المقيم داخل البلاد أو حتى من خرج منها مضطراً خلال سنوات الثورة.
لقد سئم السوريون من أشكال المعارضة كافة، بعدما فقدوا ثقتهم بها نتيجة تراكمات طويلة من الخيبات، فالدور التقليدي للمعارضة، المتمثّل في مراقبة أداء الحكومة والحد من سلطاتها، أصبح اليوم يقوم به الناس أنفسهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث بات المواطن يوثّق، وينتقد، ويُظهر أي خلل أو تجاوز بشفافية غير مسبوقة، كما أنّ وظيفة المعارضة في منع الاستبداد لم تعد حكراً عليها، فالشعب بات أكثر وعياً وقدرة على رفض أي محاولة لعودة الديكتاتورية.
أما الحديث عن تداول السلطة عبر الانتخابات، فهو بدوره مفتوح أمام الجميع. فكل من يرى في نفسه القدرة على خدمة البلاد يمكنه أن يعود، ويستقر، ويقدّم مشاريعه، ويترشّح، ويترك الحكم النهائي للشعب في صناديق الاقتراع، فالشرعية تُصنع من الداخل، ومن التفاعل المباشر مع الناس، لا من الخارج.
اليوم، سوريا ما زالت في مرحلة حساسة تحتاج فيها إلى ترميم ما دُمّر، وإعادة من هُجّر، وتحقيق الاستقرار، فنصف الشعب ما زال خارج دياره، وثلثا البلاد ما يزال تحت الأنقاض، بينما يستمر أعداء الداخل والخارج بمحاولات إضعاف الدولة وإفشال أي مسعى للاستقرار، في مثل هذا الظرف، تبدو البلاد أحوج إلى العمل والالتفاف حول مشروع وطني واضح، لا إلى معارضة مشتتة لا تملك حضوراً حقيقياً بين الناس.
إنّ السوريين اليوم يريدون فعلاً لا قولاً، وحضوراً حقيقيّاً لا صوراً تُلتقط من بعيد، ومن أراد أن يكون ممثلاً للشعب، فليكن أولاً جزءاً من معاناته اليومية، وجزءاً من الحل داخل الحدود لا خارجها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق