الثلاثاء، 4 مايو 2021

اللألوء والانتماء الملتبس

هذا لألوء، وهذه لألوءة، وتلك عائلة كاملة من اللآليء، ليس الأمر حكاية فردٍ عابر، بل سيرةُ طبعٍ إنسانيٍّ يتكرّر، ويورّث، ويتخفّى في الوجوه، كما يتخفّى الغبار في الظل قبل أن يكشفه الضوء، طبع يتكاثر حيثما وُجد الكلام، ويُقيم حيث يسهل التلوّن.

فاللألوء ليس اسماً، بل وصفٌ لحالة كائنٌ هشّ الانتماء، ليّن المواقف، لا يستقرّ على رأي، ولا يقيم في معنى، كائنٌ يجيد ارتداء الوجوه، وتبديل المواقف، يتبدّل كلما تبدل الجو، ويجيد الاصطفاف حيث تكثر الأصوات، لا حيث تُختبر القيم، كلامه وفير، لكنه بلا أثر، يمرّ على السامعين مرور الظل، فلا يوقظ سؤالاً ولا يصنع موقفاً.

وفي الذاكرة الشامية، حيث للكلمات جذور ضاربة في الحكايات، يقولون للمرأة الطائشة التي لا تهدأ، ولا تحفظ سرّاً، وتنقل الكلام من عتبةٍ إلى أخرى:

«حاجة لألأة من بيت لبيت».

وفي دروب حياتنا نصادف كثيراً من اللآليء، نلتقي بهم في القربى، وبين الصحبة، وفي أرجاء السياسة واليوميات، نعرفهم من خلال وجوههم المتعددة والمتموجة مع كل موقف كما تتماوج المياه حول الصخور، غير أن السؤال يبقى:

من أين جاءت هذه الكلمة، وكيف استقرّ معناها في اللسان والوجدان؟

كانت بلاد الشام، وما زالت، فسحةً للتلاقي لا ساحةً للصراع، تعايشت فيها الأديان السماوية جنباً إلى جنب، وامتزجت فيها العادات والتقاليد حتى سادت روح الاحترام في تفاصيل الحياة.

لم يكن الاختلاف سبباً للقطيعة، بل باباً للمعرفة، حيث احتفظت الطقوس بقدسيتها، وحظي الآخر بمكانته واحترامه.

وفي دمشق، المدينة التي تعانقت فيها القباب والمآذن مع أبراج الكنائس، ارتفعت المعالم حتى صارت مأوى للطيور المهاجرة، وكان طائر اللقلق، بطبيعته الباحثة عن العلوّ، أحد روّاد تلك القمم.

ففي زمن بعيد، حلّق لقلقٌ مهاجر فوق برج كنيسةٍ عتيقة، واستقرّ ليبني عشه بين الحجر العتيق والبرج الشامخ.

 كان الطائر صغير الحجم، لكنه مليء بالجرأة، ينثر القشّ والذَرَق (مخلفات الطائر) في كل مكان، كأنه يعلن بفخر.. هنا مكاني!

أما الشمّاس (الذي يقرع الجرس)، فكل دقة من جرس البرج، كانت طعنة صغيرة من تساقط القشّ والفضلات فوق رأسه بلا رحمة، وكأن الطائر يتهكم عليه ويذكره بوجوده عند كل نداء.

تضاعف غضب الشمّاس مع كل لحظة، وضيّق صدره حتى غاص قلبه في الحيرة والانزعاج، لكنه لم يستطع الصمت أكثر ،فاندفع إلى الكاهن بخطوات عجولة وصوت يرتجف من الغضب، ليشكو له هذا الطائر المتهور الذي حوّل برج الكنيسة إلى ميدان صراع يومي، كأنهما خصمان في مسرح صغير، كل منهما يطالب بحقه، الطائر بالمأوى، والشمّاس بالهدوء والسكينة.

أشار الكاهن للشماش بحيلةٍ لا تخلو من دهاء: لحمُ جملٍ مملّح، وخمرٌ موضوعٌ على مقربة من اللقلق، يأكل الطائر، فيعطش، ثم يشرب ويسكر ويترنح ويخذله الجناح، فيغدو صيداً سهلاً.

ولمّا داخ اللقلق وأعجزه الشراب وسقط في الأسر، أمسكه الشمّاس، وخاطبه ساخراً يُحاكمه بالشرائع كلّها، أيها اللألوء:

لستَ يهودياً، فأكلت لحم الجمل وهو محرّم على بني إسرائيل.

ولستَ نصرانياً، فدنّستَ الناقوس، ولا يفعلها النصارى.

ولستَ مسلماً، فشربت الخمر، وهو محرّم في دينهم.

فمن أي مِلّةٍ أنت يا لألوء؟!!

ومن تلك الحكاية وُلدت الكلمة، لا لتصف طائراً، بل لتصبح مرآةً لمن لا ينتمي إلا للحظة، ولا يخلص إلا لمصلحة، ولا يعرف من الهوية سوى ما يحميه من المساءلة، وما أكثر اللآلئ كلما شحّت المواقف.

وهكذا بقي اللألوء حيّاً في اللغة، له في الواقع أشباه كثيرة، تلمع في الظلّ قبل أن تختفي بلا أثر.


حدث في مسجدنا.. لا تؤخِّروا الجنازة.. الجنازة أولاً..

آخر ما ينتفع به الميت في الدنيا هو الصلاة عليه والدعاء له. ومن المؤسف أن يُبتلى بعض أئمة المساجد بتقديم صلاة السُّنّة البعدية على صلاة الجنا...