الأحد، 25 نوفمبر 2018

السلطان المفترى عليه

ضَربَ بعصاه الأرضَ فرجَفَت قلوبُ أعداءه !

لمحة عن شخصية عظيمة إسلامية شوَّهَها وطعن بها الشرقُ والغربُ والعربُ والعجمُ، وحرَّفوا تاريخها وألصقوها صفات باطلة تجاوزت حدود العقل والمنطق، وألَّفوا عليها كُتباً قَطَرَت صفحاتها دمَاً بما افترت عليها أقلامهم، فمن هذه الشخصية ؟!

إنّه السلطان "عبد الحميد الثاني" أحد أقوى سلاطين الدولة العثمانية وآخر خليفة حمى بيضة الإسلام وحافظ على وحدة المسلمين وحمايتهم، ودافع عن المظلومين والمضطهدين والأقليَّات في العالم، حكمَ بذكاء دولاً كبيرة مترامية ومتعددة الأعراق فارتعدت قلوب الملوك والرؤساء من ضربة عُكّازه على الأرض !!

ولد عام 1842م بمدينة "إسطنبول" وتولّى الحكم 1876م، وانتهى حكمه 1909م بإنقلاب عالمي تكالب عليه الشرق والغرب بدعم عملاء الداخل والخارج لإنهاء الإسلام وعلمنة المسلمين.

استلمَ فترة حكمه بمرحلة عصيبة تمرّ على الأمة بلغت إعتداءات الدول الخارجية ذروتها، ونخرَ الفسادُ بالسياسية والإقتصاد والمجتمع، ووصلت ديون الدولة لعدة مليارات ليرة عثمانية مما فتح الباب أمام الصهاينة ليساوموا على القدس الشريف !

وبالتالي وصل العصيان "الصربي والبرتغالي واليوناني" سَنَامهُ وتزايدت هجمات روسيا "القيصرية" على جزيرة القرم لإنتزاعها من أيدي المسلمين !

يقول القياصرة الروس:
إذا ضربَ السلطان عبد الحميد مياه "البحر الأسود" بعكازته، عمّت الفوضى بجميع الدول حوليه (وهذا دليل مكانته العالمية).

كان الكيان الغربي وعملاءه متحدٌ ومتغلغلٌ داخل تركيا والدول العربية، ومتكالبٌ لإسقاط الخلافة الإسلامية ومسح ثقافتها وبمقدمتهم "بريطانيا وفرنسا وروسيا" بالتعاون مع شخصيات قومية تركية وشخصيات علمانية وأخرى ملحدة كافرة وأخرى إسلامية حاقدة يتقدمّهم يهود الدونمة مؤسيسيّ "جمعية الاتحاد والترقي" الذين أظهروا الإسلام وأبطَنوا اليهودية خداعاً ونفاقاً لهدم الخلافة وإسقاط الخليفة، ولا زالوا موجودين في تركيا والبلاد العربية يوسّوِسُون ويهّمزون ويخطِّطون !!

استطاع السلطان عبد الحميد إطالة عمر الخلافة الإسلامية طيلة فترة حكمه فتصدّى لهذه الدول الإستعمارية المتآمرة على إبادة الخلافة وقسمة تركَتها.

أدركَ السلطان أنّ لا نصر ولا تمكين إلا بوحدة المسلمين، فعضَّدَ روابطَهم وطرَح شعار الجامعة الإسلامية لتوحيد مسلمي الصين والهند وإفريقيا، واستعان بالدعاة لتحقيقها وحافظ على العبادت والشعائر الإسلامية بتقاليدها الشرقية، واهتمَّ بالسياسة العالمية اهتماماً كبيراً جعل لها عيوناً تتابعُ أخبارها بكافة البلاد بعناية فائقة ودقة متناهية.

أقام المدارس والكليّات الجامعية وربط ولايات دولته بالبرق والهاتف، وبنى غواصة حربية واهتَمَّ بتسليح الجيش اهتماماً فائقاً.

أنشأ سكة حديد "الحجاز" لتسهيل فريضة الحج على المسلمين، فاقتصر مدة سفر أربعين يوماً يسافر فيها الحاج على الدابة بأربعة أيام بالقطار، وربط ولايات الدولة مع بعضها، وكانت أهمية الشام حاضرة صوب عينيه لأجل وحدة الأمة فيقول:

الشام أمانة، إن بَكت فإنَّ اسطنبولَ تبكي !

أدركَ خصومهُ إصراره على وحدة الأمة الإسلامية واستمرار خلافتها، فأيّقنوا أنَّ لا طاقة لهم بتحقيق أطماعهم وتقسيم بلاد الشام واغتصاب فلسطين مادام السلطان على عرش الخلافة.

طَلبَ "تيودور هرتزل" مؤسس الحركة الصهيونية من السلطان التنازل عن مدينة "القدس" كي تكون وطنًا "لليهود" المشرّدين بالعالم مقابل ملايين الليرات الذهبية مع تسديد ديون الدولة، فأجابه السلطان بكلمته المشهورة:

"والله لو قطَّعَتُم جسدي إرباً إرباً لا أقطَع لكم من فلسطين أرضاً ولا أقبل منكم ملئ الأرض ذهباً، إنّ فلسطين ملكُ المسلمين حصلوا عليها بدمائهم، فلا تُباعُ ولا تُشترى مادامت دولتي قائمة، فإن متُ يوماً تحصلوا عليها دون مقابل"

وفي حوار بين مسؤول جمعية الإتحاد والترقّي "إيمانويل قراصو" و "تيودور هرتزل".. يقول قراصو مواسياً:

يا هرتزل إن كُنتَ تريدُ "القدس" فعليك بالقضاء على حارسها عبد الحميد، ولا تحلم بدولة لليهود فيها ما دام السلطان موجود، ولا تقلق يا هرتزل سنكسر الدولة العثمانية مفتاح العالم، وسنجعلُ أبناءها يهدموها، نعم يا هرتزل سنلغي الخلافة الإسلامية ونغيّرُ أفكار شبابها حتى يخجلوا من تاريخها فيغلقوا قرآنها وكتُبُها !

ويتابع قوله:
يا هرتزل سنجعلهم يتعلقوا بحبال الغرب لتصِلَ أيديّ الكهنة والحاخامات إليهم، يا هرتزل إنّ القضاء على الخلافة الإسلامية بالقضاء على السلطان عبد الحميد !؟

فيبتسم هرتزل ويهزّ رأسه مسروراً ويقول:
نعم اليوم الذي يموت فيه السطان عبد الحميد ويدفنه التاريخ، تكون ولادة إسرائيل !!

تُوفِّي السلطان رحمه الله وكان آخر خليفة للمسلمين عام 1918م عن عمر يناهز ستة وسبعين عاماً وهو يقول:

"يشهدُ الله أنَّ كل فترة حكمي التي قضيتها في دولتي كانت لخدمة شعبي وبلدي وديني"

وخَرجَ بجنازته الكثير من أعدائه يشيّعونه احتراماً له، فرثاه الشعراء بمن فيهم "رضا توفيق" أحدُ أكبر معارضيه بالحكم فقال:

عندما يذكر التاريخ اسمك أيها السلطان العظيم، يكون الحقّ معكَ وبجانبكَ، نحن الذين افترينا دون حياءٍ على أعظم سياسي العصر فقلنا:
إنّ السلطان ظالم وإنّ السلطان مجنون ولا بدَّ من الثورة على السلطان، وصدقّنا كل ما قاله لنا الشيطان.

رحمكَ الله يا سلطان وغفر الله لك..

17 آذار 2018م

السبت، 10 نوفمبر 2018

وصمة شرف

كنتُ أتسوّق حاجيّاتي في إحدى محلاّت مدينة "سان دياكو" بولاية كاليفورنيا، حيث استوقفتني عائلة أمريكية من خمسة أشخاص (أبوين وثلاثة أطفال).

خاطبتني الأم قائلة عندما سمعتني أرطن بالإنكليزية:

من أين أنت ؟!

أوقفتُ عربة التسوّق لإحساسي بأن وراء السؤال حوار سيطول، ومن عادتي تَوْضِيح حقائق الأمور لمن يجهلها وخاصًة إن كانت لديّ خلفية ثقافية عنها.

أجبتها قائلاً:

لقد ولدتُ في أقدم مدينة مأهولة في العالم.

فظهرت عليها الدهشة وبدأت تفكر وتفكر وزوجها ينظر إليها مع أطفاله، وطال تفكيرها ودهشتها فطلَبتُ من زوجها أن يساعدها في معرفة إسم المدينة، لكنها أسرعت قائلة: إسرائيل !

فأجبتها:

إن كنتِ تقصدي "إسرائيل الغاصبة" فإنّ عمر إسرائيل سبعة وستون عاماً، أمّا إن كنت تقصدين الأرض التي احتلتها إسرائيل وهي "فلسطين" فلقد اقتربتِ نوعاً ما، لأن فلسطين جزء من تاريخ بلادي.

قالت وزوجها يبتسم مؤكداً سؤالها:
لقد عجزنا، فمن أي بلد أنت؟

قلت لها: من دمشق.

فتهلل وجها وقالت: من سوريا.

ثم أخرجت جوالها الخليوي وضغطت بعض أزاره لتعرضَ عليّ مجموعة صور تحتوى كل واحدة تعليقاً وقالت بكل بأسى:

إنظر لأطفال سوريا ماذا حلّ بهم ؟!

حقيقةً لقد استغبرتُ في بادئ الأمر كيف لعائلة أمريكية أن تهتم بأطفال سوريا وتحتفظ بصورهم، والعالم المتحضّر حولنا تخلّى عنهم، ولكنها لم تدع دهشتي أن تطيل فقالت:

جيراننا من سوريا وأطفالنا يلعبون مع أطفالهم.

حينئذٍ نظرتُ إلى الصور وبعض الفيديو جوالها، فشاهدتُ أطفال سوريا في شوارع بلدان اللجوء، منهم من يمسح الأحذية ليشتروا لقمة عيش عائلاتهم التي فرّت من جحيم سوريا، ومنهنّ من يبعنَ المارة ورود، وطفلة تبيعُ العلكة، وطفلة أخرى تبيع محارم وتبكي أمام البوليس خائفة، وتُقبِّلَ سبّابة أصبعها، وتضعها على جبينها كي لا يحتجزها (تبوس التوبة أن تبيع ثانية) !!

كانت صور مؤلمة تخدش الضمير، وبعد التعليق على بعض الصور، أخبرتني بمتابعتها للأطفال السوريين المظلومين !

نظرت في عينيها مندهشاً من شعورها واهتمامها وتعاطفها مع أطفال سوريا، الذين باعهم القريب قبل الغريب، وتخلّى العالم المتحضّر عنهم فأصبحوا مثلاً للبؤس والأسى والشقاء.

هناك الكثير من العوائل السورية في الجالية تعيشُ منذ عقود في أمريكا لم أجد شعوراً إنسانياً تجاه أطفال سوريا أو ما يحدث فيها، ولا عطفاً كما رأيت من هذه العائلة الأمريكية، بل وجدتُ بروداً وجفاءً وعدم إحساس بالمسؤلية لما يجري كأنهم منفصلين عن الواقع.

وعندما انتهت العائلة من عروضها للصور والفيديو، قالت: نشعر بالحزن تجاه الأطفال السوريون.

فأجبتها مبتسماً:
أمّا أنا فأشعر بالعزّة والفخر بأطفال سوريا.

قالت: كيف؟

قلتُ:
إنني أرى وصمة شرف على جبين الطفلة السورية بائعة المناديل والعلكة والورد، وأرى وصمة عز وفخر على جبين الطفل السوري ماسح الأحذية لأنّ رؤوسهم لم تنحني وتتسوّل من أحد، وأرى وصمة شرف على جبين أمهاتم اللاتي لم ينحنيّن أمام التحديّات، وظلّلت رؤوسهنّ مرفوعة، وهكذا هم نساء سوريا، وهكذا هم أطفالها اليوم رجالها بالغد !

بل أرى وصمة عار على جبين المثقفين في العالم، والحقوقيين والسياسين، وأصحاب الأفكار التحررية، وكل من يرفع شعار الديمقراطية.

العزة والكرامة والطولة للطفل السوري الذي مسح الحذاء بشرف كي لا يمدّ يده بذلّ.

والعزة والكرامة لبائعة المناديل والعلكة والورود، اللواتي عملنَ بشرف رغم حداثة سنهنّ على أن لا يمدّن أيديهنّ إلى اللئام، إن أطفال سوريا أعظم من كل عظماء الدنيا، هكذا أنظر إليهم..

24 تشرين الأول 2015م

حدث في مسجدنا.. لا تؤخِّروا الجنازة.. الجنازة أولاً..

آخر ما ينتفع به الميت في الدنيا هو الصلاة عليه والدعاء له. ومن المؤسف أن يُبتلى بعض أئمة المساجد بتقديم صلاة السُّنّة البعدية على صلاة الجنا...