كنتُ أتسوّق حاجيّاتي في إحدى محلاّت مدينة "سان دياكو" بولاية كاليفورنيا، حيث استوقفتني عائلة أمريكية من خمسة أشخاص (أبوين وثلاثة أطفال).
خاطبتني الأم قائلة عندما سمعتني أرطن بالإنكليزية:
من أين أنت ؟!
أوقفتُ عربة التسوّق لإحساسي بأن وراء السؤال حوار سيطول، ومن عادتي تَوْضِيح حقائق الأمور لمن يجهلها وخاصًة إن كانت لديّ خلفية ثقافية عنها.
أجبتها قائلاً:
لقد ولدتُ في أقدم مدينة مأهولة في العالم.
فظهرت عليها الدهشة وبدأت تفكر وتفكر وزوجها ينظر إليها مع أطفاله، وطال تفكيرها ودهشتها فطلَبتُ من زوجها أن يساعدها في معرفة إسم المدينة، لكنها أسرعت قائلة: إسرائيل !
فأجبتها:
إن كنتِ تقصدي "إسرائيل الغاصبة" فإنّ عمر إسرائيل سبعة وستون عاماً، أمّا إن كنت تقصدين الأرض التي احتلتها إسرائيل وهي "فلسطين" فلقد اقتربتِ نوعاً ما، لأن فلسطين جزء من تاريخ بلادي.
قالت وزوجها يبتسم مؤكداً سؤالها:
لقد عجزنا، فمن أي بلد أنت؟
قلت لها: من دمشق.
فتهلل وجها وقالت: من سوريا.
ثم أخرجت جوالها الخليوي وضغطت بعض أزاره لتعرضَ عليّ مجموعة صور تحتوى كل واحدة تعليقاً وقالت بكل بأسى:
إنظر لأطفال سوريا ماذا حلّ بهم ؟!
حقيقةً لقد استغبرتُ في بادئ الأمر كيف لعائلة أمريكية أن تهتم بأطفال سوريا وتحتفظ بصورهم، والعالم المتحضّر حولنا تخلّى عنهم، ولكنها لم تدع دهشتي أن تطيل فقالت:
جيراننا من سوريا وأطفالنا يلعبون مع أطفالهم.
حينئذٍ نظرتُ إلى الصور وبعض الفيديو جوالها، فشاهدتُ أطفال سوريا في شوارع بلدان اللجوء، منهم من يمسح الأحذية ليشتروا لقمة عيش عائلاتهم التي فرّت من جحيم سوريا، ومنهنّ من يبعنَ المارة ورود، وطفلة تبيعُ العلكة، وطفلة أخرى تبيع محارم وتبكي أمام البوليس خائفة، وتُقبِّلَ سبّابة أصبعها، وتضعها على جبينها كي لا يحتجزها (تبوس التوبة أن تبيع ثانية) !!
كانت صور مؤلمة تخدش الضمير، وبعد التعليق على بعض الصور، أخبرتني بمتابعتها للأطفال السوريين المظلومين !
نظرت في عينيها مندهشاً من شعورها واهتمامها وتعاطفها مع أطفال سوريا، الذين باعهم القريب قبل الغريب، وتخلّى العالم المتحضّر عنهم فأصبحوا مثلاً للبؤس والأسى والشقاء.
هناك الكثير من العوائل السورية في الجالية تعيشُ منذ عقود في أمريكا لم أجد شعوراً إنسانياً تجاه أطفال سوريا أو ما يحدث فيها، ولا عطفاً كما رأيت من هذه العائلة الأمريكية، بل وجدتُ بروداً وجفاءً وعدم إحساس بالمسؤلية لما يجري كأنهم منفصلين عن الواقع.
وعندما انتهت العائلة من عروضها للصور والفيديو، قالت: نشعر بالحزن تجاه الأطفال السوريون.
فأجبتها مبتسماً:
أمّا أنا فأشعر بالعزّة والفخر بأطفال سوريا.
قالت: كيف؟
قلتُ:
إنني أرى وصمة شرف على جبين الطفلة السورية بائعة المناديل والعلكة والورد، وأرى وصمة عز وفخر على جبين الطفل السوري ماسح الأحذية لأنّ رؤوسهم لم تنحني وتتسوّل من أحد، وأرى وصمة شرف على جبين أمهاتم اللاتي لم ينحنيّن أمام التحديّات، وظلّلت رؤوسهنّ مرفوعة، وهكذا هم نساء سوريا، وهكذا هم أطفالها اليوم رجالها بالغد !
بل أرى وصمة عار على جبين المثقفين في العالم، والحقوقيين والسياسين، وأصحاب الأفكار التحررية، وكل من يرفع شعار الديمقراطية.
العزة والكرامة والطولة للطفل السوري الذي مسح الحذاء بشرف كي لا يمدّ يده بذلّ.
والعزة والكرامة لبائعة المناديل والعلكة والورود، اللواتي عملنَ بشرف رغم حداثة سنهنّ على أن لا يمدّن أيديهنّ إلى اللئام، إن أطفال سوريا أعظم من كل عظماء الدنيا، هكذا أنظر إليهم..
24 تشرين الأول 2015م
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق