ما إن انقضت خطبة الجمعة، حتى سارعت إليه قبل أن ينهض من مقامه، وجلست إلى جواره كمن يسابق الوقت، كلّي رغبة أن أبوح له بما يختلج في صدري، حدّثته همساً وجهاً لوجه، وتلقّف الناس همسي بعيون تستفهم وتتطفّل عمّ يتحدث هذا الرجل وخطيب الجمعة، وما الذي يدور بينهما؟
وهذا كان الحوار…
كانت خطبة الشيخ، حفظه الله، من أبدع ما نقد في علل المجتمع السوري، فقد لامس جراح الأنانية والأنا، وتطرّق إلى الإيثار والاثرة، وبيّن كيف أن الأولى تسمو بالروح فترجّح راحة الغير على رغبات النفس، واستشهد بإيثار الأنصار للمهاجرين، وكيف جعلوا من الكرم مذهباً ومن العطاء ديناً. ثم عرّج على الأثرة، تلك الأنانية العمياء، وضرب أمثلة مؤلمة لمن يركن سيارته وسط الطريق ليبتاع علبة دخان، أو لمن ينفث دخانه داخل الحافلة غير آبهٍ بأحد، فجاء لومه موجهاً إلى أولئك الذين يقدّمون ذواتهم على الآخرين بلا وازع ولا حياء.
وفي الخطبة الثانية، ازداد جمال حديثه حين دعا الناس إلى صون ثمار النصر، وحراسة مكتسبات الثورة، وبيّن واجب الأمة تجاه هذه الأمانة.
وما إن أنهى حديثه، حتى أسرعت إليه أشكره على كلماته العذبة، ثم قلت له:
يا شيخ، إن ما نراه من تجاوزات ليس وليد اللحظة، بل هو إرث ثقيل تراكم عبر عقود من استبداد النظام الأسدي البائد، ذاك الذي أفسد الذوق العام، حتى صار من يوقف سيارته عشوائياً لا يرى في فعله خطأ، لأنه يرى الجميع يفعلون الشيء ذاته، ومن يدخّن في الحافلة، يفعلها مطمئناً لأن السائق نفسه يفعلها أمامه.
قلت له: يا شيخ، لقد ذكرتَ المسبِّب ولم تشر إلى السبب، تحدّثت عن فرعون ولم تُبرز عصا موسى، فانظر إلى الغرب يا شيخ، إلى أمريكا واوروبا: لا يخاف الناس هناك من الله، ولا من عيسى عليه السلام، ولا من الكنيسة، بل يخافون من القانون لأنه فوق جميع المسؤولين، بفضله تشكّلت ثقافتهم، انضباط في السير، نظافة في الشوارع، احترام للآخرين.
أما عندنا، فالناس إلا من رحم ربك، لا يخافون لا من الله، ولا من محمد صلى الله عليه وسلم، ولا من القانون، لأن واضع القانون هو أول من داسه خمسين عاماً، حتى ولدت ثقافة الأنا وعدم الاكتراث.
ثم قلت له:
يا شيخ، فرعون استخف قومه فأطاعوه، وسحر أعينهم بحبالٍ ظنوها أفاعي، حتى جاء موسى بعصاه، فإذا هي حقيقة تبتلع الوهم، فأيقن السحرة بالحق وسجدوا.
أنت تخاطب الناس يا شيخ، والناس بسطاء تشكّلت طباعهم عبر عقود، ولكن صوتك ينبغي أن يبلغ المسؤولين، فهم من بيدهم العصا التي تردع الأنا والفرعنة، والعصا اليوم هي القانون.
إن غرامة رادعة كفيلة أن تلجم من يتجاوز القانون، وإن تطبيق المخالفة على من يركن سيارته بصف مزدوج سيجعله يفكر ألف مرة قبل أن يكررها، هذا الصوت يجب أن يصل إلى من يملك القرار، حتى نرى ثمرة الوعظ تتحقق في الواقع.
سألني الشيخ عن اسمي، ثم قال: بلغهم أنت، فأنت من جملة المصلين.
فأجبته بأني ذهبت منذ أشهر إلى محافظة دمشق وإلى المكتب التنفيذي، وحدثت رئيسه بكل ما ذكرت، فأحال الأمر إلى مجلس الشعب الذي لم يُشكَّل بعد، ثم طلبت من الشيخ أن نذهب معاً إلى المحافظ، فهو صاحب كلمة مسموعة، فشكرني وقال: مهمتي أن أذكّر المصلين… وهم من يوصل الرسالة إلى المسؤولين.
وانتهى الهمس بيني وبينه...
ويبقى السؤال معلّقاً في هواء البلاد:
متى ينهض الشعبُ ليقف في وجه الإهمال، ويكسرُ دائرة الفوضى، ويصدُّ الاعتداء على الحقّ العام واستباحته؟
متى يستعيد الناسُ صوتهم، ليعيدوا للأرض هيبتها، وللعدالة مكانها؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق