الجمعة، 3 أبريل 2026

القطار الذي لم أنتبه له

حين دعتني ابنتي لقضاء بضعة أيام مع أحفادي، لم أتردد، كان في قلبي شوقٌ كبير، شوقُ الجدّ لأطفاله الصغار، وشوقُ المسافر إلى لحظة دفءٍ عائلية قبل عودته إلى دمشق، لكن الزمن، كعادته، لا يسير دائماً كما نشتهي.

كنتُ في سفرٍ قصير، لا يتجاوز أسبوعاً، حين اندلعت الحرب فجأةً بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهةٍ أخرى.

خلال ساعات، تغيّر كل شيء.. أُغلقت الأجواء، توقفت الرحلات، وأُلغيت تذكرة عودتي.

وجدتُ نفسي عالقاً في الغربة، بعيداً عن وطني، لا أملك سوى الانتظار.

كنتُ أتابع الأخبار بشعورٍ متناقض، شيءٌ من الارتياح لأن من دمّروا بيوتنا، وشردوا أطفالنا، وهجّروا أهلنا، باتوا يتقاتلون، ولا أسف على أيٍّ منهم… وقلقٌ ثقيل لأن الطرق إلى وطني أُغلقت، حتى مطار دمشق صار صامتاً كمدينةٍ مهجورة.

مرّت الأيام بطيئة، حتى جاء خبرٌ صغير، لكنه بدا لي كنافذةٍ في جدار: الخطوط الأردنية أعادت رحلاتها إلى عمّان، ومنها يمكن العودة برّاً إلى دمشق.

عندها، عاد إليّ الأمل دفعةً واحدة، أدركتُ كم أن الوطن يسكننا، بل يعيش في وجداننا، شهران فقط ابتعدتُ عنهما، لكنهما بدوا كعمرٍ كامل.

قبل أن يحين موعد العودة، قررتُ تلبية دعوة ابنتي، كانت تبعد ساعةً ونصفاً بالقطار، اشتريتُ تذكرة، وذهبتُ إلى المحطة أحمل معي شوقاً وذهناً مثقلاً بالأسئلة.

وصلتني رسالة تُخبرني أن القطار سيتأخر، ثم رسالة أخرى تؤكد الأمر نفسه. وقفتُ قرب الرصيف، أتنقّل بين أفكاري: ماذا لو أُغلقت الرحلات مجدداً؟ ماذا لو ضاعت فرصة العودة كما ضاعت من قبل؟

كنتُ هناك… جسداً فقط.

وحين وصل القطار، لم أكن حاضراً بالكامل.

فُتِحَت الأبواب، صعد الناس، وصعدتُ معهم بلا تفكير، كأنني أهرب من الانتظار. جلستُ في مقعدي، أراقب الوجوه دون أن أراها.

تحرّك القطار..
وفي اللحظة التي بدأ فيها بالابتعاد، انتبهتُ فجأة وكأن أحدهم أيقظني من حلمٍ ثقيل:
هذا ليس قطاري!

نهضتُ مرتبكاً، توجّهتُ إلى الموظفة، وطلبتُ إيقاف القطار.

نظرت إليّ بهدوءٍ وقالت:
"لا يمكن… القطار يسير وفق جدولٍ دقيق."

عدتُ إلى مقعدي ببطء.

خارج النافذة، كانت المحطة تبتعد ومعها شيءٌ في داخلي. شعرتُ أنني لم أخطئ في ركوب قطارٍ فحسب، بل في ترك ذهني يضيع في زحام القلق.

في تلك اللحظة فهمت:
بعض الأخطاء لا تأتي من الجهل، بل من الشرود ومن غيابنا عن اللحظة التي نعيشها.

خطأٌ صغير…
لكنّه كان كافياً ليذكّرني أن الإنسان، حين يفقد انتباهه، قد يركب القطار الخطأ في حياته… ويمضي.

سار القطار عشرين دقيقة قبل أن يتوقف عند المحطة التالية، وكنت غارقاً في حيرةٍ صامتة: أأنزل هنا، أم أؤجل قراري إلى محطةٍ أخرى؟

كان السؤال بسيطاً في ظاهره، لكنه يحمل في داخله ثِقل الاختيار… ذلك الثقل الذي لا يُقاس بالوقت، بل بما يتركه في النفس من أثر.

لكن القطار لم يمهلني طويلاً، فما إن ترددتُ حتى انطلق من جديد، تاركاً خلفه حيرتي معلّقة بين قرارٍ لم يُتخذ، ووقتٍ لا يعود.

حينها أدركت أن الحياة، كالقِطار، لا تنتظر المترددين، وأن الفرص لا تعلن رحيلها، بل تمضي بصمتٍ تاركةً لنا ضجيج الندم.

التفكير يبدو سهلًا، أما اتخاذ القرار فهو الامتحان الحقيقي، فالعقل يُجيد رسم الاحتمالات، لكن القلب وحده يتحمّل عواقب الاختيار.

حسمتُ أمري أخيراً دون تردد: سأنزل في المحطة القادمة. لم يكن القرار شجاعةً خالصة، بل مزيجاً من خوفٍ وتأخرٍ ورغبةٍ في استعادة السيطرة.

وبعد عشرين دقيقة أخرى دفعت خلالها ثمن شرود ذهني، توقف القطار، فاندفعت خارجه مسرعاً قبل ان يتحرك ثانية، كأنني أحاول اللحاق بقرارٍ تأخر كثيراً.

في تلك اللحظة، شعرت أن الإنسان لا يركض نحو المكان بقدر ما يركض نحو نسخةٍ منه كان يمكن أن يكوّنها لو اختار في الوقت المناسب، فنحن لا نطارد الأماكن… بل نطارد احتمالات أنفسنا التي لم تتحقق.

سألتُ إحدى السيدات المنتظرات عن قطاري الذي فاتني، فأجابت بهدوء: سيصل إلى هذه المحطة قريباً.

كان جوابها بسيطاً، لكنه أعاد ترتيب فوضى داخلي، كأن الحياة تقول لي إن بعض ما نفقده لا يضيع، بل يتأخر فقط، بشرط أن نبقى في الاتجاه الصحيح.

تنفستُ الصعداء، وحمدت الله أن القطار الذي استقللته خطأً كان يسير في الاتجاه نفسه، فلو مضى عكسه، لابتعدت عن وجهتي أضعافاً، وربما طال التيه.

عندها أدركت أن الأخطاء ليست كلها سواء، فبعضها يقودنا خفيةً إلى ما نريد، وبعضها الآخر يفتح أبواب الضياع، الفرق بينهما ليس في الخطأ ذاته، بل في الاتجاه الذي نسير فيه ونحن نخطئ.

وأخيراً...
وصل القطار، ووصلتُ معه، كانت وجهتي لا تزال هناك، وكان الجميع في انتظاري، وكأن شيئاً لم يحدث… إلا في داخلي.

ففي داخلي تغيّر شيء ما، صرتُ أعلم أن القرارات المؤجلة ليست بلا ثمن، وأن التردد شكلٌ خفي من أشكال الفقد، وأن الوصول لا يعني دائماً أننا سلكنا الطريق الصحيح، بل أحياناً يعني فقط أننا لم نبتعد كثيراً.

ومنذ ذلك اليوم، لم أعد أنظر إلى المحطات كأماكن عابرة، بل كاختباراتٍ صغيرة للوعي، ولا إلى القطارات كوسيلة انتقال، بل كتشبيهٍ دقيقٍ للحياة، فهي تمضي، سواء كنا مستعدين أم لا، وتترك لنا دائماً سؤالاً واحداً…
هل اخترنا فعلاً، أم أننا فقط تأخرنا في الاختيار؟

هذه كانت حكايتي... حكاية رجلٍ أضاع لحظةً فكسب وعياً.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

حدث في مسجدنا.. لا تؤخِّروا الجنازة.. الجنازة أولاً..

آخر ما ينتفع به الميت في الدنيا هو الصلاة عليه والدعاء له. ومن المؤسف أن يُبتلى بعض أئمة المساجد بتقديم صلاة السُّنّة البعدية على صلاة الجنا...