الخميس، 16 أبريل 2026

دمشق.. حين أزهر الحلم من جديد

عادتِ السماءُ تمطر، لا كما اعتادت، بل كما لو أنّها تُغسِل ذاكرة دمشق، وتُعيد ترتيب الحكايات التي أثقلها الغبار، وتسلّلت البراعم الخضراء من شقوق الأرض، كأنّها رسائل حياةٍ كُتبت بعد طول صمت، وعادت الأشجار التي بدت يوماً هياكلَ صامتة، تهمس للريح: ما زال فينا ما يُزهر.

وانطلقت الأنهار، لا لتجري فحسب، بل لتبوح، كأنّ الماء استعاد صوته أخيراً، وكأنّ الينابيع تنبض من جديد بقلبٍ لا يعرف التوقّف.

لقد عاد الربيع..
لا كفصلٍ عابر، بل كوعدٍ يفتح أبواب الرجاء، وعدٌ بأنّ الأزهار لا تنسى طريقها، وأنّ الحبّ، مهما طال صمته، سيجد من ينطقه، وأنّ السعادة.. تلك الغريبة المؤجَّلة ستعود لتتجوّل في حدائق المدينة وبساتين غوطتها، كحلمٍ تأخّر كثيراً ثم استيقظ.

عادت العصافير..
لا إلى أعشاشها فقط، بل إلى نغمها الأول، وعادت أسراب الحمام ترسم في السماء دوائر من الطمأنينة، ثم تهبط فوق الأسطح، كأنّها تُرمّم ذاكرة البيوت لتستعيد نفسها نبضاً بعد نبض، واسماً بعد اسم.

عاد كلُّ شيء، بعد أن كاد كلُّ شيءٍ يُفقد، كأنّ الروح التي غابت طويلاً قرّرت أخيراً أن تعود.

وعاد الفرح..
لا خجولاً كما كان، بل واضحاً كالشمس، تبدّلت الوجوه التي اعتادت الشحوب، فصارت أكثر خفّة: ضحكات تتسرّب من بين التعب، عيون تلمع كأنّها تعلّمت الضوء من جديد، وخطوات أقلّ انكساراً، كأنّ المدينة وُلدت مرّةً أخرى، نهضت من رمادها، وكتبت نفسها بلغة الضوء. (بالتعبير الروحي الصوفي)

تغيّر كلّ شيء..
تلاشى ذلك الظلّ الثقيل الذي كان يُخيّم على الأزقّة، وانسحب الخوف من القلوب بهدوءٍ كأنّه لم يكن، لم يعد الهمس سيّد الكلام، ولم تعد العيون تفرّ من نظراتها، لأن في الهواء شيءٌ جديد… شيءٌ اسمه الحرية تُلمَس لأول مرّة.

وحديقةُ تشرين…
يُقترح أن تُسمّى “حديقةَ الأمويّين”، لاتّساعها وامتدادها كأنّها تتمّةٌ لها.

في الحديقة…
امرأةٌ مسنّة تبتسم لطفلٍ يطارد حمامة، وشابّ يضحك كأنّه يكتشف صوته للمرّة الأولى، وطفلةٌ تركض مع أقرانها كأنّ الأرض خُلقت لتحتمل خفّة خطواتها، وفتاةٌ تبتسم فيتسرّب الضوء من بين شفتيها، وعاشقان يتهامسان بخفوتٍ لا يُدرك، وزوجان يستعيدان، بهدوء، ذكرى الخطوبة.

في الرَّبوة…
وما أدراك ما الربوة! هنا.. على تخومِ الحكايةِ الأولى، وُلد المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام، فانبثقَ النورُ من رحمِ السكون، حيثُ ينفرطُ عقدُ نهر بردى إلى سبعةِ أنهر كأنّها أناملُ ماءٍ، تسقي غوطة دمشق وتُهدهدُ خُضرتها.

وهنا، تفترشُ العائلاتُ الدمشقيةُ الحصيرَ كأنّها تبسطُ قلبها للأرض، يتقاسمون الخبزَ والدفءَ على همسِ الماء، على خريرِ بردى، ذاك نهرُ الفردوس الذي يجري كخيطٍ من ذهبٍ في ذاكرةِ المكان.

وعلى طريق المطار..
لم يعد الطريق طريقًا فقط، بل صار فسحةً للقلوب، ازدحم بالعائلات، بالضحكات، بالخطوات التي لا تبحث عن وجهة، بل عن اتّساع، بعضهم يجلس على العشب، وبعضهم يمشي بلا سبب… إلا ليتنفّس.

طفلةٌ تسأل:
"ليش كل الناس مبسوطة؟"
فيجيبها صوتٌ هادئ، كأنّه يخرج من قلب المدينة:
"لأنهم أخيراً… يتنفسون."

نعم، الجميع يتنفس، فالهواء لم يعد كما كان، صار خفيفاً، نقياً، يشبه البداية حين تكون صادقة، بداية مدينةٍ أُنهِكَت طويلاً، وها هي الآن تستنشق ما غاب عنها:
هواء الحرية…
هواء النصر...
هكذا دمشق اليوم…
لا كما كانت، بل كما تستحق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

حدث في مسجدنا.. لا تؤخِّروا الجنازة.. الجنازة أولاً..

آخر ما ينتفع به الميت في الدنيا هو الصلاة عليه والدعاء له. ومن المؤسف أن يُبتلى بعض أئمة المساجد بتقديم صلاة السُّنّة البعدية على صلاة الجنا...