الأربعاء، 8 أكتوبر 2025

من التصفيق إلى التشريع

لا يزال كثيرون يجهلون ماهية دور مجلس الشعب الحقيقية وفائدته، لكن اللوم لا يقع عليهم، بل على الواقع السياسي المتخلف الذي شوه هذه المؤسسة وجعلها مجرد واجهة بلا مضمون، فمتى كان الاستبداد يسمح للمؤسسات بأن تقوم بدورها الحقيقي؟

ففي عهد حافظ ووريثه بشار الأسد، كان مجلس الشعب في نظر السوريين مجرد هيئة شكلية، خالية من أي صلاحيات فعلية، حتى صار يُعرف شعبياً بـإسم "مجلس المصفقين". 

هل تذكرون كيف قال أحد أعضاء المجلس في عهد الهارب بشار:
"أنت قليل عليك حكم سورية يا سيادة الرئيس، بل يجب أن تحكم العالم!"

سورية اليوم ليست كما كانت بالأمس، ومجلس الشعب هو الآن أعلى سلطة تشريعية في البلاد، يُشرّع القوانين ويُعدّلها، ويحاسب الحكومة ويُراقب أدائها، تماماً كما يفعل الكونغرس في الولايات المتحدة، وهذا بالضبط ما نأمل أن نشهده في مجلس الشعب السوري الجديد.

شهداء أم عملاء؟

باختصار..
لقد خدعونا طوال قرن كامل، لم يخبرونا بالحقيقة كاملة، لم يجرؤ أحد أن يروي لنا كيف أُعدم هؤلاء الناس، بل أخفوا عنا جانباً مؤلماً جداُ: عمالتهم وتعاونهم مع الأعداء الذين أرادوا هدم وطنهم وسحق أحلامنا.

هؤلاء الأشخاص لم يكونوا فقط معارضين، بل كان أغلبهم على اتصال مباشر بالفرنسيين والإنجليز، وربما عن وعي أو جهل سعوا لهدم دولتهم التي كانت آخر ملاذ يجمع المسلمين تحت راية الخلافة.

ما يُسمى اليوم بـ"الثورة العربية الكبرى" لم يكن سوى خدعة مؤلمة، خطة غربية محكمة لتفكيك أحلامنا وتمهيداً لاحتلال بلادنا وتقسيمها، وبالثورة العربية المزعومة انهارت الدولة العثمانية، واحتلت القوات البريطانية والفرنسية بلاد الشام، وفرضت اتفاقية سايكس بيكو حدوداً مصطنعة مزّقت وطننا ومزّقت قلوبنا، ومن رحم تلك الجراح نشأت أنظمة جديدة، أنظمة ولاؤها للأعداء، لا لشعوبها، تركتنا وحيدين، محاصرين بين خيانات التاريخ وقسوة الحاضر.

حين نفذ والي دمشق جمال باشا حكم الإعدام بحقهم عام 1916م في ساحتي المرجة بدمشق والبرج ببيروت، كان ذلك عدلاً لمن اختاروا خيانة وطنهم والتآمر مع أعدائه في أحلك لحظات الحرب العالمية الأولى، ولا تزال خيانتهم جرحاً مفتوحاً، نراه في جنوب سورية وغربها وشمال شرقها، تحكي قصة وجع لم ينتهِ.

كان قرار الغاء عيد شهداء 6 أيار من الأعياد الرسمية في سورية قراراً صائباً، لإننا اليوم أمام تاريخ يجب أن نقرأه بعيون مفتوحة، لنفرق بين من ضحى بحياته من أجل وطنه، وبين من سلّم وطنه في لحظة خيانة وضعف، ونستعيد بذلك كرامتنا المفقودة، ونبني مستقبلًا نعتز به.

الخميس، 11 سبتمبر 2025

الرجال معادن

سلامٌ على صلاح الدين الأيوبي محرر القدس، سلامٌ على سيف الدين قطز قاهر المغول والتتر، سلامٌ على محمد الفاتح بن مراد فاتح القسطنطينية، وسلامٌ على أحمد حسين علي الشرع فاتح دمشق، محرر سورية من عدو أشد وأخطر من التتر والصليبيين والمغول، لا يقل فعلُه عن أفعال صلاح الدين ومحمد الفاتح وقطز.

فالقيادة ليست امتيازاً يناله المرء بانتسابهِ إلى حزبٍ أو حركة أو جماعة، بل هي هبة ربانية يمنحها الله لمن يشاء، إذا تحلّى صاحبها بصفات القائد الحقيقي.

القائد الفذ هو من يتحلّى بالصبر، والأناة، والصدق، وحُسن الخلق، ويمتلك القدرة على التواصل مع من يعملون معه، رغم اختلافاتهم، وكان واسع الصدر للاستماع إلى الآراء الأخرى، وتقبّل تعدد وجهات النظر.

القائد هو من امتلكَ الوعي الذاتي، والفكر الاستراتيجي، وحدّد الأولويات، وتكيّف مع المتغيرات والمتقلبات.

وهذا هو ما تجلّى في الرئيس أحمد الشرع، ولم نجده في أي رئيس حزب أو حركة أو جماعة. ولهذا السبب، كثيرٌ من المثقفين المستقلين والمتحزبين المعارضين لنظام الأسد البائد، يكشرون عن أنيابهم، ويجعلون أقلامهم تصدح نقداً وقدحاً وحقداً ضد هذا القائد الذي اختاره الله ليخلّص السوريين من ألم القتل، والاعتقال، والاغتصاب، والتشريد، والتهجير، والذبح، وتدمير البنى التحتية. هؤلاء لا يتوقفون عن التشكيك في إنجازات هذا النصر، ولا يريدون أن يكونوا شركاء في بناء الدولة السورية الجديدة في هذه المرحلة الحرجة. بل إن أقلامهم لا تختلف كثيراً عن الأصوات المضادة لهذه الدولة.

الغريب أن أكثر هؤلاء يُحسبون على النخبة الوطنية التي لا ينقصها الوعي، ولكن ينقصها التجرد من الكبر والأنانية.

هم يشاهدون الاعتداءات الإسرائيلية الشبه يومية على القرى السورية، ويرون كيف أن إسرائيل غير راضية عن هذه السلطة التي لم تحقق أهدافها كما فعل نظام بشار الأسد.

هم يدركون أيضاً أن أعداء سوريا اجتمعوا على تقويض نصر الشعب السوري الذي تحقق بفضل هذا القائد الفذ، محرر سورية من مجوس إيران وميليشياتها، وكابح مشروع الطائفية لتغيير التركيبة الديمغرافية في البلاد.

إسرائيل غاضبة من الشرع لأنه يسعى إلى بناء دولة سورية قوية تعيد رسم خريطة المنطقة. لذا، نناشد النخبة المثقفة أن تعيد حساباتها، وتتخلّى عن أنانيتها، وتقف مع المخلصين في بناء الوطن. ونرجو أن تستيقظ قبل أن تسقط سقوطاً مدوياً، فالمواقف الشريفة في المحن تظهر المعادن الحقيقية.


لماذا يُعارض بعض المثقفين السوريين الحكومة الجديدة؟

من المفارقات المؤسفة أن نرى عدداً من المعارضين السياسيين السوريين، من مثقفين وكتّاب وأصحاب أحزاب سياسية، الذين قضوا أكثر من أربعة عشر عاماً في مواجهة نظام بشار الأسد، قد وجّهوا سهام نقدهم اليوم إلى الحكومة السورية الجديدة، وبالطريقة ذاتها التي اعتادوا استخدامها ضد النظام السابق.

لقد كانت هذه النخبة، طوال سنوات، ترفع شعارات الديمقراطية، وتنادي بالحرية، وتُدافع عن حلم التغيير، ولكن حين وُلدت فرصة حقيقية لذلك التغيير، بظهور حكومة من رحم الشعب أنهت أربعة وخمسين عاماً من حكم عائلة الأسد وإيران وميليشياتها الطائفية، لم نرى منهم موقفًا مسانداً أو حتى متفهماً لظروف المرحلة، بل على العكس، عادوا يمارسون الدور ذاته: التنظير، والتشكيك، والنقد غير البنّاء.

وعندما ندعوهم إلى منح هذه الحكومة فرصة، باعتبارها حكومة ناشئة تحاول أن تبني من تحت الركام، ونذكّرهم بأن وجودها بحد ذاته كسر لاحتكار السلطة الذي دام لعقود، لا نجد منهم سوى التهكم والتقليل، بل إن بعضهم لم يتردد في وصفنا بأننا "محبكجية جدد"، في إشارة إلى تكرار نمط التطبيل للسلطة.

المفارقة الأكبر أن هؤلاء الذين يفاخرون بانفتاحهم وديمقراطيتهم لم يتقبلوا حتى اختلافنا في الرأي، وطلبوا منا الخروج من مجموعاتهم الحوارية، لأننا ببساطة لا نشاركهم النظرة السلبية نفسها!

والسؤال الجوهري يبقى:
لماذا يُصرّ البعض على الوقوف في وجه أي تجربة تغيير، حتى ولو جاءت من غير مدرستهم الفكرية، وهل باتت المعارضة عندهم غاية بحد ذاتها، بغضّ النظر عمّن يحكم؟

الوعي المؤلم والجهل المريح

لي صديق، ربّ أسرة، يعيش بسعادة وهناء، وجميع أفراد أسرته سعداء مُرِحون يحبّون الحياة.

شعر ذات يوم بوعكة صحية، فذهب إلى الطبيب، الذي طلب منه إجراء بعض الفحوصات، ليكتشف بعدها أنه مصاب بسرطان في المعدة، ومنذ ذلك الحين، انقلبت حياته إلى غمّ وهمّ، وانعكست حالته سلباً على أسرته بأكملها.

لقد حماه جهله بمرضه من القلق والخوف والحزن لسنين طويلة، فكان الجهل بالنسبة له راحة وحماية، في حين بدّد وعيه بمرضه سعادته، وأحزن قلبه، وعاش منذ معرفته بالحقيقة في غمّ وهمّ دائمَين.

فهذا الصديق عندما كان يجهل مرضه، عاش أيامه بهدوء، أما بعد أن عرف، فقد أصبحت حياته حزناً مستمراً يترقّب النهاية.

فالجهل، أحياناً، يحمي الإنسان من القلق والخوف، لأنه لا يعرف المخاطر ولا عواقبها.

وبعد انتصار الثورة السورية وسقوط نظام الأسد، أصبح الوعي عبئاً مؤلماً على المواطن السوري، لأن للنصر استحقاقات لا تقل صعوبة عن معركة إسقاط النظام، فالمواطن الحقيقي بعد الثورة لا يكون متفرّجاً مرتاحاً، بل شريكاً في المسؤولية والبناء، فالمحافظة على مكتسبات الثورة تتطلب وعياً سياسياً واجتماعياً، واستعداداً للتضحية والعمل دعماً للدولة والحكومة، بدل الاتكال عليها وانتظار المعجزات.

فلكي لا يتحوّل النصر إلى لحظة عابرة، يجب على كل فرد أن يساهم في إعادة الإعمار، واحترام القانون، ومحاربة الفساد والانتهازية، والعمل على ترسيخ قيم العدالة، والمحافظة على نظافة الوطن برمي القمامة في الحاويات المخصصة لها، لا على أطراف الطرق أو تحت الأشجار !

فالنصر لا يُصان بالجهل والأنانية وغياب الشعور بالمسؤولية، بل بالانخراط الحقيقي في مشروع بناء وطن يليق بتضحيات الشهداء والمفقودين، ويضمن لأجياله القادمة كرامة وحرية لم يعرفوها من قبل.

لقد أصاب الجهل، وعدم الوعي، كثيراً من السوريين بعد أن وجدوا أنفسهم بلا نظام الأسد، الذي سرق أرزاقهم، وأذلّهم، وأهان كرامتهم، وهرب دون أن يبذلوا جهداً في الإطاحة به.

هذا الجهل منحهم شعوراً زائفاً بالسعادة والارتياح، فكان في هذا السياق نعمة بالنسبة لهم، لأنهم اعتقدوا أن المسؤولية تقع على عاتق الدولة الجديدة وحدها لتؤمّن لهم كل شيء فقدوه لعقود، دون أن يقدّموا جهداً أو تضحية أو حتى تعاوناً معها، بل اقتصر دورهم على النقد واللوم بعيداً عن المعرفة والوعي كي لا تتقوّض سعادتهم.

وبعض المعارضين السوريين السابقين، الانتهازيين، الذين نجدهم بيننا في كل مكان، الذين يزيّنون أنفسهم بالكلمات والشعارات، يجدون السكينة في الجهل، ويجهلون النعمة التي وصلنا إليها.

فقد شاركوا في البداية لتغيير حكم بشار الأسد، لكن بعد تحرير سوريا على يد أبنائها الذين لا ينتمون لفكرهم، وجدوا أنفسهم مهمّشين خارج دائرة السلطة، فأصبحوا ينتقدون كل شاردة وواردة، حقداً وحسداً وغيرة، بحجة "الإصلاح"، ونكايةً بطهارة السلطة الجديدة الوليدة واستقامتها.

ويبقى السؤال مفتوحاً:
هل الجهل نعمة؟

السبت، 16 أغسطس 2025

رغم هذا… أحبكِ يا شام

كانت سوريا، قبل أن تطالها قبضة عائلة الأسد، لوحة حضارية تُبهر العيون، وجنةً على ضفاف التاريخ، بل كانت هي التاريخ والحضارة، مدن نظيفة تليق بتاريخها، وشعب يعرف معنى الانتماء والمسؤولية، ثم جاء الأسد وعائلته فزرعوا اللامبالاة والفوضى في النفوس كما تُزرع الأعشاب الضارة في حقول القمح، وسقَوها عقوداً من الرعب والخوف، فحوّلوا سورية إلى مختبر للفوضى والتشويش توارثتها الأجيال حتى غدت ثقافةً شعبية وسلوكاً ينفر منه كل زائر.

ما نشاهده اليوم من سلبيات هو هذا الموروث البغيض: عجقة سير فوضوية لا تعرف للنظام معنى، كأنها في سباق، وازدحام فوضوي عشوائي مضطرب، وشوارع فقدت بريقها فغدت قذرة، مقرفة، ملوثة، تعكس إهمالاً مزمناً، وشعباً بوجوه شاحبة أثقلتهُ الأنانية حتى فقد روح الانضباط والمسؤولية.

فالعائد من الغربة اليوم يفكّر مكرهاً بالرحيل من جديد حتى لا يبتلعه الاندماج بالخراب، وكأنّ الوطن الدافئ الذي كان يعانق أبناءه، يهمسُ لهم اليوم:

إن كنتم تريدون النجاة فالطريق إلى المطار من هنا !!

ومع ذلك…
ورغم كل هذا الجرح، ما زلتِ يا شام تسكنين قلبي، وتغسلين بدموعكِ غبارَ روحي، فأراكِ كما كنتِ، وأحبك كما لم أحب شيئاً في حياتي.

16 آب 2025م

الخميس، 24 يوليو 2025

في رحاب ميسلون

"نحن لا نقاتل لننتصر، فالشرفُ أجدرُ أن ندافع عنه، وابنتي ليلى أمانةٌ في أعناقكم !"
(يوسف العظمة)

هذه الأيقونة الوطنية، التي دافعت عن شرف وطنها، تركت أثراً في أعماقي منذ طفولتي.
(هشام الحمصي)

وُلِدَ يوسف العظمة عام 1884م في حي الشاغور بمدينة دمشق (الصمادية)، والتحق بالأكاديمية العسكرية العثمانية، وتخرّج في كلية الأركان، متقناً فنون الحرب والقتال برتبة عالية.

كان شجاعاً، صاحب مروءة، حسن الخلق، شهد له أعداؤه، كريماً، قنوعاً، بشوشاً، يُحب وطنه، ملتزماً بدينه، ويتقن عدة لغات: التركية والفرنسية والألمانية.

كان يوسف العظمة قائداً عسكرياً فذّاً، خاض حروباً طاحنة لصالح الدولة العثمانية على ثلاث قارات، وانتصر فيها جميعاً، فاكتسب خبرة عسكرية كبيرة.

اندلعت الحرب العالمية الأولى، وشاركت الدولة العثمانية فيها.

استغلّ الشريف حسين انشغال العثمانيين بالحرب، فأعلن التمرّد عليهم بدعم مباشر من بريطانيا، تحت عنوان "الثورة العربية الكبرى".

تمكنت قوات الشريف حسين من طرد العثمانيين من بلاد الشام، بمساعدة ضابط المخابرات البريطاني "توماس إدوارد لورنس" (لورنس العرب)، فكافأت بريطانيا حسين بتتويج ابنه فيصل ملكاً على سوريا، وأُعلن قيام "المملكة السورية العربية".

لم يُشارك يوسف العظمة في الثورة العربية، بل بقي إلى جانب العثمانيين حتى سقوطهم في الحرب. كان يُدرك عداوة فرنسا وبريطانيا للعرب والعثمانيين، لا سيما وأنه درس في أوروبا، وكان على وعي بطبيعة الاستعمار، وخاصة بريطانيا التي كانت تحتل مصر.

عاد إلى سوريا بعد الحرب، رافضاً عرض الأتراك بالبقاء لبناء الجيش التركي، مفضّلاً المساهمة في بناء وطنه السوري، تولّى عدة مناصب في حكومة الملك فيصل بن الحسين، وكان آخرها وزير الحربية، رغم اعتراضه على سياسات الملك.

وصلت بواخر فرنسا إلى الساحل اللبناني، وتقدمت جيوشها نحو دمشق، وفق اتفاقية "سايكس بيكو".

أرسل الجنرال الفرنسي "غورو" إنذاراً إلى الملك فيصل، يأمره فيه بتسريح الجيش السوري وتسليم البلاد خلال أربعة أيام، دون مقاومة.

استشار فيصل وزراءه، فوافقوا جميعاً على الإنذار، وقرّروا التسليم، باستثناء وزير الحربية يوسف العظمة، الذي رفض الإنذار بشدّة، وحاول إقناع الملك بالمقاومة، لكنه فشل.

أمر الملك بفضّ الجيش وتسريح ضباطه، وأرسل إلى "غورو" موافقاً على شروطه. لكنّ الجنرال الفرنسي أصرّ على دخول دمشق عنوةً لإذلالها.

أدرك الملك فيصل نوايا الفرنسيين، فجمع ما استطاع من أموال ومجوهرات، وفرّ إلى لندن حيث كان البريطانيون بانتظاره.

شعر يوسف العظمة بالمسؤولية الوطنية، فأصرّ على إنقاذ سمعة بلاده وخوض معركة الشرف، حفاظاً على كرامة الشام، وكانت ابنته "ليلى" لا تزال في سنوات عمرها الأولى، فالتفت لمن حوله قائلاً:

 "ليلى أمانةٌ في أعناقكم !"

جمع ما بقي من الجيش المتفرّق، وضمّ إليه الفصائل المتطوّعة، وأعدّ ما استطاع من ترتيبات عسكرية، وتوجّه لصدّ القوات الفرنسية الزاحفة قبل وصولها إلى دمشق.

سأله رفاقه في الطريق:

هل من أملٍ بالنصر يا سيادة الوزير؟

فأجاب بعزّة مبتسماً رافعاً معنوياتهم:

"نحن لا نقاتل لننتصر، فالشرفُ أجدرُ أن ندافع عنه !"

ثُمَّ رسم خطته القتالية، وزرع الألغام في طريق العدو، ووزّع المهام، فوضع المتدرّبين في المقدّمة، والمتطوّعين بقيادة "أبو شاكر الطبّاع" في المؤخرة، وشرح خطته لقادة الجبهات، ثمّ وقف خطيباً يلهب مشاعرهم ويحثّهم على الصبر والصمود:

إما نصراً وعزّاً، أو شهادةً وجنّة.

وفي 24 تموز 1920م، التقى الجيشان في "ميسلون" على بُعد 30 كم غرب دمشق، واندلعت معركة غير متكافئة بين ثلاثة آلاف مقاتل سوري، بأسلحة تقليدية دون خبرة كافية، مقابل تسعة آلاف فرنسي بين ضباط وجنود مدججين بأحدث الأسلحة، يتقدمهم الطيران والدبابات والمصفحات.

قاتلت الكوكبة السورية قتال الأبطال، وكبّدوا الفرنسيين خسائر فادحة جعلتهم يتقهقروا، ما دفع غورو لإرسال تعزيزات إضافية، تتقدمها الدبابات، لمحاصرة المقاومين والقضاء عليهم.

أمر يوسف العظمة بالتراجع إلى حقل الألغام، وما إن وصلت الدبابات إلى وسط الحقل، أعطى أمر التفجير... لكنها لم تنفجر !

أسرع يتحقق من الأمر، فوجد الأسلاك قد قُطِعت!

واصلت القوات الفرنسية زحفها، فقاتل يوسف ورفاقه ببسالة، يُكبّر ويحثّ على الثبات.

وفجأة، انهمر الرصاص عليهم من الخلف، فسقطوا شهداءً واحداً تلو الآخر !

لقد خان "أبو شاكر" ومن معه الوزير ورفاقه، فقطعوا أسلاك الألغام، وأطلقوا النار من الخلف.

استشهد يوسف العظمة ومجموعته بأيدٍ غادرة، وصعدت أرواحهم إلى بارئها ووجوههم مبتسمة تفيض بالطمأنينة.

دخل الجنرال "غورو" دمشق على عربة يجرّها الخيل، فخرج له الانتهازيون والمنافقون بالترحيب، وكان من بينهم "أبو شاكر الطبّاع" الذي فكّ الحصان عن العربة، وجرّها هو ورفاقه في شوارع دمشق.

قال غورو:
دلّوني على قبر صلاح الدين !

وعندما وقف عند الضريح، ركله بقدمه قائلاً:
"قُم... ها قد عدنا يا صلاح الدين !"

خرج المستعمر الفرنسي من سورية بعد ستة وعشرين عاماً، تاركاً وراءه أنظمةً عميلةً خدمت مصالحه، وعلى رأسها النظام العلوي البعثي الذي اختطف سورية لعقود، لتبقى مرهونةً ومسلوبة الإرادة، وعلى خطى يوسف العظمة، ثار الشعب السوري في ثورة شعبية استمرت أربعة عشر عاماُ، توّجت بمعركة ردع العدوان في الثامن من كانون الأول عام 2024م، والتي قادها غيورون من أبنائها، متفانين في الإخلاص والتضحية، فأسقطوا نظام آل الأسد الطائفي النصيري الدموي، الذي دمّر الحجر، وقتل البشر، وأحرق الزرع والشجر، بعد حكمٍ استمر أربعة وخمسين عاماُ، منذ اغتصاب حافظ الأسد للسلطة عام 1970م.

الخميس، 24 تموز 2025م


حدث في مسجدنا.. لا تؤخِّروا الجنازة.. الجنازة أولاً..

آخر ما ينتفع به الميت في الدنيا هو الصلاة عليه والدعاء له. ومن المؤسف أن يُبتلى بعض أئمة المساجد بتقديم صلاة السُّنّة البعدية على صلاة الجنا...