الخميس، 11 سبتمبر 2025

الوعي المؤلم والجهل المريح

لي صديق، ربّ أسرة، يعيش بسعادة وهناء، وجميع أفراد أسرته سعداء مُرِحون يحبّون الحياة.

شعر ذات يوم بوعكة صحية، فذهب إلى الطبيب، الذي طلب منه إجراء بعض الفحوصات، ليكتشف بعدها أنه مصاب بسرطان في المعدة، ومنذ ذلك الحين، انقلبت حياته إلى غمّ وهمّ، وانعكست حالته سلباً على أسرته بأكملها.

لقد حماه جهله بمرضه من القلق والخوف والحزن لسنين طويلة، فكان الجهل بالنسبة له راحة وحماية، في حين بدّد وعيه بمرضه سعادته، وأحزن قلبه، وعاش منذ معرفته بالحقيقة في غمّ وهمّ دائمَين.

فهذا الصديق عندما كان يجهل مرضه، عاش أيامه بهدوء، أما بعد أن عرف، فقد أصبحت حياته حزناً مستمراً يترقّب النهاية.

فالجهل، أحياناً، يحمي الإنسان من القلق والخوف، لأنه لا يعرف المخاطر ولا عواقبها.

وبعد انتصار الثورة السورية وسقوط نظام الأسد، أصبح الوعي عبئاً مؤلماً على المواطن السوري، لأن للنصر استحقاقات لا تقل صعوبة عن معركة إسقاط النظام، فالمواطن الحقيقي بعد الثورة لا يكون متفرّجاً مرتاحاً، بل شريكاً في المسؤولية والبناء، فالمحافظة على مكتسبات الثورة تتطلب وعياً سياسياً واجتماعياً، واستعداداً للتضحية والعمل دعماً للدولة والحكومة، بدل الاتكال عليها وانتظار المعجزات.

فلكي لا يتحوّل النصر إلى لحظة عابرة، يجب على كل فرد أن يساهم في إعادة الإعمار، واحترام القانون، ومحاربة الفساد والانتهازية، والعمل على ترسيخ قيم العدالة، والمحافظة على نظافة الوطن برمي القمامة في الحاويات المخصصة لها، لا على أطراف الطرق أو تحت الأشجار !

فالنصر لا يُصان بالجهل والأنانية وغياب الشعور بالمسؤولية، بل بالانخراط الحقيقي في مشروع بناء وطن يليق بتضحيات الشهداء والمفقودين، ويضمن لأجياله القادمة كرامة وحرية لم يعرفوها من قبل.

لقد أصاب الجهل، وعدم الوعي، كثيراً من السوريين بعد أن وجدوا أنفسهم بلا نظام الأسد، الذي سرق أرزاقهم، وأذلّهم، وأهان كرامتهم، وهرب دون أن يبذلوا جهداً في الإطاحة به.

هذا الجهل منحهم شعوراً زائفاً بالسعادة والارتياح، فكان في هذا السياق نعمة بالنسبة لهم، لأنهم اعتقدوا أن المسؤولية تقع على عاتق الدولة الجديدة وحدها لتؤمّن لهم كل شيء فقدوه لعقود، دون أن يقدّموا جهداً أو تضحية أو حتى تعاوناً معها، بل اقتصر دورهم على النقد واللوم بعيداً عن المعرفة والوعي كي لا تتقوّض سعادتهم.

وبعض المعارضين السوريين السابقين، الانتهازيين، الذين نجدهم بيننا في كل مكان، الذين يزيّنون أنفسهم بالكلمات والشعارات، يجدون السكينة في الجهل، ويجهلون النعمة التي وصلنا إليها.

فقد شاركوا في البداية لتغيير حكم بشار الأسد، لكن بعد تحرير سوريا على يد أبنائها الذين لا ينتمون لفكرهم، وجدوا أنفسهم مهمّشين خارج دائرة السلطة، فأصبحوا ينتقدون كل شاردة وواردة، حقداً وحسداً وغيرة، بحجة "الإصلاح"، ونكايةً بطهارة السلطة الجديدة الوليدة واستقامتها.

ويبقى السؤال مفتوحاً:
هل الجهل نعمة؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

حدث في مسجدنا.. لا تؤخِّروا الجنازة.. الجنازة أولاً..

آخر ما ينتفع به الميت في الدنيا هو الصلاة عليه والدعاء له. ومن المؤسف أن يُبتلى بعض أئمة المساجد بتقديم صلاة السُّنّة البعدية على صلاة الجنا...