الخميس، 10 ديسمبر 2020

لستُ مرياعاً

تقفُ الباصات السياحية في كل رحلة إلى تدمر عند "مقهى بغداد" الواقعة في الصحراء على الطريق العام بين دمشق وتدمر والعراق، وتُقدّم للمسافرين خدمات بسيطة كالطعام والشراب مع إستراحة في خيمة بدوية تقليدية لشرب القهوة والشاي على صوت الربَابَة. 

أنشأ أصحابها حولها بعض الغرف الطينية المقبّبة للأسرة البدوية وضيوفها، كما يوجد فيها أغنام وماعز ودجاج وطيور، وبعض الإبل.

 في إحدى زياراتي إلى تدمر، توقفت كالعادة في هذه المحطّة مع مجموعتي السياحية المرافق لها، وخلال استراحتنا ذهبت حيث توجد الأغنام لعلِّ اشتري خَروف أضحية، وكان ذلك قبيل عيد الأضحى المبارك بأيّام قليلة.

مررتُ بين الأغنام فتَبِعَني بعض أفراد المجموعة، أحتضنتُ خروفاً صغيراً التقطّتُ معه صورة فتغرافية مازلتُ أحتفظ بها. 

وفجأة..

ظهر أمامي كبشٌ ضخمٌ كبيرٌ مثيرٌ قد هالني منظره، يقبَعُ بين الأغنامِ بجانب الحمار !
 
له قرنين طويلين مُلتَويّين، ورأسٌ مزيّن، وعنقٌ ضخمٌ يطوّقهُ شريطٌ أحمر يتدلّى منه جرس !

حدَّقتُ فيه واقتربتُ منه ببطٍ وحَذَرٍ خشية أن يغدرني بنطحة يرميني بها أرضاً لا أقوم بعدها أبداً !!

ولكنّ خوفي وحذَرَي ما لبس أن تلاشى عندما رأيته يمسح وجهه في بنطالي كأنّه طفلٌ صغير.

ناديت الراعي كي أفهمَ منهُ حقيقة الأمر، فقلت له:

هل هذا حقاً خَروف ؟!

ضِحكَ الراعي من سؤالي وفهم قصدي وقال:

نعم هذا خَروف !!

قلت:
ولما هو ضخم كالفيل ؟

فقال:
هذا زعيم الأغنام  !!
 
"قلت في نفسي هذا هو الكبش المفضّل للأضحيه"

فقلت للراعي على الفور:
حسناً، ما وزن هذا الزعيم، وكم سعره ؟

فأجاب:
إنّه ليس للبيع، بل هو "مرياع" يقود الأغنام إلى المرعى !!!

نظرت إليه بدهشة وقلت له:
وكيف يتم ذلك ؟

قال:
حسناً..اتبعوني كي نستظل من حرارة الشمس !

سار أمامنا إلى أحد الغرف المقبَّبة الطينية وأجلسنا على الأرض كالبداوة، وألقى علينا محاضرة "المرياع" !
 
قال الراعي:

في لحظة ولادة الخَروف نبعده عن أمه دون أن يراها إلى مكان منفصل قبل أن يتذوّق حليبها، ثمّ نأتيه باللبأ محلوب في زجاجة من أمه نضعها في (خرجِ) الحمار فيرضع منها !

"اللّبأ هي "الصمغة" باللهجةِ الشامية، تخرجُ من ثَدي الأم بعد الولادة، وتحتوي على مضادات حيوية تزيد من مناعة الرضيع"

تمرُّ الأيّام والصغير يرضع من خرجِ الحمار حتى يعتقد أنّه أحد أبويه، فيتبَعهُ أينما ذهب !

وبعد أن يكبر ويحين موعد فِطامه، نطعمهُ الخبز والعشب ليعتادها، ثمّ نَزيلُ خصيّتيه كي لا يقترب من الإنثى، عندئذٍ تخفُّ عداوته وتَسهَل قيادته فيتمسّح بالإنسان ويألفه !

ثمّ ندَعُ قرونه تكبر، ونزيد من إطعامه كي يسمن، ولا نجزُّ صوفه فيبدو ضخماً، ونُزيّن رأسه ليكون متميّزاً عن أقرانه.

عندئذٍ نُعلّقُ جرسٌ في رقبته يرنُّ كلما سارَ أمام الأغنام، فيظهرُ خاروفاً كبيراً متميّزاً كالزعيمِ، فتهابه الخرافُ وتَسيرُ وراءه خاضعة مطيعة، عندها يصبحُ جاهزاً للخدمة !!
 
وحين يأتي وقت الذهاب إلى المرعى، نسوقُ الحمارَ فيتبعهُ المرياعُ مقرقعاً بالجرس لينذر القطيع بالرحيل.

وعند سماع الأغنام الجرس، تسير وراء المرياع مطيعة لا يتخلّف منها أحد إلا الشاردَ الذي يبتعد عن القطيع، فينطلقُ الكلبُ وراءه ويُعيده إلى رفاقه !
 
الحقيقة..
أذهلنا الراعي في محاضرته، فأردتُ أن أختبر أقواله احتراساً من تساؤل المجموعة فيما بعد.

قلت له:
هذا شيء جميل، والأجمل لو جعلت المرياعَ يقود الأغنامَ أمامنا لنُصوّر المشهد.

قال:
لابأس سأفعل، رغم أنّه ليس وقت الذهاب إلى المرعى !

عاد بنا الراعي إلى مكان القطيع وأوقف الحمار، فوَقَفَ المرياعُ معه وصلصلَ الجرسُ، وإذ بالأغنّام تنهضُ الواحد تلوّ الآخر إستعداداً للرحيل !

جذب الراعي حماره فتَبعَهُ المرياعُ، وسارت الأغنام وراءه مذعنةً مستسلمةً دونَ اعتراض، ونحنُ واقفين مندهشين.

 عدنا إلى المجموعة وأنا أفكر بالمراييع البشرية التي تسير وراء الحمير، فتخشاها الناس !

3 أيلول 2016 م

يوم مات ربّهم

لم يزعجني ضجيج أطفالي وأصوات مرحهم في البيت، فلغط الشارع المطل عليه وجَلجَلَته أكثر ضوضاءً وصَريخاً من صخبهم !

كان هذا في عصر يوم صيف العاشر من حزيران عام 2000م عندما هدأ دويّ وضوضاء الشارع فجأةً على غير عادته، وعلا عليه صِياح وصَخب أطفالي مما أثار فضولي !

أسرعتُ مع عمي وكان في زيارتنا (والد زوجتي) رحمهُ الله إلى الشُرفة أَستَوضَحُ الخبر، وإذا الشارع قد خَلِيّ من المارّة والمواصلات، ودكاكينه مغلقة أبوابها.

ركضنا سوية إلى الفضائيات السورية نستعلم الخبر.. وكانت الصاعقة !

لقد مات حافظ الأسد !!

خبراً لم يتوقعه السوريون رغم تسرّب أخبار مرض الرئيس إليهم، كيف يموت حافظ الأسد وسوريا مزيّنة باليافطات تقول.. إلى الأبد إلى الأبد يا حافظ الأسد ؟!

ودّعنا عمي مُسرعاً إلى بيته قبل حدوث أمر ما يمنع التجوال، فقد توقع السوريون حدوث أي سوء بعد الخبر المفاجئ.

صَمَتت الشوارع هلعاً، وارتفعت تراتيل القرآن من البيوت خشية الظنّ بأصحابها الشماتة بموت ربّهم !

نعم هذا ما كان يعتقده محبيّ ومريديّ "حافظ الأسد" بعد أن شرعَنَ حكمه ومبايعته وتسّنينه رموزاً دينية إسلامية على رأسها المفتي أحمد كفتارو، والشيخ مروان شيخو ومحمد سعيد البوطي، فقد كان "حافظ الأسد" بحاجة ماسّة لفتوى إسلامية سنّية تجيزه لرئاسة سوريا.

لقد أقفلَ العلويّون البيوت والممتلكات التي نهبوها وهربوا إلى قُراهم في الجبال التي جاؤوا منها بعد تيّقنَّهُم بموت إلهَهُم، وبالتالي.. فرغت دمشق إلا من سكّانها الحقيقيين !!

شُيِّعَ الإله ووقفَ الشيخ "مروان شيخو" يبكي أمام التابوت يخاطبهُ بحضور جمعٍ غفيرٍ لعبيده يقول:

لماذا لا تتكلم يا سيدي؟ أنتَ تسمعني الآن ! هل حقاً أنتَ ميّت ؟"

لم يصدق شيخو ومن معه أنّ حافظاً قد مات !

وانتابت الشيخ البوطي يؤمُّ المصلّين حالة هسترية مشابهة.. 

وبينما هُم في هرجهم ومَرجهم بدفن ربّهم، كانت "مادلين أولبرايت" وزيرة الخارجية الأمريكية في قصر الشعب على هضبة قاسيون بدمشق، تُعَدِّلُ دستور سوريا لتنصّب إِلَهَاً جديداً !!

10 حزيرن 2020م

السبت، 5 ديسمبر 2020

حوار على عتبة الباب

طرَقَ باب الدار بالأمس رَجُلان، فألقَيا التحيّة وقدّما نفسيهما من "شهود يهوه"، وخرجتُ إليهما حافياً وأغلقتُ الباب !

من عادة كرازة شهود يهوه حسب معرفتي، خروج رجل وامرأة معاً للتبشير، ووجود رَجُلانِ هذه المرة يُعدّ تطوّراً جديد في الكرازة !

ابتسمتُ بوجههما وقلت لهما: ماورائكما ؟

قال أحدُهما ويبدو أنّه الأقدّر في الإقناع:

نحنُ شهود يهوه نجتمعّ ثالث خميس من كل شهر الساعة السابعة مساءً في قاعة الملكوت، ليس لقراءة الكتاب المقدس، بل لتطبيقهُ في حياتنا اليومية بملكوت الله.

سَكَتَ برهةً ينظرُ إلى خزانة الأحذية الصغيرة القائمة بجانب الباب، والتي نخلعُ فيها أحذيتنا قبل الدخول إلى شقّتنا المستأجرة في الطابق العلوي بمجمع يحتوي خمسة وسبعون مسكناً.

عرفَ أنني لستُ مسيحياً فاستطرد قائلاً: 

لا داعي أن تكونَ من شهود يهوه كي تحضر الإجتماع، فالدخول مجّاناً دون تبرّعات، والجميع مرّحّب بهم !

نظرتُ إليه مبتسماً أطلبُ منه العنوان، فقدّمَهُ لي مسروراً مع الخارطة ويبعدُ خمسة كيلو متر عن مسكننا تقريباً.

قلت له: وماذا أيضاً ؟

أخذَ يُحدثني عن شرور العالم وإجرامهم وآثام البشر، والتوبة من الخطيئة ومحي الذنوب في الإلتحاق بشهود يهوه والإيمان بالمسيح عليه السلام.

وأخذ نَفَساً عميقاً قبل متابعته، فبادرتهُ قائلاً:

ألا أدلّكَ على كتاب يشمل كل ما قلته و يصحح بعض المعتقدات ؟

قال: أي كتاب هذا ؟!

قلت لهُ: القرآن الكريم المقدّس !!

قال: ولكنّكم لا تؤمنون بالمسيح !

قلتُ: بل نؤمن بالمسيح ونحبّهُ كما نحبُّ نبينا محمد ﷺ، فمن شروط الإيمان عندنا وأركانه أن نؤمنَ بالرسل جميعاً لا نفرّقُ بين أحدٍ منهم، فالمرء عندنا لا يصبحُ مسلماً حتى يؤمن بالإنجيل والمسيح.

فابتسمَ صديقهُ يومئ برأسه موافقاً بما قلت، بينما أردفَ هو قائلاً:

ولكن لا تؤمنوا أنٌ المسيح إبنُ الله !

قلتُ: لأن الله واحدٌ أحد، ليس له صاحبة ولا ولد، ولم يَلد ولم يولَد، والمسيح عليه السلام هو بشرٌ مثلنا، ولدته أمّه مريم بمعجزة إلهية بدون أب.

قال: ولكن تلميذهُ بولص ذكرهُ برسائله أنّه إبن الله !

قلتُ: بولص ليسَ من تلامذة المسيح عليه السلام ولم يقابلهُ قط، بل حصلت له رؤيا أنّه قابلَ المسيح وأمره بالإيمان به واتباعه، وهذا ما رواه بولص عن نفسه عند اعتناقه المسيحية.

تململَ شاهدُ يهوه قليلاً بما سمِعَ وأراد أن ينسحبَ بطريقة لبقة فقال:

أعتقدُ يجب عليَّ أن أرحل فلدينا مهام كثيرة.

فقاطعته قائلاً: هل تسمح لأحد أن يعذّب إبنك أمام عينيك ولا تنقذهُ، فكيف الله يرى إبنه حسب زعمكم يُصلب ويتعذّب ولا ينقذه.

فأراد أن يربكني فقال: ولكن القرآن لا يشهد بموت المسيح على العامود !

قلتُ: لأنّ المسيحَ عليه السلام لم يُصلَب ولم يَمُت، بل رفعهُ اللهُ إليه، وسوف يعود قبل يوم القيامة ليكون علامة لها، ثمّ يموت ويُدفَن كبقية البشر.

قال: ومن الذي مات على الصليب باعتقادكم ؟

أجبتهُ: شبيهاً له من تلاميذته !

نظر مرة أخرى إلى خزانة الأحذية بجانب الباب ثمّ نظرَ لساعة يده ليشعرني أنّهُ تأخر ويريد الإنصراف، وكانت فرصة سانحة لدعوته إلى الإسلام، فتَذكّرتُ طريقة الداعية أحمد ديدات رحمهُ الله في الدعوة فقلتُ له:

هل تأتيك صحف الأخبار اليومية إلى البيت ؟

قال: نعم.

قلتُ: حسناً.. إذا اجتمعَ على طاولتك ثلاث إصدارات لجريدة الأخبار، واحدة إصدار اليوم، والثانية إصدار الأمس، والثالثة إصدار أول أمس، فأي إصدار تقرأ أولاً ؟

كان ذكيّاً جداً وفطِنَ لما أقصدُ فقال:

أنا لا أقرأ الصحف !

وهنا أيقنتُ أنّه لم يعد يريدُ الإستماع، فابتسمتُ بوجههِ مودعاً وقلتُ:

إنّ أردتَ معرفة الإسلام والإيمان والرسل والكتب السماوية ومقدار حب المسلمين لعيسى وأمّه عليهما السلام،  فأدعوك لزيارة المركز الإسلامي الواقعُ في الشارع المقابل، ولا يجبُ أن تكون مسلماً لزيارتهِ، فالدعوة مجانية للجميع ولا يوجد تبرعات !

وذهبَ ليتابع مهمتهُ، فدخلت الدار وأنا واثقٌ من أحد أمرين:

إمّا سيذهبُ غداً إلى المركز الإسلامي ليتعلم أكثر عن الإسلام، أو لن يطرقَ باباً آخراً بجانبه خزانة أحذية !!

ملاحظة:

كرازة عند التبّشيريين معناها الدعوة إلى منهاج المسيح عليه السلام.

17 كانون الثاني 2017 م

آل الحمصي بالأردن

كيف وصل آل الحمصي إلى الأردن ؟

بلا فخر...

عائلة الحمصي من العائلات المشهورة في حي الشاغور بمدينة دمشق، وصاحب الصورة عمي، واسمه فارس سعيد محمد قاسم الحمصي الملقب "أبو محي الدين"، من أبناء حي الشاغور العريق و مجاهديه الأبطال إِبَّان الإحتلال الفرنسي.

كانت بلاد الشام بقعة جغرافية واحدة، تتألف من سوريا ولبنان والأردن وفلسطين وإنطاكية وجنوب تركيا (حتى جبال طوروس) والأطراف الشمالية من المملكة العربية السعودية المتاخمة للأردن (منطقة الجوف)، والموصل في العراق، وقسم كبير من سيناء حتى "العريش".

بعد سقوط الخلافة الإسلامية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى واحتلال بريطانيا وفرنسا للمنطقة، تقاسمت بلاد الشام عدة دول حسب إتفاقية المندوبين الساميين "مارك سايكس" و "جورج بيكو"، وسُميّت إتفاقية "سايكس بيكو".

كان نصيب بريطانيا "فلسطين والأردن والموصل" بينما كانت "سوريا ولبنان" من نصيب فرنسا، و(أنطاكيا والأناضول) من نصيب تركيا، و(الشوف) من نصيب السعودية، وقسم كبير من سيناء من نصيب مصر التي كانت لاتزال تحت الوصاية البريطانية.

قامت ثورات عديدة في أغلب المدن السورية ضد المحتل الفرنسي، ومنها ثورة حسن الخراط بحيّ الشاغور بدمشق، حيث كان عمي أحد الثوار الفاعلين فيها. 

كان يتنقّل بين دمشق وعمان حسب مقتضيات المرحلة، وعندما أعلنت فرنسا الإنسحاب من سوريا عام 1946م، أعلنت بالتالي بريطانيا انسحابها من الأردن بنفس العام وكان عمي متواجد حينها في عمان، وبذلك تأسست المملكة الأردنية الهاشمية والذي تمّ اختيار الملك عبد الله الأول بن الحسين ملكاً عليها، فبقي عمي في عمّان ولم يعد إلى دمشق ليكون المؤسس الأول لآل الحمصي في الأردن،  بينما جَدّي ووالدي وبقية أعمامي في دمشق !!

افتتحَ عمي بعمّان أول "حمّام" أطلق عليه اسم "حمّام النصر" لإنتصار الشعب على المحتل، وكان موقعه في أول "سقف السيل" وسط عمان، والذي سُميّت المنطقة بعده "بجسر الحمام"  نسبة إليه.

وبترسيم المستعمر لحدود المناطق التي استعمرها، أصبحت حدوداً سياسية تقتضي إجراءات روتينية بالعبور، بينما كانت أرضاً جغرافية واحدة دون حدود !

كنّا صغاراً نترقّبُ زيارة عمي وأولاده من الأردن كل شهر قبل أن يتوفاه الله عن عمر تجاوز التسعين، ومازال أولاده وأحفاده، وأحفاد أولاده في الأردن يتكاثرون، ومن كثرة المواليد بآل الحمصي، يوجد بعض الأجيال الحديثة لاتعرف بعضها، فكل من كان نسبه الحمصي ويعيش في الأردن فهو من شجرتنا.

سلامي عليكم آل الحمصي جميعاً..

9 حزيران 2017م


الاثنين، 30 نوفمبر 2020

بين يديّ الهجرة النبوية

الهجرة النبوية حادثة غيّرت مجرى التاريخ؛ إذ حوّلت الدعوة المحمدية من خاصّة إلى عامّة، فحملت رسالةَ تحريرٍ من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وبشهادة ميلادٍ جديدة، عَبَرت بها حدود العالم إلى الفُرس والروم والمقوقس والنجاشي.

لقد أنشد المسلمون "طلع البدر علينا" لبدرٍ حقيقيٍّ أضاء العقول كما أضاء القلوب، إلى الأبد.

كانت الهجرة النبوية اللَّبِنَةَ المفصلية الأولى في بناء صرح الدولة الحضارية الجديدة، القائمة على الحرية والعدالة والمساواة، في مجتمعٍ متعدد الألوان والأعراق والأديان، ضمَّ أسيادًا وعبيدًا، وعربًا وعجمًا، ويهودًا ومسلمين وكفارًا.

لقد أرسى رسول الله ﷺ في الدولة الجديدة حريةَ العبادة والاعتقاد، فترك الناس على معتقداتهم، يعبدون ما يشاؤون، دون إكراهٍ على الإسلام، فَرَسَّخ بذلك معنى قوله تعالى: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}.

وحقّق المساواة بين العصبيات القائمة على الحسب والنسب، والجاه والمال والسلطان، وجعل التقوى معيار الصلاح والاستقامة، كما في قوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.

وأدرك عمر بن الخطاب رضي الله عنه أهميةَ الهجرة، فجعلها نقطةَ ارتكازٍ لتأريخٍ جديد، يفرّق بين الحق والباطل، ويُرسِّخ الحريّة والمساواة بين الناس، فقال كلمته المشهورة:
"متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟"

إن دروس الهجرة لا تنتهي، فهي تتجدّد كل عامٍ باستنباطِ فقهٍ جديدٍ، يواكب العصرَ فكرًا وسلوكًا.

اللهمّ اجعل عامنا الهجري الجديد بدايةً لنهضة الأمة من سباتها، وعودةٍ لوحدتها وعزّتها، إنك على كل شيء قدير.


20 آب 2020م

السبت، 28 نوفمبر 2020

جلد الذات

ما أن انتهت صلاة الجمعة بالأمس في أحد مساجد جنوب غرب مدينة سان دياكو في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، حتى اندفعتُ مسرعاً وجلستُ بجانب خطيب الجمعة الذي ألحقَ أسباب مصائب الكرة الأرضية كلها وكوارثها بالمسلمين.

ظنّ أنني سأسألهُ فتوى فاستعدَّ للإجابة، فقلتُ:

أشكرك يا شيخ على خطبة اليوم، ولكن التبَسَت عليّ بعض المفاهيم والكلمات (وكانت الخطبة باللغة الإنكليزية) وأريد التأكّد من فهمي وسمعي لمحتوى الخطبة.

قال تفضل، فقلت:
لقد سمعتك يا سيدي تشدّد على تحميل المسلمين المسؤولية لما يحدث من كوارث ومصائب في انحاء العالم، فهل سمعي وفهمي كان صحيح بأن نحن المسلمون هم سبب ما يجري في العالم ؟

قال نعم! ولكن أنا لم أقل ذلك بل الله الذي قال !!

فأجبتُ: ولكني سمعتك أنت الذي تقول !

فنفى للمرة الثانية وقال: بل الله هو الذي قال ؟!

قلتُ كيف ؟

قال، قال الله تعالى:
{ظهرَ الفسَاد في البرّ والبحر بما كسبَت أيدي الناسِ ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون}

فقلتُ:
ولكني لا أجد المسلمون وحدهم في الآية، بل وجدتُ المجتمع الدولي كله، الملحد والكافر والمشرك واليهودي والنصراني والبوذي والهندوسي وكل الأديان والأعراق من البشر في الآية.

فرمقني بنظرةٍ لم تتّضح لي أهي احتقار أم دهشة، فاسترسلتُ قائلاً..
يقول الله:

{وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً ولكن أكثر الناس لا يعلمون}
فهل يا سيدي كلمة الناس هنا هم المسلمون فقط، أم جميع الناس بملَّلِهم واعتقادهم واعراقهم ؟

فازدادت عيناهُ تحملقاً..!

وتابعتُ: ياليت يا شيخنا نكفّ عن جلدِ أنفسنا، فكفانا جلد الناس لنا، والناس هنا ياسيدي هم أيضاً المجتمع الدولي بكل أصنافه، يجلدنا ليل نهار، إعلاميا واستعمارياً في بلادنا وبلادهم.. ومازالوا !

يا سيدي.. المسلمون ليسوا هم الناس فقط، بل جزء من هذه المنظومة البشرية المشتركة في الفساد، ومن الظلمِ والإجحاف تحميلهَم فساد الناس جميعاً.

 وكنتُ أحرّك يدي أثناء الكلام، فظنّ أنني أريد المصافحة، فمدّ يدهُ مصافحاً لإنهاء الجلسة قبل أن استمر بجلد الخطبة وتجاوز الحدود !!

21 تشرين الثاني 2020م

الجمعة، 27 نوفمبر 2020

والله خير حافظاً

كانت حياتنا قبل الهاتف الجوّال جميلة ومثيرة ومحفّزة ومشوّقة، كان اعتمادنا على الجهد الجسدي والفكري والحركة الدائمة.

لم أكن أتصوّر يوماً أن قطعة الكترونية صغيرة  محمولة في جيبي ستحوي مَكتبتي ومَكتبي وكاميرتي، والبوم صوري، ومفكرة مواعيدي، ومسجدي وقرآني وصندوق بريدي، ومرشدي السياحي والجغرافي، وهوايتي ووسائل رفاهيتي، وعناوين أصدقائي، وأرقام زوجتي وأولادي، وتواصلي مع البلدان، باختصار.. كل الكرة الأرضية في جيبي !!

لقد ازدادت حاجتنا للهاتف المحمول حتى أصبح سيداً ونحن له عبيد.. هذا ما شعرتُ به في اليومين الماضيين عندما تعطّل هاتفي وفقدتُ فيه كل شيء، وانقطعتُ عن كل شيء، فلم أعد استطيع التواصل حتى مع زوجتي، حبيبتي ورفيقة عمري.

وبعد أن أعدتَ تصليحهُ شعرتُ بأنّ الحياة عادت لي، فأصبحتُ أخاف عليه كي لا يقع من يدي، وأداريه كحفيدٍ من أحفادي، وأحافظ عليه كي لا يمسهُ الضرّ فيموت وأضيع مرة أُخرى، والله خير حافظا.

26 تشرين الثاني 2020م



حدث في مسجدنا.. لا تؤخِّروا الجنازة.. الجنازة أولاً..

آخر ما ينتفع به الميت في الدنيا هو الصلاة عليه والدعاء له. ومن المؤسف أن يُبتلى بعض أئمة المساجد بتقديم صلاة السُّنّة البعدية على صلاة الجنا...