تقفُ الباصات السياحية في كل رحلة إلى تدمر عند "مقهى بغداد" الواقعة في الصحراء على الطريق العام بين دمشق وتدمر والعراق، وتُقدّم للمسافرين خدمات بسيطة كالطعام والشراب مع إستراحة في خيمة بدوية تقليدية لشرب القهوة والشاي على صوت الربَابَة.
أنشأ أصحابها حولها بعض الغرف الطينية المقبّبة للأسرة البدوية وضيوفها، كما يوجد فيها أغنام وماعز ودجاج وطيور، وبعض الإبل.
في إحدى زياراتي إلى تدمر، توقفت كالعادة في هذه المحطّة مع مجموعتي السياحية المرافق لها، وخلال استراحتنا ذهبت حيث توجد الأغنام لعلِّ اشتري خَروف أضحية، وكان ذلك قبيل عيد الأضحى المبارك بأيّام قليلة.
مررتُ بين الأغنام فتَبِعَني بعض أفراد المجموعة، أحتضنتُ خروفاً صغيراً التقطّتُ معه صورة فتغرافية مازلتُ أحتفظ بها.
وفجأة..
ظهر أمامي كبشٌ ضخمٌ كبيرٌ مثيرٌ قد هالني منظره، يقبَعُ بين الأغنامِ بجانب الحمار !
له قرنين طويلين مُلتَويّين، ورأسٌ مزيّن، وعنقٌ ضخمٌ يطوّقهُ شريطٌ أحمر يتدلّى منه جرس !
حدَّقتُ فيه واقتربتُ منه ببطٍ وحَذَرٍ خشية أن يغدرني بنطحة يرميني بها أرضاً لا أقوم بعدها أبداً !!
ولكنّ خوفي وحذَرَي ما لبس أن تلاشى عندما رأيته يمسح وجهه في بنطالي كأنّه طفلٌ صغير.
ناديت الراعي كي أفهمَ منهُ حقيقة الأمر، فقلت له:
هل هذا حقاً خَروف ؟!
ضِحكَ الراعي من سؤالي وفهم قصدي وقال:
نعم هذا خَروف !!
قلت:
ولما هو ضخم كالفيل ؟
فقال:
هذا زعيم الأغنام !!
"قلت في نفسي هذا هو الكبش المفضّل للأضحيه"
فقلت للراعي على الفور:
حسناً، ما وزن هذا الزعيم، وكم سعره ؟
فأجاب:
إنّه ليس للبيع، بل هو "مرياع" يقود الأغنام إلى المرعى !!!
نظرت إليه بدهشة وقلت له:
وكيف يتم ذلك ؟
قال:
حسناً..اتبعوني كي نستظل من حرارة الشمس !
سار أمامنا إلى أحد الغرف المقبَّبة الطينية وأجلسنا على الأرض كالبداوة، وألقى علينا محاضرة "المرياع" !
قال الراعي:
في لحظة ولادة الخَروف نبعده عن أمه دون أن يراها إلى مكان منفصل قبل أن يتذوّق حليبها، ثمّ نأتيه باللبأ محلوب في زجاجة من أمه نضعها في (خرجِ) الحمار فيرضع منها !
"اللّبأ هي "الصمغة" باللهجةِ الشامية، تخرجُ من ثَدي الأم بعد الولادة، وتحتوي على مضادات حيوية تزيد من مناعة الرضيع"
تمرُّ الأيّام والصغير يرضع من خرجِ الحمار حتى يعتقد أنّه أحد أبويه، فيتبَعهُ أينما ذهب !
وبعد أن يكبر ويحين موعد فِطامه، نطعمهُ الخبز والعشب ليعتادها، ثمّ نَزيلُ خصيّتيه كي لا يقترب من الإنثى، عندئذٍ تخفُّ عداوته وتَسهَل قيادته فيتمسّح بالإنسان ويألفه !
ثمّ ندَعُ قرونه تكبر، ونزيد من إطعامه كي يسمن، ولا نجزُّ صوفه فيبدو ضخماً، ونُزيّن رأسه ليكون متميّزاً عن أقرانه.
عندئذٍ نُعلّقُ جرسٌ في رقبته يرنُّ كلما سارَ أمام الأغنام، فيظهرُ خاروفاً كبيراً متميّزاً كالزعيمِ، فتهابه الخرافُ وتَسيرُ وراءه خاضعة مطيعة، عندها يصبحُ جاهزاً للخدمة !!
وحين يأتي وقت الذهاب إلى المرعى، نسوقُ الحمارَ فيتبعهُ المرياعُ مقرقعاً بالجرس لينذر القطيع بالرحيل.
وعند سماع الأغنام الجرس، تسير وراء المرياع مطيعة لا يتخلّف منها أحد إلا الشاردَ الذي يبتعد عن القطيع، فينطلقُ الكلبُ وراءه ويُعيده إلى رفاقه !
الحقيقة..
أذهلنا الراعي في محاضرته، فأردتُ أن أختبر أقواله احتراساً من تساؤل المجموعة فيما بعد.
قلت له:
هذا شيء جميل، والأجمل لو جعلت المرياعَ يقود الأغنامَ أمامنا لنُصوّر المشهد.
قال:
لابأس سأفعل، رغم أنّه ليس وقت الذهاب إلى المرعى !
عاد بنا الراعي إلى مكان القطيع وأوقف الحمار، فوَقَفَ المرياعُ معه وصلصلَ الجرسُ، وإذ بالأغنّام تنهضُ الواحد تلوّ الآخر إستعداداً للرحيل !
جذب الراعي حماره فتَبعَهُ المرياعُ، وسارت الأغنام وراءه مذعنةً مستسلمةً دونَ اعتراض، ونحنُ واقفين مندهشين.
عدنا إلى المجموعة وأنا أفكر بالمراييع البشرية التي تسير وراء الحمير، فتخشاها الناس !
3 أيلول 2016 م
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق