الثلاثاء، 7 أغسطس 2018

من يوجد داخل الضريح ؟!

في بداية السيتينات من القرن الماضي كانت زيارتي الأولى للسيدة زينب في ضاحية دمشق، ذهبت بصحبة أمي وبعض نساء وأطفال الحيّ لزيارة المقام !

كنتُ تحت سن العاشرة من العمر عندما ركضت في صحن الحرم، دخلت المقام الشريف وتمسحت به حباً وتبركاً !!

قمنا بالجولة كعادة الزائرين معتقدين أنّه مقام "زينب" بنت رسول الله ﷺ، فلم يكن آباءنا يقرأون التاريخ ليتأكدوا من حقيقة الأضرحة.

نظرت إلى الهدايا الملقاة داخل الحجرة وفوق القبر، وانشغلتُ بكيفية جمعها؟

ظنّنتُّ أنّ السيدة زينب عليها السلام تنهض ليلاً  من مرقدها، وتجمع المال والذهب والصور وقصائص الورق التي كتبَ أصحابها حاجتهم فيها، ثمّ تعود إلى قبرها !

هكذا كانوا يقولون لنا.. وكنّا نصّدقهم ! فحال أهل الشام العاديين البسطاء أمثالنا، دمجوا الدين والعاطفة والجهل والخرافة معاً !

مرّت سنين لنسمع أنّ المدفونة في المقام ليست زينب بنت رسول الله ﷺ، وإنّما زينب بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهذه المعلومة لم تُغيّر من الواقع شيئاً، فالمقام بقي مقصد زيارات دون برهان أو دليل، فهل حقاً دُفِنَت زينب في القبر ؟!

هناك عدة أضرحة نُسِبَت إلى زينب بنت علي، واحد في القاهرة وأُطلِقَ عليه حيّ السيدة زينب، وآخر في دمشق وسُميّ منطقة السيدة زينب، ولا دليل عند القائلين بدفنها في تلك الأماكن، فمن يوجد إذاً في الضريح ؟

كانت المنطقة تُعرَف بقرية "الراوية" منذ القِدَم، وبعد تلفيق القبر فيها وتسميته قبر "زينب"، درج عليها اسم منطقة "السيدة زينب"، والحقيقة أنّها لا زينب مدفونة فيها، ولا أحد يملك دليل على وجود جسد في القبر ! فما قصة زينب بنت علي عليها السلام ؟!

زينب بنت علي بن أبي طالب، أمها فاطمة الزهراء، وأخويها الحسن والحسين، ولدت في المدينة المنورة وسُميّت باسم خالتها "زينب" بنت رسول الله ﷺ المتوفاة سنة "8" هجري، وتزوجت من إبن عمها عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهم جميعاً.

ذهبت زينب مع أخيها الحسين إلى كربلاء في العراق، ثمّ أعادها يزيد بن معاوية عزيزة كريمة إلى المدينة بعد مقتل أخيها، وماتت بعد إنقضاء أجلها في المدينة المنورة ودُفنت فيها.

أكد هذا كثير من الباحثين ومدونين التاريخ الإسلامي، كما صرّح بذلك العلامة الشيعي السيد "محسن الأمين العاملي" أنّ الثابت هو عودة زينب إلى المدينة بعد معركة كربلاء، ولا يوجد دليل أنّها خرجت من المدينة بعدها، بل ماتت في المدينة ودُفنت فيها، والمرقد الموجود في قرية الراوية (منطقة السيدة الزينب) قبر امرأة مجهولة النسب.

وجزم كلٌ من إبن الأثير في تاريخه، والطبري بأنّ السيدة زينب بنت علي رضي الله عنهما عادت مع نساء وأخوات الحسين إلى المدينة بعد استشهاده.

وذكر ذلك أيضاً إبن كثير وإبن عساكر وغيرهم، ولا عبرة بمن شذّ عنهم !

إنّ فكرة إنشاء ضريح للسيدة زينب بدمشق، جاءت من أجل صفقات تجارية وجمع المال وإقامة مشروع تجاري كما هو حاصل الآن، وكي يكون لهم موضع قدم في الشام كمسمار جُحا !!!

هناك كثير من الأضرحة والقبور الفارغة تزورها الناس دون أن يكون أصحابها مدفونين فيها، كرأس الحسين عليه السلام في مسجد الأموي بدمشق وغيرهم !!

المراجع:
* تاريخ الطبري.
* تاريخ بن عساكر.
* تاريخ الإسلام للذهبي.
* السيرة النبوية لإبن كثير.
* البداية والنهاية لإبن كثير.
* موسوعة أعيان الشيعة، للسيد محسن الأمين.

18 حزيران 2016 م

أين الجثة ؟

لم يكن يدري أنّ قدرهُ ينتظره هناك، في الجزء الشمالي الغربي من الكرة الأرضية، لقد فاجأته بسرعة وهي تعلو بشدة، وتنخفض بقوة، تدفعها الرياح لتحملهُ مع أصدقاءه الأربعة وتقذفهم بعيداً عن مكانهم، ثمّ تسير بدونهم متلاشية نحو رمال الشاطئ !

تفقد الأصدقاء بعضهم ولم يجدوا محمد فصرخوا:

محمد أين أنت ؟

لم يسمعوا إجابة..

لقد اختفى محمد.

هكذا كانت نهاية حياة الشاب السوري "محمد المصطفى" ذو السبعة عشر ربيعاً، والذي هربَ من الموت من مدينة حلب إلى تركيا، ليجد الموت ينتطره هنا بولاية كاليفورنيا الأمريكية، على شاطئ المحيط الهادي بمدينة سان دياكو !!

لقد قضت العائلة 18 شهراً بتركيا، تقيم بمخيم اللاجئين قبل قدومها إلى أمريكا منذ شهر، تتألف العائلة من سبعة أشخاص، محمد وأبويه وأربع بنات.

طلب محمد من والده الأحد الماضي وترجّاه أن يذهب مع أصدقاءه إلى الشاطئ، تردد الأب قبل أن يسمح لإبنه، فهو يعلم أنّ محمد لم يرى البحر من قبل ولا يعرف السباحة فيه، ولكن رحمة الأبّوة وشفقتها من الإلحاح، سمحت له بالذهاب لتكون رحلته الأخيرة.

لم تتح الفرصة لمحمد ليحقق حلمه لبناء مستقبله في أمريكا، ولم ترتاح الأسرة بعد من الهم والحزن والرعب والخوف التي فرّت منه، لتواجههُ مرة ثانية بوحيدها.

مازال فريق الإنقاذ يبحث عنه منذ الأحد الماضي، دون العثور على جثته التي جرفتها تيارات الأمواج المتلاحقة إلى مكان أعمق.

يبقى السؤال:

لو غرقت قطة في المحيط، لهرعت إليها فرق الإنقاذ والإسعاف والإطفاء بحثاً عنها حتى تجدها، ولكن..
لماذا لم يجدوا جثة محمد؟

رحمك الله يا محمد، وصبّر أبويك.

15 نيسان 2017م

 

عامٌ مضىَ على صديقٍ قد رحل

"أعتذرُ من عائلة صديقي فلست من الذين يجدِّدون الأحزان وقد  نُهينا عنها، ولكن حضور "غسّان" بالبال عاد بقوةٍ يوم العيد"

رثاء صديق..

عاد العيدُ وأنت لم تعد..
ورحيلكَ يدوي في داخلي..
كم أنكرتُ ذاك الخبر ؟
وتوهمّتُ حالي في صالونك الصغير..
داخل الحارات..
يحكي ميراث دمشق وتراثها ؟!

كرسيٌّ نموذجيٌّ..
ومرآةٌ متواضعة..
ورفٌّ بسيطٌ..
وموسٌ وشفرةٌ..
وماكينةٌ تحلقُ بأطوال مختلفة..
وفوطةٌ بيضاء تُعَانِقُ الرقبة..
ومشطٌ ومقصٌّ يصارعا الشعر ويأخذا شواذّهُ..

وحين تدّوي الماكينة..
تلوحُ الذكرى على إيقاعها..
ونعود للماضي رغم معاناته..
نتذكرُ شبابنا المنصَرِم..
نستخلصُ مواقفه المرحة..
نتبادل الهموم في ظلّ الأحداث..
نفضفض عن المسؤوليات..
وواجبات البيت والزوجة والأولاد والبنات..

كلما أتذكرُ هذا يا غسّان..
أظنُّ موتكَ وهمٌ..
فأبتسم !

وانتبه للحقيقة..
فأبكي وأبكي !!
لأنك لن تعود !؟
وكيف أعود إلى دمشق ؟
وأنت مفقود ؟!

ها قد مِتَّ يا غسّان مثل اللذين ماتوا..
وسَوف يموتُ غَيرك..
وأموت أنا..
فكل آت قريب مهما طال..

يوم ينتظرُ عبادُ الرحمنِ المنادي..
ادخُلُوا الجنَّة بِسَلَامٍ آمِنِينَ..

ويكون اللقاء..
لقاء الأهل والأحبّة والإخوة والأصدقاء..
لقاء لا فِراقَ بعده..

رحمكَ الله يا غسّان وغفرَ لكَ..
فلا أملك لكَ سوى الدعاء..
وإنّا لله وإنّا اليه راجعون..
ولاحول ولاقوة إلا بالله.

1شوال 1439هـ
15 حزيران 2018م

حكاية عائلتنا

عائلة عريقة يعرفها القاصي والداني اشتهرت بعلمها وثقافتها وفضلها على بقيّة العائلات حتى غدت أنشودة على ألسنة الناس جميعاً وتمنّى كل من سمع عنها يحلمُ في العيش بظلّها.

وفجأة جاءها شرّير بقوة السلاح وتسلّط عليها واستعبدها مع أبناءها، فقابلت شرهُ بإحسانها، وظلمه بعدلها، واحتضنته واستوعبته وعفت عنه لأن من شيمتها العفو!

لقد استغلّ هذا الشرّير طيبة قلب هذه العائلة فتدخلّ في شؤونها الإجتماعية والإقتصادية والفكرية، فسنّ قوانين قيّدت حركة أبناءها وحريّتهم وثقافتهم الدينية، وفرض عليها نوع المأكل والمشرب والملبس، وحجب عنها قراءة ودراسة أي شيء يظن أنه خطر عليه.

بدأ التململ في أبناء العائلة المسكينة وقارنوا نفسهم بعوائل أُخرى، فوجدوا فرقاً كبيراً بين حريتهم وحرية الآخرين، فاشتكا الأبناء إلى الآباء ليسمحوا لهم في التخلّص من هذا الشرّير، ولكن كبار العائلة وعلمائها  طلبوا من الأبناء التريّث والصبر لعلّ الله يجعل لهم مخرجاً، فعادوا إلى الإستسلام خوفة على أنفسهم من الضياع.

في ظل هده السنين الطويلة، كبر أولاد الشرّير وأخذوا أماكنهم في مواقع الإجرام والتسلّط، والعائلة صامته محتسبة تداري وتساير خشية على أولادها.

وفجأة شاء الله أن يُريح هذه العائلة من جبروت هذا الشرّير فأماته، وظنّ الأبناء أنّ المحنة قد انتهت بموت الشرّير كي يعيشوا بقيّة حياتهم بكرامة تغمرها السعادة.

ولكن حلمهم لم يطل، إذ أخذ مكان هذا الشرّير إبنه الذي تربى في حضن هذه العائلة الودودة ولعب مع أبناءها، وتعلّم في مدارسها، وكانت تُنفق عليه من خيرها حتى استقام عوده وأصبح شاباً.

لم تتفاجأ هذه العائلة الكريمة بجلوس الإبن مكان أبيه، لأنّها توسّمت فيه الخير كل الخير، فلقد ترعرّع في حضنها وشرب من لبنها وحليبها ورعته من كل سوء، فتنازلت له عن حقها وتناست ما فعله والده بها وبأبناءها، فلم تحاسبه على ما اقترف أبيه من قبل، والله تعالى يقول:

﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ الزمر 7.

فإيمان العائلة أبى أن يُحاسب الولد على جرم أبيه، فالنفس لا تحملُ حِمل غيرها وكل إنسان محاسب عن عمله، وهذا الإبن لم يفعل لها شيئ، ولهذا قررّت حضانته أميراًً كما حضنته طفلاً وديعاً" 

هذا ما دار في خلد هذه العائلة الطيبة فأيدته ونصرته ووقفت بجانبه وأحسنت ظنّها به، واعتقدت أنّها ستنال بعضاً من حقها التي افتقدته في ظل والده.

كانت الدهشة كبيرة لدى العائلة عندما وجدته يسير على نهج سلفه، وتذكرّت قصة الراعي الذي وجد ذئباً رضيعاً يُقاسي البرد في العراء، فأخذه وربّاه مع الشاة التي عنده وسقاه من لبنها وحليبها "كما فعلت هي بإبن الشرّير" وعندما كبر الذئب واشتد عوده تركه الراعي ليحرس الشاة، فهجم عليها الذئب وأكلها!

وعندما عاد الراعي ووجد آثار الدماء في فم الذئب وبقايا الشاة ملقاة بجانبه، أمسك الذئب من رأسه وقال له:

أكلتَ شويهتي وفجعتَ قلبي
وما أدراكَ أن أباكَ ذيبُ
إذا كانَ الطباعُ طباعَ سوءٍ
فلا لبنٌ يفيدُ ولا حليبُ

عاشت هذه العائلة فترة في ظل هذا الإبن العاقّ لعله يتذكّر فضلها ومعروفها وطعم لبنها وحليبها فلم تجد منه خيراً قط، بل ازداد قَسوة وجُحوداً ونكراناً.

استيقظ الأبناء يوماً على ضمير يحثهم ويناديهم:

إلى متى ستبقون أذلاّء !؟
إلى متى ستبقون صامتين؟
إلى متى ستبقون منهزمين؟
إلى متى..إلى متى؟
ألا يكفيكم أن عاش آباءكم ردحاً من الزمن دون كرامة؟
ألا يكفيكم أن عاش آبائكم ناكسي الرؤوس؟
متى تستيقظوا؟
متى تنهضوا؟

استجمع الأولاد قواهم وأرسلوا أحدهم إلى الأمير الشاب الذي تربّى عندهم يطالبونه بمساحة من الكرامة وقليل من الحرّية كي يتحرّكوا فيها!

أليس هذا من حقّهم؟

انتظروا واردهم كي يعود إليهم بالبُشرى، فلقد تأخر داخل قصر الأمير وربما يتناول مع الأمير طعام الغداء كما كانوا يفعلون صغاراً ولكنه لم يعد!

انتظروا طويلاً أمام القصر ليطل أخيراً حرّاس القصر ويلقوا بموفد الأبناء جثّة هامدة أمام إخوته.
فَهِمَ الأبنّاء الرسالة وقرّروا إزاحة هذا الشرّير الذي لا يرقب في أحد إلاً ولا ذمّة!

تجمّع الأبنّاء يطالبون بحقهم وينادون بحرّيتهم، فصبّ عليهم أميرهم سوط عذابه ونيران بنادقه، فسقط منهم من سقط وجرح منهم من جرح.

لقد كسر الأولاد جدار الرعب عند رؤيتهم أول قطرة دم تسقط منهم فأصرّوا على المضي في طلب حقهم مهما كلفهم ذلك من تضحيّات.

لقد رفضوا الذلّ الذي عاش به آبائهم، لقد أبوّ أن يورثّوه لأبناءهم كما ورثوه هم، ونهضوا جميعاً متحدين ليزيحوا هذا الكابوس عنهم، فاستعان هذا الشرير بأشرار الأرض كلها ليُعيد هذه العائلة إلى بيت الطاعة، ومازال الصراع مستمراً !!

10 آب 2014م

الحُبّ

الحبّ كلمة لها دلالاتها، فهي أكبر من حروفها وأوسع وأعمّقُ من معانيها، ومكانَتِها حسبَ وجودها، إن استقامت ارتقَت، وإن انحرَفت هبَطَت..

والحبُّ قدَرٌ من الله مكتوبٌ، وسرُّ التعايش الفطري بين المخلوقات يتجسَّدُ بالحاجة والمشاعر والأحاسيس والتعاون بينها، والتبادل لإستمرار الحياة !

فلولا الحبُّ ما تزوّجَ آدم وحواء وأنجبا الولد، وما تعانقت الحَبّة مع الماء وأثمرا الشجر، وما طفى النَدَى على الوردِ وفاحَ الشذى، ولا حمَلَ النحلُ حبوبَ الطلعِ للأزهارِ ولا أخرجَ العسل، ولا تأبَّر النَخلُ ونضج البَلحُ، ولا احتوت الأرض في جوفها المطر وتفجّرَ الماءُ وسار السُبل وجعلَ كل شيء حيّ، فسبحان من قدّرَ فهدى.

لقد ذكرَ الله تعالى الحُبَّ بينه وبين عباده بمواضع عديدة في القرآن فقال:

{فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}  المائدة 54

وذكر الله حُبَّ العباد لنبيه باتباع سنته فقال:

{قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} آل عمران 31

وأحبَّ النبي ﷺ ربَّهُ حُبّاً خالصاً لم يُقيّدَهُ شيء لإعلاء كلمته فقال:

 {يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته} 

وأخلصَت "رابعة العدوية" حُبَّها لله دونَ رغبة ولا خوف لأنّه فقط يستحقّ العبادة.. سبحانه !

والحبُّ بين الرجل والمرأة يُسمّى "عُشقاً"، فإن كان بريئاً وارتقى بالزواج فهو "حبٌ عذريّ" كحُبِّ إبنة النبي شعيب لموسى عليهما السلام لقوله تعالى:

{فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا}  القصص 25

وقال تعالى:
{قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} القصص 26, 27 

وإن كانَ العشقُ شهوةً شيطانيةً، يهبطُ بالخطيئة فيسمى "زِنَا" كعشق إمرأة العزيز ليوسف عليه السلام !

قال تعالى:
{وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا} يوسف 30

وبين الحُبُّ العُذري والشيطاني درجاتٌ عديدة..

14 شباط  2018م

سدُّوا الفُرَج

أقيمت صلاة الجمعة وتراصّت الصفوف ولم أتردَّدُ في سدِّ تلك الفجوة التي شطرت جانب الصفّ نصفين وجعلت بينهما فراغاً مشوّهاً !

وعادتي أحشرُ نفسي دائماً في أيةِ فجوة أراها كي أسدّها، ثمّ أقفُ في صلاتي معتدلاً أجعلُ فتحة ساقيّ بمقدار كتفيّ حتى لا أزعج إخوتي المصلّين على جانبيّ ومصداقاً لقول رسول الله ﷺ:

"من سدَّ فرجة رفعهُ الله بها درجةً و بنى لهُ بيتاً في الجنةِ"

ولكن..

شعرتُ بجسدي فاقد التوازن لعدم استطاعة فتح ساقيّ !

نظرت إلى قدميّ لأتأكد من ثبوتهما على الأرض، فوجدتهما ملتصقتين مع بعضهما ومضغوطتان من كل جانب بأقدام جيراني فأصبحتُ كصنمٍ معروض في متحف آثار.

كان كل أخ على جانبي فاتحاً قدميه، مفرشخٌ كالفرجار بمادة الرياضيات، لا يتحركّ كأبي الهول !!

حاولت تحرير نفسي بعض الشيء فدفعتُ قدمي اليمنى واليسرى على التوالي باتجاه أقدامهما لعلهما يشعران بحالي فيفرجا عنّي، ولكن عنادهما كان شديداً واستمرا بالضغط !!

أيقنتُ أنني في معركة رصّ الصفوف والفهم الخاطئ لها، وأنا ضحيتها !!

قال رسول الله ﷺ:

{رصّوا صفوفكم وقاربوا بينها}

والمعنى  سدّوا الفُرَج بأكتافكم وأقدامكم معاً ليكون الجسم مستقيماً، غير أنّ البعض يعتقد رصّ الصفّوف يكون بالأقدام فقط، فيباعدوا المسافة بين الأرجل زيادة عن اللزوم مما يسبب إزعاج وفقدان التوازن لجيرانهم المصلين مثلي !

تحاملتُ على نفسي كي لا أهوي إلى الأمام أو الخلف من فقدان توازني، فأنقذني الإمام بالركوع دون أن أعيّ من القراءة شيئاً لإنشغالي بحالي.

وأثناء ركوعي رحرحتُ قدميّ مرة ثانية بالضغط على جانب أقدامهم ليفسحوا قليلاً فلم أستطع، نظرتُ إلى الأقدام فوجدتُ ساقيّ ملتصقتان معاً كالعامود، ومحصورتان بأقدام جيراني الواسعتين كمرمى الكرة !!

تهيّأت للسجود لتحرير نفسي فكنتُ أول الساجدين بعد الإمام  !

وبعد السجدة الثانية من الركعة الأولى أسرعت بالوقوف للركعة الثانية وثبّتُ قدميّ بمحازاة أكتافي قبل نهوض جيراني !

وما أن نهضا صاحبيّ حتى أعادا الفرشخة مرة أخرى وألصقا قدميهما بقدميّ من الجانبين !

زحزحتُ قدميّ للداخل قليلاً لأبتعد عنهما، فضاعفا فتح أقدامها كالإبل، توقفت مباشرة عن تحريك أقدامي حتى لا يلتصقان معاً وأفقد سيطرتي كالركعة الأولى، وتمَّت الصلاة بسلام !

وبعد التسليمتين نظرتُ إلى الأخ الذي على يميني مبتسماً وقلت له:

تقبّل الله منّا ومنك !

نظرَ إليّ مادّاً يده لمصافحتي، فبادرته بالمثل ومددتُ يدي بالمقابل، فصافحني وضغط على راحة كفي وأصابعي بشدة يهزّها مرّات عدة ليشعرني بهمة الشباب المؤمن !!

وبرغم تقدّم سني، أشعر والحمد لله بقوة وحيوية ونشاط، فضغطتُ على يده بقوة مكافئة لأريّهُ همة الرجال، ونظرتُ بعينيه مبتسماً أتفحصّ أثر التحدي فيهما.

حاول فكّ يده، فضاعفت الضغط ليعرف أنّ البادي أظلم !

ضحك فبانت أسنانه وقال:
قوي العم ما شاء الله !!

أجبته ضاحكاً:
ذلك من فضل الله !

انتهت المصارعة بالمصافحة فالتفتُ إلى جاري الأخر الذي على اليسار لأقول له:

تقبّل الله، فلم أجده !!
 
خرجتُ من المسجد أستغفرُ الله على الشرود بالصلاة وسألت نفسي:

هل تقبّلها الله مني، أم ردّها عليّ ؟!

2 تموز 2017م

رثاء صديق افتقدته يوم عيد الفطر

أربعين عاماً مضت على صداقتنا، لن أبكي لرحيلك فأنتَ بينَ يديّ أرحمَ الراحمين، بل أبكي لفراقكَ لأنني لم أعد أراك عند عودتي للوطن، أنت واحد من القلة الباقية للأصدقاء المستقيمين !

فاجئني خبر وفاتك صباح يوم العيد، أثار غصّة في حلقي حشرجت بها كلماتي، شعر من حولي بتلاشي فرحتي بالعيد !

لم يعد بإمكاني الجلوس على كرسي الحلاقة بعد اليوم، دكانك المتواضعة تشعرني بعرش الملوك، أشعر بنقاهة من تعب الحياة على أنغام صوت المقصّ يدور حول رأسي، كانت زيارتي لك منتظمة تتكرَّر دوريّاً بإيقاع ثابت مرة كل شهر أو أكثر قليلاً !

كم من الصعب أن نفتقد أشخاصاً صنعوا جزء من ماضينا، ومكانة حفروها في قلوبنا، رحلوا فبقيت أرواحهم ترفرف صوراً جميلة في ذاكرتنا..

مهما كتبتّ سيبقى الحزن..!

كم عزّ عليّ رحيلك دون وداع، ستبقى رفيقي وأخي وصديقي كما كُنتَ حتى ألقاك على حوض نبيّنا محمد صلّ الله عليه وسلّم إن شاء الله.

لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده إلى أجل مسمّى، وإنا لله وإنا إليه راجعون..

رحمك الله يا "غسّان عربجي" وغفر الله لك.

3 شوال 1438هـ
27 حزيران 2017م

حدث في مسجدنا.. لا تؤخِّروا الجنازة.. الجنازة أولاً..

آخر ما ينتفع به الميت في الدنيا هو الصلاة عليه والدعاء له. ومن المؤسف أن يُبتلى بعض أئمة المساجد بتقديم صلاة السُّنّة البعدية على صلاة الجنا...