عائلة عريقة يعرفها القاصي والداني اشتهرت بعلمها وثقافتها وفضلها على بقيّة العائلات حتى غدت أنشودة على ألسنة الناس جميعاً وتمنّى كل من سمع عنها يحلمُ في العيش بظلّها.
وفجأة جاءها شرّير بقوة السلاح وتسلّط عليها واستعبدها مع أبناءها، فقابلت شرهُ بإحسانها، وظلمه بعدلها، واحتضنته واستوعبته وعفت عنه لأن من شيمتها العفو!
لقد استغلّ هذا الشرّير طيبة قلب هذه العائلة فتدخلّ في شؤونها الإجتماعية والإقتصادية والفكرية، فسنّ قوانين قيّدت حركة أبناءها وحريّتهم وثقافتهم الدينية، وفرض عليها نوع المأكل والمشرب والملبس، وحجب عنها قراءة ودراسة أي شيء يظن أنه خطر عليه.
بدأ التململ في أبناء العائلة المسكينة وقارنوا نفسهم بعوائل أُخرى، فوجدوا فرقاً كبيراً بين حريتهم وحرية الآخرين، فاشتكا الأبناء إلى الآباء ليسمحوا لهم في التخلّص من هذا الشرّير، ولكن كبار العائلة وعلمائها طلبوا من الأبناء التريّث والصبر لعلّ الله يجعل لهم مخرجاً، فعادوا إلى الإستسلام خوفة على أنفسهم من الضياع.
في ظل هده السنين الطويلة، كبر أولاد الشرّير وأخذوا أماكنهم في مواقع الإجرام والتسلّط، والعائلة صامته محتسبة تداري وتساير خشية على أولادها.
وفجأة شاء الله أن يُريح هذه العائلة من جبروت هذا الشرّير فأماته، وظنّ الأبناء أنّ المحنة قد انتهت بموت الشرّير كي يعيشوا بقيّة حياتهم بكرامة تغمرها السعادة.
ولكن حلمهم لم يطل، إذ أخذ مكان هذا الشرّير إبنه الذي تربى في حضن هذه العائلة الودودة ولعب مع أبناءها، وتعلّم في مدارسها، وكانت تُنفق عليه من خيرها حتى استقام عوده وأصبح شاباً.
لم تتفاجأ هذه العائلة الكريمة بجلوس الإبن مكان أبيه، لأنّها توسّمت فيه الخير كل الخير، فلقد ترعرّع في حضنها وشرب من لبنها وحليبها ورعته من كل سوء، فتنازلت له عن حقها وتناست ما فعله والده بها وبأبناءها، فلم تحاسبه على ما اقترف أبيه من قبل، والله تعالى يقول:
﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ الزمر 7.
فإيمان العائلة أبى أن يُحاسب الولد على جرم أبيه، فالنفس لا تحملُ حِمل غيرها وكل إنسان محاسب عن عمله، وهذا الإبن لم يفعل لها شيئ، ولهذا قررّت حضانته أميراًً كما حضنته طفلاً وديعاً"
هذا ما دار في خلد هذه العائلة الطيبة فأيدته ونصرته ووقفت بجانبه وأحسنت ظنّها به، واعتقدت أنّها ستنال بعضاً من حقها التي افتقدته في ظل والده.
كانت الدهشة كبيرة لدى العائلة عندما وجدته يسير على نهج سلفه، وتذكرّت قصة الراعي الذي وجد ذئباً رضيعاً يُقاسي البرد في العراء، فأخذه وربّاه مع الشاة التي عنده وسقاه من لبنها وحليبها "كما فعلت هي بإبن الشرّير" وعندما كبر الذئب واشتد عوده تركه الراعي ليحرس الشاة، فهجم عليها الذئب وأكلها!
وعندما عاد الراعي ووجد آثار الدماء في فم الذئب وبقايا الشاة ملقاة بجانبه، أمسك الذئب من رأسه وقال له:
أكلتَ شويهتي وفجعتَ قلبي
وما أدراكَ أن أباكَ ذيبُ
إذا كانَ الطباعُ طباعَ سوءٍ
فلا لبنٌ يفيدُ ولا حليبُ
عاشت هذه العائلة فترة في ظل هذا الإبن العاقّ لعله يتذكّر فضلها ومعروفها وطعم لبنها وحليبها فلم تجد منه خيراً قط، بل ازداد قَسوة وجُحوداً ونكراناً.
استيقظ الأبناء يوماً على ضمير يحثهم ويناديهم:
إلى متى ستبقون أذلاّء !؟
إلى متى ستبقون صامتين؟
إلى متى ستبقون منهزمين؟
إلى متى..إلى متى؟
ألا يكفيكم أن عاش آباءكم ردحاً من الزمن دون كرامة؟
ألا يكفيكم أن عاش آبائكم ناكسي الرؤوس؟
متى تستيقظوا؟
متى تنهضوا؟
استجمع الأولاد قواهم وأرسلوا أحدهم إلى الأمير الشاب الذي تربّى عندهم يطالبونه بمساحة من الكرامة وقليل من الحرّية كي يتحرّكوا فيها!
أليس هذا من حقّهم؟
انتظروا واردهم كي يعود إليهم بالبُشرى، فلقد تأخر داخل قصر الأمير وربما يتناول مع الأمير طعام الغداء كما كانوا يفعلون صغاراً ولكنه لم يعد!
انتظروا طويلاً أمام القصر ليطل أخيراً حرّاس القصر ويلقوا بموفد الأبناء جثّة هامدة أمام إخوته.
فَهِمَ الأبنّاء الرسالة وقرّروا إزاحة هذا الشرّير الذي لا يرقب في أحد إلاً ولا ذمّة!
تجمّع الأبنّاء يطالبون بحقهم وينادون بحرّيتهم، فصبّ عليهم أميرهم سوط عذابه ونيران بنادقه، فسقط منهم من سقط وجرح منهم من جرح.
لقد كسر الأولاد جدار الرعب عند رؤيتهم أول قطرة دم تسقط منهم فأصرّوا على المضي في طلب حقهم مهما كلفهم ذلك من تضحيّات.
لقد رفضوا الذلّ الذي عاش به آبائهم، لقد أبوّ أن يورثّوه لأبناءهم كما ورثوه هم، ونهضوا جميعاً متحدين ليزيحوا هذا الكابوس عنهم، فاستعان هذا الشرير بأشرار الأرض كلها ليُعيد هذه العائلة إلى بيت الطاعة، ومازال الصراع مستمراً !!
10 آب 2014م
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق