أقيمت صلاة الجمعة وتراصّت الصفوف ولم أتردَّدُ في سدِّ تلك الفجوة التي شطرت جانب الصفّ نصفين وجعلت بينهما فراغاً مشوّهاً !
وعادتي أحشرُ نفسي دائماً في أيةِ فجوة أراها كي أسدّها، ثمّ أقفُ في صلاتي معتدلاً أجعلُ فتحة ساقيّ بمقدار كتفيّ حتى لا أزعج إخوتي المصلّين على جانبيّ ومصداقاً لقول رسول الله ﷺ:
"من سدَّ فرجة رفعهُ الله بها درجةً و بنى لهُ بيتاً في الجنةِ"
ولكن..
شعرتُ بجسدي فاقد التوازن لعدم استطاعة فتح ساقيّ !
نظرت إلى قدميّ لأتأكد من ثبوتهما على الأرض، فوجدتهما ملتصقتين مع بعضهما ومضغوطتان من كل جانب بأقدام جيراني فأصبحتُ كصنمٍ معروض في متحف آثار.
كان كل أخ على جانبي فاتحاً قدميه، مفرشخٌ كالفرجار بمادة الرياضيات، لا يتحركّ كأبي الهول !!
حاولت تحرير نفسي بعض الشيء فدفعتُ قدمي اليمنى واليسرى على التوالي باتجاه أقدامهما لعلهما يشعران بحالي فيفرجا عنّي، ولكن عنادهما كان شديداً واستمرا بالضغط !!
أيقنتُ أنني في معركة رصّ الصفوف والفهم الخاطئ لها، وأنا ضحيتها !!
قال رسول الله ﷺ:
{رصّوا صفوفكم وقاربوا بينها}
والمعنى سدّوا الفُرَج بأكتافكم وأقدامكم معاً ليكون الجسم مستقيماً، غير أنّ البعض يعتقد رصّ الصفّوف يكون بالأقدام فقط، فيباعدوا المسافة بين الأرجل زيادة عن اللزوم مما يسبب إزعاج وفقدان التوازن لجيرانهم المصلين مثلي !
تحاملتُ على نفسي كي لا أهوي إلى الأمام أو الخلف من فقدان توازني، فأنقذني الإمام بالركوع دون أن أعيّ من القراءة شيئاً لإنشغالي بحالي.
وأثناء ركوعي رحرحتُ قدميّ مرة ثانية بالضغط على جانب أقدامهم ليفسحوا قليلاً فلم أستطع، نظرتُ إلى الأقدام فوجدتُ ساقيّ ملتصقتان معاً كالعامود، ومحصورتان بأقدام جيراني الواسعتين كمرمى الكرة !!
تهيّأت للسجود لتحرير نفسي فكنتُ أول الساجدين بعد الإمام !
وبعد السجدة الثانية من الركعة الأولى أسرعت بالوقوف للركعة الثانية وثبّتُ قدميّ بمحازاة أكتافي قبل نهوض جيراني !
وما أن نهضا صاحبيّ حتى أعادا الفرشخة مرة أخرى وألصقا قدميهما بقدميّ من الجانبين !
زحزحتُ قدميّ للداخل قليلاً لأبتعد عنهما، فضاعفا فتح أقدامها كالإبل، توقفت مباشرة عن تحريك أقدامي حتى لا يلتصقان معاً وأفقد سيطرتي كالركعة الأولى، وتمَّت الصلاة بسلام !
وبعد التسليمتين نظرتُ إلى الأخ الذي على يميني مبتسماً وقلت له:
تقبّل الله منّا ومنك !
نظرَ إليّ مادّاً يده لمصافحتي، فبادرته بالمثل ومددتُ يدي بالمقابل، فصافحني وضغط على راحة كفي وأصابعي بشدة يهزّها مرّات عدة ليشعرني بهمة الشباب المؤمن !!
وبرغم تقدّم سني، أشعر والحمد لله بقوة وحيوية ونشاط، فضغطتُ على يده بقوة مكافئة لأريّهُ همة الرجال، ونظرتُ بعينيه مبتسماً أتفحصّ أثر التحدي فيهما.
حاول فكّ يده، فضاعفت الضغط ليعرف أنّ البادي أظلم !
ضحك فبانت أسنانه وقال:
قوي العم ما شاء الله !!
أجبته ضاحكاً:
ذلك من فضل الله !
انتهت المصارعة بالمصافحة فالتفتُ إلى جاري الأخر الذي على اليسار لأقول له:
تقبّل الله، فلم أجده !!
خرجتُ من المسجد أستغفرُ الله على الشرود بالصلاة وسألت نفسي:
هل تقبّلها الله مني، أم ردّها عليّ ؟!
2 تموز 2017م
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق