السبت، 24 يناير 2026

القامشلي... حكاية مدينة لم تكن في الحسبان

على أطراف الخرائط، حيث تتعانق الحدود وتضيع المسافات بين الدول، وُلدت القامشلي !!

لم تولد من رحم حضارة قديمة، ولا استظلّت بظل قلعة أو عاصمة منسية، بل خرجت إلى الوجود صدفة، ثم أضفى البشر عليها الروح، فتحولت إلى مدينة تنبض بالحياة.

تقع القامشلي في شمال شرق سوريا، ضمن محافظة الحسكة، عند مثلث تلاقي الحدود السورية والتركية والعراقية، هناك، حيث يختلط التاريخ بالجغرافيا، غدت المدينة مركزاً إدارياً وتجارياً مهماً، وواحدةً من أكبر مدن المحافظة وأكثرها حركةً وتأثيراً.

اكتسبت القامشلي نشاطها بموقعها الحدودي مع تركيا، ومنحتها الأرض خيرها بسخاء، تمتد حولها حقول القمح والعدس والشعير كبحرٍ ذهبي، وتتناثر الثروة الحيوانية في محيطها، أسهمت حقول النفط القريبة في تسريع نبضها الاقتصادي، وعلى ضفاف نهر الجغجغ (الجعجع) الذي يشق المدينة بهدوء، حيث يكثر نبات القصب، وُلد اسمها «القامشلي» الذي يعني القصب، اسمٌ بسيط مثل نشأتها، لكنه صار عنواناً لمدينة كاملة.

بعد الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية، رُسِمَت الحدود الجديدة بقلم المنتصرين، ومع الانتداب الفرنسي على سوريا عام 1920م، تحولت سكة الحديد (برلين – بغداد) عند نصيبين إلى خط فاصل بين بلدين.

 هناك، وقفت نصيبين في الشق التركي، (مدينة نصيبين تاريخياً تابعة لبلاد الشام) بينما بدأت القامشلي تتشكل في الجانب السوري، مدينتان متقابلتان، يفصل بينهما خطٌ سياسي، ويجمعهما تاريخٌ واحد، حتى بات كثيرون يخلطون بينهما إلى اليوم.

حكاية القامشلي...
أقام الفرنسيون مخفراً حدودياً ومحطة قطار على الجانب السوري، في منطقة زراعية تضم قرى عربية مسلمة وسريانية وآشورية وكلدانية فتحول المكان إلى نقطة جذب لجأ إليه الأرمن الهاربون من الأناضول، وبالتالي هاجر الأكراد من تركيا هرباً من القوميات المتشددة بعد تأسيس الجمهورية التركية.

في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، وبعد فشل الثورات الكردية في كردستان تركيا، ومنها ثورة الشيخ سعيد بيران عام 1925م التي قامت ضد سياسة التتريك، نزح عدد كبير من الأكراد الأتراك إلى شمال شرق سوريا، ولا سيما إلى القامشلي ومنطقة الجزيرة، لتشكل هذه الموجة أكبر مرحلة تأسيسية للوجود الكردي في القامشلي.

وفي فترات لاحقة، خلال الصراعات المتكررة في كردستان العراق في الثلث الأخير من القرن العشرين، وخاصة بعد حملة الأنفال، لجأ العديد من الأكراد إلى سوريا، واستقر بعضهم في القامشلي.

وفي ثمانينيات القرن الماضي، ومع اندلاع الصراع المسلح بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني (PKK)، تدفقت إلى القامشلي موجات جديدة من الهجرة الكردية، وبعد عام 2011، ومع الثورة السورية، استقرت في المدينة عائلات عديدة من مختلف مناطق كردستان، فامتدت القامشلي ونمت، لا بأسوارها، بل بالبشر.

اليوم، يقترب عدد سكان القامشلي وضواحيها أكثر من نصف مليون نسمة، ينتمون إلى فسيفساء بشرية نادرة الألوان والأنغام: العرب والسريان والآشوريون والكلدان والأرمن والأكراد، مجتمعون على أرض واحدة، هذا الخليط لم تخلقه السياسة وحدها، بل نسجته الهجرات ودفء البحث عن الأمان، وحكايات العيش المشترك.

وبهذا، لم تكن القامشلي مجرد مدينة من حجر، بل كانت مدينة الأعراق واللغات، ومرآةً لتاريخٍ حافل بالهجرات والتلاقي، لم تختَر الأرض مكانها، لكنها اختارت أن تحتضن الجميع، وُلدت صدفةً على الحدود، لتصبح وطناً لكل من عبر إليها، وبقيت صامتةً وشاهدةً على أن المدن، مثل البشر، تُعرَف بروحها ودفئها، لا بأصولها أو جذورها.


الاثنين، 19 يناير 2026

حين نهضت الجزيرة وسقط القيد، عاد الفرات إلى اسمه ومعناه

عاثت قسد ميليشيا قنديل في جسد الجزيرة السورية فساداً أسودَ، فحوّلت الأرض الطاهرة إلى ساحات قتل، وارتكبت بحق أهلنا الأبرياء جرائم تندى لها الجباه، إجراماً منظماً لا يعرف الرحمة، خلّف دماراً لا تُحصيه الأرقام، وخراباً لا تمحوه السنين، ووصمة عارٍ لا تُغتفر.

اليوم…
اليوم نهض الحق من تحت الركام، وبإرادة الله أولاً، ثم بسواعد صناديدنا الأبطال، فارتفعت راية الكرامة فوق أنقاض الظلم، وخُطّت ملاحم النصر بأيدٍ لم تعرف القيد، ولا انحنت يوماً للطغيان.

أربعة عشر عاماً من الإجرام كانت كافية لفضح كل الأعداء أمام العالم، لكنها كانت أعجز من أن تكسر إرادة شعبٍ خُلق حرّاً، ولا يعرف معنى الانكسار !

اليوم...
عادت الجزيرة الفراتية لأهلها عالية الراية، مرفوعة الرأس، ثابتة العهد إلى يوم القيامة.

اليوم...
ومن القلب إلى القلب نبارك لشعبنا السوري الأبي هذا اليوم العظيم، ونخصّ أهلنا في الجزيرة بعودة الفرات إلى اسمه، إلى روحه، إلى معناه الحقيقي، عاد متطهّراً من رجس جبال قنديل، فراتاً حرّاً صافياً كما خُلق، صادق الانتماء، سوريَّ الهوى والهوية، يشهد أن الماء لا يُستعبد، وأن الأرض لا تخون أبناءها، وأن الحق مهما طال اغترابه لا بد أن يعود.

اليوم سورية أعلنتها مدوّية:
أنا عصيّة على السقوط، شامخة كشموخ الجبال، صامدة كجريان الأنهار، ينفجر الفرح من قلبي عزّةً لا تنحني، ويزدهر النصر في شراييني بقلوبٍ فولاذية لا تلين، فنبض بواسلي حيّ، وزئيرها لا يعرف الهزيمة.

الخميس، 1 يناير 2026

السنة الشمسية نظام كوني من آيات الله لا بدعة فيها.. عام جديد..

السنة الشمسية ليست أمراً مُحدَثاً من الناس، بل هي نظام كوني جعله الله تعالى آيةً من آياته، تقوم عليه حياة البشر، وبه تُعرَف الأزمنة وتُحسب السنين.

وهي المدّة التي تكمتل فيها الأرض دورتها حول الشمس، وقد أشار القرآن الكريم إلى دقّة هذا النظام بقوله تعالى:

﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ أي أنّ الكون يسير وفق حسابٍ دقيق لا يختل.

وبهذا الحساب عرف الناس الفصول الأربعة (الصيف والخريف، والشتاء، والربيع)، وانتظمت حياتهم من زراعة وسفر ومعاش.

وعلى هذا الأساس قسّم أجدادنا الشتاء إلى أربعينيّة وخمسينيّة، وسمّوا الأزمنة (سعد بلع، والدابح، والسعود، والخبايا)، وسمّوا الجمرات (الأولى، والثانية، والثالثة)، وعرفوا أوقات الانقلابين الربيعي والخريفي، وكلّ ذلك من فهمهم لسنن الله في الكون.

فالسنة الشمسية، مثل السنة القمرية، كلتاهما من تقدير الله، وكلتاهما وسيلة لمعرفة الوقت وتنظيم الحياة، فلا قداسة لإسم أو رقم بذاته، وإنما العبرة بما يوافق شرع الله، ولا حرج في استخدام ما ينظّم شؤون الناس ومعاشهم.

أما ميلاد عيسى عليه السلام، فإنّ القرآن الكريم بيّن زمنه بوضوح، حين قال تعالى على لسان مريم عليها السلام:

﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾

ورُطَبُ النخيل لا يكون في كانون الثاني، وإنّما يكون في أواخر الصيف وبداية الخريف، ممّا يدلّ على أنّ مولده عليه السلام لم يكن في هذا الوقت الذي يُشاع بين الناس، أي في شهر كانون الثاني.

ولذلك، لا ينبغي أن يكون التهنئة بدخول عام جديد سبباً للخلاف أو الجدل، ما دامت النيّات صادقة، والقلوب متعلّقة بالله.

فالأيام تمضي، والسنون تتعاقب، والعبرة ليست بالأرقام، بل بما نقدّمه فيها من طاعةٍ وتقوى، وإصلاحٍ للنفس، وإحسانٍ إلى الناس، فالسنة الشمسية آية من أيات الله لا بدعة فيها.

نسأل الله أن يجعل أعوامنا أعوام خير وقرب منه، وأن تكون شاهدةً لنا لا علينا، وأن يرزقنا صدق النيّة وحسن العمل.

وكلّ عام وأنتم بخير.


الجمعة، 26 ديسمبر 2025

الجبال التي حكمت المدن... العلوية النصيرية

العلوية، أو النصيرية، فرقةٌ خرجت من ظلال التاريخ، وتكوّنت في القرن التاسع الميلادي على يد محمد بن نصير النميري، القادم من بصرة العراق، من قبيلة نمير. استقر أتباعها على تخوم الجبال، على الساحل السوري، وفي سفوحه الوعرة، ثم تمددوا إلى دمشق وأرياف حمص وحماة، وتفرّقوا في تركيا ولبنان، يحملون معهم سرّ العقيدة وغموض الانتماء.

هي فرقةٌ باطنية، نسجت معتقدها من خيوط فلسفات وأديان متداخلة، وأحكمت عليه أقفال السرية، فلا يُفشى إلا للخاصة، ولا يُفتح بابه إلا لمن وُلد داخل الأسوار، من أبوين نصيريين، كأنها دائرة مغلقة لا تعرف الداخل إلا من رحمها.

وتتوزع النصيرية السورية على أربع عشائر كبرى: الخياطين، والمتاورة، والحدادين، والكلبية، ومنها خرجت عائلة الأسد، التي ستكتب لاحقاً فصلاً دامغاً في تاريخ البلاد.

في معتقدهم، يتجلّى الإله في علي بن أبي طالب، ويغدو محمد ﷺ حجابًا نورانياً بين الروح والمادة، ويصبح سلمان الفارسي باب العبور إلى الحقيقة الإلهية، فتُبنى العقيدة على تثليثٍ غارق في الرمز: علي… محمد… سلمان.

ويؤمنون بتناسخ الأرواح، حيث الجسد ليس إلا قميصاً ضيقاً، تسكنه الروح مؤقتاً، ثم تخلعه عند الموت، لتتحرر وترتحل إلى جسدٍ آخر، في دورةٍ لا تنتهي، ولا تعرف الحساب الأخير.

حين وطئت أقدام الاستعمار الفرنسي أرض سوريا، غيّر المحتل الاسم قبل أن يغيّر الواقع، فاستبدل (النصيريين) بـ (العلويين)، محاولةً لتجميل الصورة وتهيئة القبول، فتبدّل جبال النصيريين إلى جبال العلويين، ثم جاء حافظ الأسد، فمحا الاسم مرة أخرى، وأطلق عليها جبال اللاذقية، وكأن تغيير اللافتة كفيل بتغيير الذاكرة.

ومن دهاليز حزب البعث العربي الاشتراكي، صعدت الطائفة إلى الحكم، مستفيدةً من الانقلابات الدامية في ستينيات القرن الماضي، فسيطرت على مفاصل الدولة والجيش، وحين أمسك حافظ الأسد بزمام السلطة عام 1970م، بدأت حقبتهم الذهبية، خرجوا من عزلة الجبال، ونزلوا إلى المدن، وامتزجوا قسراً بنسيج المجتمع السوري.

لم تدخل تلك السلطة المدن إلا غريبةً عنها، فلم تستطع التصالح معها، ولا أن تفهم روحها، فدخلتها وهي تحمل ميراث الارتياب، تخاف ناسها ويخيفها اتساعها، فاختارت ان تحكم البلاد بقبضةٍ من حديدٍ ونار، وبالخوف بدل الانتماء، وبالعصا بدل العدالة.

شدّت قبضتها الحديدية على البلاد، وأطلقت وحوش أجهزتها الأمنية، فصار القمع قانوناً، والاستبداد عقيدة، ومصادرة الحريات طقساً يومياً.

تمدّد الفساد كالعفن في جسد الدولة، وانهار الاقتصاد تحت أقدام اللصوص، وغابت العدالة حتى كأنها لم تكن، وضاقت السجون حتى ابتلعت الأجساد والأحلام معاً.

لكن الشعوب لا تموت، فحين بلغ الظلم منتهاه، نهض الغضب السوري كالإعصار، فحطّم القيود، واقتلع جذور الطغيان، وحرّر وطنه في معركة ردع العدوان، في الثامن من كانون الثاني عام 2024م. هناك، أُسدل الستار الأخير على سلطةٍ وُلدت في الظل، وصُنعت في الظلام، فلم تحتمل نور العلن، فسقطت أمام نور الثورة، واندثرت تحت أقدام الأحرار.

الأربعاء، 24 ديسمبر 2025

حين تُداس الاتفاقات، تسقط الأقنعة أمام اختبار الوطن

لم يبقَ سوى أسبوع واحد على انتهاء اتفاق العاشر من آذار 2024م، الاتفاق الذي وقّعه الرئيس أحمد الشرع مع مظلوم عبدي، قائد ميليشيا (قسد)، غير أنّ ما جرى على الأرض يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن هذا الاتفاق لم يكن لدى الطرف الآخر سوى ورقة للاستهلاك المؤقت، سرعان ما مزّقتها (قسد) بإرادتها، عبر خرقٍ فاضح ومتعمد في حييّ الأشرفية والشيخ مقصود شماليّ حلب، حيث استُهدفت الأحياء السكنية بالرشاشات الثقيلة، في رسالة عدوانية واضحة مفادها الاستخفاف بالدولة، وبأي التزام وطني أو أخلاقي.

إنّ ما تقوم به (قسد) ليس خرقاً مبرراً، ولا خطأً عابراً، ولا تجاوزاً ميدانياً، بل سلوك انفصالي ممنهج طعناً في ظهر الدولة ينفّذ أجندات معروفة، ويعمل بوعي كامل على زعزعة الأمن، واستنزاف الوطن، وجرّ البلاد إلى مربعات الفوضى.

فكل محاولة لتبرير هذه الأفعال أو التخفيف من خطورتها ليست سوى تواطؤ سياسي مفضوح، أو عجزٍ مخزٍ عن تسمية الأشياء بأسمائها.

إنّ المعركة اليوم ليست معركة آراء، بل معركة وجود، ومن لا يقف في صف الدولة في هذه اللحظة، فقد اختار موقعه بوضوح.

إننا نناشد كل وطنيٍّ حرّ أن يُرجئ نقده وتجريحه وقدحه وذمّه للحكومة السورية، وأن يصبّ جهده ويشدّ عزيمته في خندقٍ واحد، حاشداً قدراته إلى جانبها، في مواجهة أعداء سوريا من انفصاليين وفلول، ومن يقف خلفهم ويحرّك خيوطهم من الظل لتمزيق ما تبقّى من وحدة الوطن، فالاتفاق سقط والعدو انكشف ووحدة سوريا اولاً وما دونها خيانة.

ونقول للمتذمّرين الساخطين الناقمين من الشرائح السياسية وغيرها، إنّ الاستمرار في جلد الذات وفتح النار على الحكومة السورية لا يُعدّ معارضة ولا نقداً، بل خدمة مجانية لأعداء سوريا، وانخراطاُ بقصد أو بسذاجة  في المشروع ذاته الذي تحمله الميليشيات الانفصالية والفلول ومن يشغّلهم من الخارج، فلا تذمر بعد اليوم، إمّا مع الدولة أو مع الانفصال.

السبت، 13 ديسمبر 2025

رغالات العصر...خفافيش الظلام التي طعنت الوطن

كان أبو رغال رجلاً واحداً خان قومه ودلّ أبرهة الحبشي إلى الكعبة، فصار مثلاً للخيانة في التاريخ العربي، لكن ما نراه اليوم يجعل خيانة أبي رغال تبدو عملاً ساذجاً مقارنة بما صار يمارسه بعض أبناء هذا الزمن بوجوهٍ تعرف معنى الخسة ولا تعرف معنى الوطن، فلنكفّ عن المجاملات، ولنمزّق قناع (حرية الرأي) الذي يتستر خلفه البعض لتبرير سقوطهم الأخلاقي.

ما اسم من يتعمّد خنق وطنه؟ من يلعق يد العدو ويطعَن شعبه؟ من ينسّق مع جهات معادية بلا حياء؟ هؤلاء ليسوا أصحاب رأي، هؤلاء خطرٌ على الأرض التي تمشي بهم، ووصمة على كل ما تبقى من الشرف الوطني.

عانى الشعب السوري وحكومته الجديدة لعامٍ كامل في معركة شرسة لإلغاء قانون قيصر الذي مزّق حياة السوريين وعمّق مأساتهم، قانونٌ صاغته واشنطن لمعاقبة الأسد فصار سوطاً على رقاب الناس قبل أن يمس النظام نفسه، وحين انهار نظامه وترك أتباعه يتخبطون خلفه، بقي الشعب وحده يواجه الخراب.

ثم، عندما صوّت مجلس النواب أخيراً لرفع العقوبات عن السوريين، لم يحتمل بعض السياسيين السوريين سقوط مشاريعهم القذرة، فظهروا على الشاشات مكشوفين، بوجوهٍ باردة تشتعل من الداخل حقداً، ويتلوّون غيظاً لأن مخططاتهم السوداء لإبقاء العقوبات على شعبهم فشلت.

كانوا يريدون لإخوتهم أن يظلوا محطمين، لأن بقاءهم محطمين كان طريقهم الوحيد للنفوذ والمال.

والحقيقة المُرّة أن أبا رغال بخيانته الصارخة أشرف منهم جميعاً، فقد خان مرة واحدة وبشكل علني، أما هؤلاء، فهم رغالات معاصرون، خفافيش سياسية، يتحرّكون في العتمة، يقتاتون على خراب الوطن، ويجيدون الطعن في الظهر أكثر مما يجيدون قول كلمة حق واحدة، يبدعون بطعن وطنهم بالعتمة قبل أن تفضحهم الشاشات وتكشف وجوههم الحقيقية.

هؤلاء وأمثالهم ومن يدافع عنهم ليسوا أصحاب رأي، بل أدوات هدم، يتعمدون خنق الوطن لخدمة مصالحهم الصغيرة أو أجندات من يدفعون لهم.

هؤلاء لا يستحقون حتى لقب الخائن، فالخيانة عندهم ليست سقوطاً، بل طبيعة.

الخميس، 11 ديسمبر 2025

حين خذلت الأحزاب السياسية شعبها، ولدت قيادة ملهمة غيرت مسار المستقبل وأعادت للشعب مهابته.

في حين لحظة من أشدّ لحظات مسار الثورة السورية قسوة، وحين بلغ السوريون حدّ اليأس من إمكانية إسقاط النظام.

وحين تراجعت قدرات قوى المعارضة، على اختلاف توجهاتها سواء كانت علمانية أم إسلامية، عن الاستمرار في مواجهة النظام الفاسد المستبد وداعميه، وخيّم الظلام على المشهد برمّته.

وحين تلاشى الأمل بالنصر وانسداد الأفق السياسي والعسكري، واتجه المجتمع الدولي لتأهيل نظام الأسد ثانية، وتمكينه من البقاء عقوداً أخرى جلّاداً للشعب السوري.

وحين بلغ الشعب السوري ذروة الإحباط واليأس والتشتّت، واشتدّت عليه خيبات الأمل والانكسار، بقي فريقٌ استثنائي يشعّ إيماناً لا يخبو ويقيناً لا يتزعزع، فريقٌ مضى في طريقه بثباتٍ لا يعرف التراجع، تقوده شخصية قدّرها الله لحمل هذه المهمّة الدقيقة والحسّاسة، فسار بما منحه الله من بصيرة نافذة وحكمة راسخة. *{وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً}*

كان حضوره شرارة حاسمة أطلقت معادلات قلبت المشهد برمّته، جاء هذا القائد ليحطّم جدران الإحباط التي خنقت القوى السياسية والعسكرية والشعبية، وشلّت حركة الجماعات والأحزاب والطوائف، جمع الصفوف الممزّقة، ونفخ فيهم روح الإرادة، ورسم طريقًا جديداً أعاد للسوريين أملاً غاب عنهم لسنوات طويلة.

وجاء الثامن من كانون الأول، الذكرى الأولى لتحرير الشام من قبضة نظام الأسد، ليشكّل خروج الناس بالملايين في كل المدن، دليلاً واضحاً على التفاف الشعب السوري حول قيادته الجديدة، مُعبِّراً بوضوح عن تمسّكه بمنهج العمل والإنجاز، ومتجاوزاً محادثات أستانة ودماها الهزلية من خلافات وتوتر وتشتت.

كان جزء من هذه الرسالة الشعبية موجَّهة إلى الأحزاب بأن المرحلة الراهنة تستدعي توحيد الصفوف بدلاً من التنازع، وأن كل فرد قادر على خدمة وطنه متى توفرت النية الصادقة، كما تؤكد هذه اللحظة التاريخية الحاجة إلى الترابط لا التباعد، وإلى تغليب المصلحة الوطنية على الخلافات والصراعات حول المواقع والمكاسب.

غير أن هذا التحول والانجاز العظيم الذي حققه هذا القائد وفريقه لم يُرضِ الجميع، فبعض من تجاوزتهم هذه القيادة الشرعية، وجدوا أنفسهم يتأرجحون بين اللوم والنقمة، وبين الحقد والضغينة، ولجأ بعضهم إلى التخلي عن ثوابته السياسية، ليظهر في قنوات معادية لمجرّد تسجيل اعتراض أو انتقام شخصي، وهو سلوك لا يخدم إلا أعداء الثورة من الفلول والانفصاليين والخونة.

والحقيقة لم تعد خافية على أحد أنّ جزءاً كبيراً من الشخصيات المنضوية تحت مظلات الأحزاب والجماعات المعارضة يعيش اليوم في أوروبا وأمريكا، حيث تتوافر ظروف معيشية مريحة لا تشبه بأي شكل ما يعيشه السوريون في الداخل، وكثير منهم مستقر في بيوت مريحة وينعم بحياة غربية هادئة، ولا يعود إلى سوريا إلا خلال زيارات متباعدة، بينما يبقى نشاطه السياسي من الخارج، بعيداً عن واقع الناس وتحدياتهم اليومية.

هذا الانفصال بين المعاناة الحقيقية في الداخل وبين المعارضة الخارجية جعل السوريين يشعرون بأنّ هؤلاء لم يختبروا حتى جزءاً يسيراً من الألم الذي تحمّله المواطن المقيم داخل البلاد أو حتى من خرج منها مضطراً خلال سنوات الثورة.

لقد سئم السوريون من أشكال المعارضة كافة، بعدما فقدوا ثقتهم بها نتيجة تراكمات طويلة من الخيبات، فالدور التقليدي للمعارضة، المتمثّل في مراقبة أداء الحكومة والحد من سلطاتها، أصبح اليوم يقوم به الناس أنفسهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث بات المواطن يوثّق، وينتقد، ويُظهر أي خلل أو تجاوز بشفافية غير مسبوقة، كما أنّ وظيفة المعارضة في منع الاستبداد لم تعد حكراً عليها، فالشعب بات أكثر وعياً وقدرة على رفض أي محاولة لعودة الديكتاتورية.

أما الحديث عن تداول السلطة عبر الانتخابات، فهو بدوره مفتوح أمام الجميع. فكل من يرى في نفسه القدرة على خدمة البلاد يمكنه أن يعود، ويستقر، ويقدّم مشاريعه، ويترشّح، ويترك الحكم النهائي للشعب في صناديق الاقتراع، فالشرعية تُصنع من الداخل، ومن التفاعل المباشر مع الناس، لا من الخارج.

اليوم، سوريا ما زالت في مرحلة حساسة تحتاج فيها إلى ترميم ما دُمّر، وإعادة من هُجّر، وتحقيق الاستقرار، فنصف الشعب ما زال خارج دياره، وثلثا البلاد ما يزال تحت الأنقاض، بينما يستمر أعداء الداخل والخارج بمحاولات إضعاف الدولة وإفشال أي مسعى للاستقرار، في مثل هذا الظرف، تبدو البلاد أحوج إلى العمل والالتفاف حول مشروع وطني واضح، لا إلى معارضة مشتتة لا تملك حضوراً حقيقياً بين الناس.

إنّ السوريين اليوم يريدون فعلاً لا قولاً، وحضوراً حقيقيّاً لا صوراً تُلتقط من بعيد، ومن أراد أن يكون ممثلاً للشعب، فليكن أولاً جزءاً من معاناته اليومية، وجزءاً من الحل داخل الحدود لا خارجها.

حدث في مسجدنا.. لا تؤخِّروا الجنازة.. الجنازة أولاً..

آخر ما ينتفع به الميت في الدنيا هو الصلاة عليه والدعاء له. ومن المؤسف أن يُبتلى بعض أئمة المساجد بتقديم صلاة السُّنّة البعدية على صلاة الجنا...