الثلاثاء، 7 أغسطس 2018

زنوببا ملكة الشرق

"هذا ليس بحثاً أكاديماً وإنما تسليط الضوء على حقبة زمنية تاريخية معينة قادتها شخصية عربية فذّة، ماتت في سبيل تحقيق حلمها بتحرير بلادها، وتركت بصمة ثقافية وحضارية، شنّ عليها الغرب مؤخراً حرباً ضروساً ممنهجاً دمّرَ شواهدها، ونهبَ كنوزها، وطمسَ تاريخها !"

القرن الثالث الميلادي...
كاد أن يفقد عقله حين رأى صورتها صكّت على نقود معدنية برونزية، وأنباء تنكيس علم روما الإمبراطوي من ساحات تدمر ومرتفعاتها، مما جعلهُ يعقد اجتماعاً طارئاً لكبار ضباطه وقادته، ويصدر أمراً بزحف الجيوش باتجاه الشرق لتأديب زنوبيا !!!

تتربع تدمر في وسط الصحراء السورية بين إمبراطوريتين عظيمتين متصارعتين، فارس من الشرق وروما من الغرب، وتقبع على أحد الطرق التجارية الهامة كوسيطة ومحطة لنقل التوابل والحرير ومنتوجات أخرى بين الصين وموانئ البحر الأبيض المتوسط، ومنها إلى روما التي تعامل تدمر كمستعمرة لها.

كان التدمريون يتكلمون الآرامية كلغة رسمية مع عدة لغات أخرى، ويحبون التجارة والعمل بها، فنظامهم الإجتماعي قائم عليها، وسمعتهم الحسنة بين القوافل التجارية العابرة جعلتهم يتوسعون في خدمة التجار والمسافرين والزائرين، ويؤمّنون لهم البضائع والمنتوجات وخدمات الإقامة.

استولى الفرس الساسانيون على الطرق التجارية المائية المارة إلى الخليج العربي عبر دجلة والفرات، وفقد التدمريون السيطرة عليها فعرّضتهم لضائقة مالية كبيرة لم تستطع روما مساعدتهم في اجتيازها، مما جعل الحاكم العربي التدمري أُذيّنة (زوج زنوببا) يعدّ العدة لإنقاذ بلاده من أزمتها، وتحرير الممرات التجارية من براثن الفرس.

شنّ أُذيّنة هجومين عنيفين على الفرس الساسانيين وقهرهم بأماكن عدة، واستعاد الطرق التجارية البرية والنهرية مما جعل روما تحسب تحركاته وتراقبه عن كثب ولقبته بملك الشرق.

ساهم أذينة بمشروعات الإمبراطورية الرومانية ومناوراتها العسكرية وأصبح الحامي الفعلي لحدودها الشرقية.

كان حلم أذينة إستقلال بلاده التام من تبعية روما، وهذا يحتاج لدراسة وإعداد وبناء قوة مكافئة وقادرة على مجابهتها !

طوّر أُذيّنة الزراعة وأعتنى بكافة أنواعها، ومدَّ أقنية الريّ ونظّمها، وأقام السدود لجمع المياه وتوزيعها، وحفر آبار الشرب وجرّها إلى داخل المدينة لصالح شعبه واستقطاباً للقوافل.

ازدهرت تدمر اقتصادياً، واستطاع ملكها أذيّنة تطوير جيشه، فرفع قدراته العسكرية أثارت مخاوف روما من تمرّده وانفصاله عنها فقتلوه غيلة وبطريقة غامضة !!

اعتلت زنوبيا عرش تدمر بعزم وإصرار لتحقيق حلم زوجها وتحرير بلاد الشام من الإستعمار الروماني المستبدّ.

امتازت زنوببا بالذكاء والحكمة ورجاحة العقل، وأجادت اللغة العربية والآرامية والفارسية واليونانية ومطالعة التاريخ وكتب الفلاسفة، واحترفت الفروسية فكانت من أشد الفرسان لا تتردّد باتخاذ القرار، وتسير مع الجيش مشياً على الأقدام مسافات طويلة، وتجلس مع شعبها تأكل الطعام كواحدة منهم، وتلبس الرداء الملكي كاشفة ذراعها الأيمن.

هذه هي الملكة التدمرية السمراء، العربية الأصيلة، ذات الشعر الناعم الطويل، والوجه المبتسم الجميل، والأسنان البيضاء الناصعة، والعينين السوداوين الواسعتين، والرموش الطويلة، والشفتين الممثلئين، والفم الصغير، والصوت الإنثوي الجهوري التي جمعت المجد والجمال والسلطة والعفة والشرف، فما سمحت لرجل يلمسها بعد زوجها !

كانت أحلامها عظيمة، أولها إنشاء إمبراطورية عربية مستقلة الإرادة تنعم بالحرية والكرامة والرخاء، وتصنع تاريخها بنفسها.

أطلقت زنوبيا الحريات، وخفضّت من الضرائب، وفتحت باب العلوم، وألغت قيود التجارة، ووسّعت الطرق الرئيسية والفرعية، فظهرت طبقة التجار والمهندسين وأصحاب المهن والكهنة وتخصصوا بإدارة المدينة.

ازدهرت تدمر ونشطت بشكل واسع في كل النواحي الإقتصادية والتجارية والمعمارية والدينية، فأنشأوا معابد لجميع آلهة القوافل، وقصور وقاعات طعام ومقاهي وساحات اجتماع، وتفننوا ببناء المدافن والقبور حسب عادات الشعوب وتقاليدهم، وأشادوا حمّامات السباحة الطبّية بمياه أفقا الكبريتية المقدّسة (نبع ماء)، فغدت تدمر منتجعاً عالمياً يتوفر فيه كل أسباب السعادة والرفاهية. 

امتلأت خزائن المملكة من عائدات الضرائب وتحصيلها، وخصّص قسم لتدريب وتحسين قدرات الجيش وإمداد فيالقه بأحدث الأسلحة.

امتزجت تدمر بفن العمارة الشرقية الرومانية اليونانية، وغدت أجمل المدن، فنافست روما بمكانتها وعظمتها وقدراتها العسكرية، وتحدثت القوافل برحلاتها عن مكانة تدمر وأهميتها وأمان وأمن وحرية من يعيش فيها، فقصدها المهاجرون من كل حدب ليقيموا بها، وجاء أصحاب الأموال ليستثمروا فيها، وزارها المهندسين ليتعلموا إشادة المدن وتخطيط الشوارع.

ظهر في روما بعض المعارضين لحكم أورليان، وحدثت بعض القلاقل السياسية والإجتماعية جعلت زنوبيا تستغل هذ الأحداث بتحقيق حلمها !!

بدأت أولاً بتحرير المناطق القريبة منها، ثمّ أرسلت جيوشها بكل الاتجاهات تسترد مدينة تلوى الأخرى وتضمّها لمملكتها حتى حكمت من شواطئ البوسفور بآسيا الصغرى شمالاً، إلى نهر النيل بمصر جنوباً، ومن ضفاف دجلة شرقاً إلى البحر الأبيض المتوسط غرباً، وجرّت مياه الفيجة من نهر بردى بدمشق إلى تدمر عبر الصحراء داخل أقنية فخارية، وروت شعبها من مياه الفيجة، وأعلنت تدمر عاصمة لمملكتها.

حقّقت الملكة كل الإنجازات وهي تتعامل بالنقود الرومانية المصكوكة بوجه الإمبراطور أورليان، وترفع راية روما بالساحات حسب نصيحة مستشاريها، كانت لا تقطع أمراً إلا باستشارتهم، فهي مسؤولة عن شعب يحبها ويثق بها ويفتديها، وتشاطره المحبّة والثقة، وتجلس بينهم كواحدة منهم !

لم يخفى على الإمبراطور أورليان ما يجري في تدمر وما تفعله زنوبيا، كانت العيون تأتيه بكل الأخبار، ولكن الإحتجاجات والقلاقل السياسية بروما منعته من التحرّك.

كان الساسانيون الفرس يتابعون ما يجري في تدمر مسرورين بسوء العلاقة بين الملكة وروما، ولا يخفون فرحتهم بما حقّقته من انتصارات، وكانت فرصتهم لعقد تحالف دفاع مشترك ضد روما وافقت زنوبيا مباشرة عليه.

لم تهدأ الملكة زنوبيا طوال فترة حكمها، ولم تدّخر جهداً في تحقيق حلمها الذي نذرته من أجل الحرية والذي بقي خطوة أخيرة لتحقيقه، وهي تنزيل علم روما من ساحات تدمر، وتداول نقود جديدة تحمل صورتها فتصبح بلادها مستقلة ذات سيادة تامة وإرادة حرّة.

لم يغب عنها خطورة وحساسية الأمر، ولهذا أكدّت عقد التحالف الدفاعي المشترك مع الفرس رغم علمها بحقدهم وغدرهم، ولكن كان التحالف لا بد منه.

عقدت عدة اجتماعات مع قادتها ومجلس شيوخها الإستشاري لتتدارس احتمالات ردّات فعل روما، وبعد نقاشات عديدة، اتخذ مجلس الشيوخ القرار بإعلان الإمبراطورية العربية المستقلة !

صكَّ التدمريون النقود البرونزية عليها صورة ملكتهم (أول ملكة تضع صورتها على النقود)، فهبطت قيمة النقود الرومانية، ونُكِسَت أعلام روما من الساحات والأقاليم التابعة لتدمر، ورفرَفَ العلم العربي التدمري وحده بجميع أنحاء سوريا !

كاد أورليان أن يفقد صوابه حين رأى صورتها صكّت على النقود، وراية روما أزيلت من الساحات، فعقد اجتماعاً طارئاً لكبار ضباطه وزحف بالجيوش باتجاه الشرق لتأديبها !!

طلب مستشاري زنوبيا بقاءها بتدمر وإرسال خيرة مقاتليها لملاقاة الروم.

التقى الجيشان بإنطاكية، ودارت معركة كبيرة شرسة خسر الرومان جنوداً كثيرة، واستبسل الجيش التدمري حتى كاد ينتصر، ولكن العدد والعدة الرومانية التي فاقت أعداد جيش زنوبيا حسم الأمر، وانهزم الجيش التدمري وقُتِلَ خيرة قادته وتابع أورليان الزحف باتجاه تدمر.

جمعت زنوبيا ما تبقّى من جيشها وطلبت المدد  من الفرس حسب الإتفاقية المنعقدة، فغدروا بها وخذلوها وتركوها وحدها تلاقي مصيرها !

خاض التدمريون معركة وجودية غير متكافئة، وتجمّعوا حول ملكتهم يفتدوها بأرواحهم، واستبسلت زنوبيا بالقتال، ودخل أورليان المدينة رافعاً راية النصر، واستباحها شهراً كاملاً يقتل كل ما وصل إليه سيفه، لا يستثني صغيراً ولا شيخاً ولا امرأةً حتى لا تقوم للعرب بعدها قائمة .

انتهت المعركة...

لم يعرف أحداً نهاية زنوبيا وبقيّ مصيرها لغزّاً، وكل ما قيل عن نهايتها ظنّي لا صحة له !

قالوا:
ساقها أورليان إلى روما مكبلة بقيد من ذهب يليق بها، وأسكنها قصراً قضت فيه بقية حياتها.

وقالوا:
أعدمها أورليان أمام شعب روما.

وقالوا:
احتست السمّ كما فعلت كليوبترا.

وقالوا:
لدغتها الأفعى التي كانت تحتفظ بها.

اختلف الناس بمصير الملكة زنوبيا، واجتمعوا على استمرار حلمها أربعة قرون، حتى جاء الفتح العربي الإسلامي وحقّقه بتحرّير بلاد الشام والعراق ومصر وأفريقيا من رجس الروم وقياصرتهم، والفرس وأكاسرتهم بآن واحد !!

تعليق:
* يوجد في تدمر ينابيع وواحات مياه عديدة، ولكن نبع "أفقا" هو سر حياة المدينة وشريانها، عمره أكثر من سبع آلاف عام، ينبع من مغارات قديمة كبريتية دافئة قدّسها التدمريون منذ القدم، وتداووا بها من الأمراض الجلدية وآلام المفاصل.

استمر نبع أفقا في ضخ المياه من آلاف السنين، واختفت مياهه في ثمانينات القرن الماضي عند إنشاء فندق "الميريديان" جانب النبع (اسمه الآن فندق تدمر الشام)، وتسببت حفريات الأساس في غور مياه النبع وفقدانها !

* مدينة تدمر الأثرية أعجوبة من عجائب الدنيا السبعة، يعرفها من زارها وشاهد آثارها وأطلالها، تتبدل ألوان أطلالها وجبالها حسب انعكاسات شعاع الشمس في كل ساعة تدور الأرض بمحمورها.

12 آب 2017م

معاناة اللاجئين بأمريكا

"اللاجئ شخص أُجبِرَ على ترك بلاده لأمرٍ ما، وغير قادر على العودة مادام السبب قائم"

لقد عانى السوريون خلال السنين الماضية مشقة الحرب والقتل والدمار، فمنهم كابد من البحر وأمواجه، ومنهم أنهِكَ من القفز والجري، ومنهم تعبَ من المشي لمئآت الكيلومترات، ليحط بهم الرحال في بلاد ذات ثقافة ولغة ودين جديد !

ومن السوريين من حالفهم الحظ لتحطّ رحالهم في أمريكا بطلب "إعادة التوطين" ويصبحوا مواطنين بعد مدة زمنية مقررة، فتفاجأوا بتحدّي جديد ومعاناة عدة، منها التواصل مع الآخرين.

إنّ التأقلم بالمجتمع الأمريكي يتطلّبُ جهداً وتضحية للإندماج فيه، فقوانين أمريكا صيغَت لمجتمع عائلي منفتح مغاير للمجتمع السوري البسيط الخالي من التعقيد.

وقد شعر الكثير من السوريين بالإكتئاب لفقدان الهوية الإجتماعية التي تربطهم مع بعضهم ولو على بعد كيلومترات، فتفاجأوا بالمجتمع المادي القائم على المنفعة، والمتفكّك أسَريّاً وإجتماعيّاً، فالجار لا يعرف اسم جاره ولا يكترث به !!

لقد شعر الكثير منهم بالغربة والعزلة والحنين للعودة إلى الوطن رغم توقّعهم الرعب والخوف والموت !!

والذي زاد معاناتهم بأساً تربية الأولاد والتعامل معهم في بلد قوانينه صارمة !

ومن المشاكل التي تواجه أبناءهم في المدارس بمراحلها الإبتدائية والإعدادية والثانوية، اِسْتِئْسادُ بعض الطلاب والتهجّم عليهم لما يسمعون من أخبارٍ باضطهاد حكوماتهم لهم، فيجدُ اللاجئ نفسهُ يصطدمُ بمواقف تزيده إرباكاً وتشوشّاً، وقد تتطور فتصبح ضغطاً نفسياً يزيد لمعاناة أهله !!

إنَّ الكثير من السوريين لا يجرؤون الإعلان عن الممارسات الغير قانونية بحقّ أولادهم، ففي بلادهم  لم يعتادوا الإحتجاج خوفاً من بطش الحكام !

يجب على الأهل تبليغ إدارة المدرسة عن أية إساءة أو عنف أو عنصرية تمارس ضدّ أولادهم وبدون تردّد، فإن لم تستجب الإدارة، فالترفع القضية إلى وزارة التربية، فإن لم تستجب الوزارة، فالترفع إلى المحكمة حتى يعود الحق وتعود الطمأنينة للأبناء !!

4 آب 2018م

الثلاثاء، 19 يونيو 2018

موقف رواه لي أحد أبطاله

شَهِدَت باصات البلدية الخضراء التابعة للنقل الداخلي بمدينة "دمشق" إقبالاً كبيراً من المواطنين، فهي أكثر راحة من ركوب "الميكرو" وأرخص بكثير من ركوب "التاكسي" فسعر تذكرة ركوب الباص للشخص الواحد لا يتجاوز عشرة ليرات سورية.

وقف عمّار بجانب عمه المسنّ "أبو أحمد" الذي تجاوز الخامسة والسبعين من العمر ومعه إبن عمه ينتظرون حافلة خط القصّاع.

جاء الباص وتدافع الناس على الصعود ليحصلوا على مقعدٍ فارغ !

صعد عمّار الباص يساعد عمه "أبو أحمد" فلم يجد مقعداً فارغاً، فنهض شاب من المقعد الأمامي وطلب من العم "أبو أحمد" الجلوس مكانه وبقي الشاب واقفاً مع عمّار وإبن عمه يتمسّكون بالقِشط المربوطة بعامود طويل مثبّتٌ بمنتصف سقف الباص وممتدّّ لآخره، وهذه القِشط مصمّمة خصّيصاً للراكب الذي لا يجد مقعداً شاغراً فيبقى واقفاً متمسكاً بإحداها كي لا يقع على الركاب الجالسين حوله.

نظر عمّار إلى وجه عمّهِ المرهق وجسمه الضعيف فشكر الشاب الذي آثرَهُ مكانه، وحمدَ الله على ثقافة المجتمع السوري في تبجيل كبير السنُّ والتعامل معه بوقار واحترام.

سار الباص بهدوء يعلو عليه ضجيج الشارع، يسرعُ تارة، ويبطئ تارة أخرى تناغماً مع زحمة السير..

وفي إحدى محطات الباص، نزل بعض الركّاب وصعد آخرين، ومن بين الذي صعدوا رجلاً في الثلاثين من عمره يبدو عليه عنصر أمن، وقف في المقدمة ينظرُ إلى المقاعد عسى يجدَ مكاناً يجلس فيهِ !

تحرّكَ الباصُ ورجل الأمن ينظر بتأفّف وسادية وغضب فقال:

آفي مقعد فاضي ؟

فلم يجبه أحد !!

نظر إلى المقعد الذي بجانبه وكان العم "أبو أحمد" يجلس فيه وقال:

قوم من هون ولاك !

يبدو أن العم أبو أحمد لم يسمعه فردّد بصوت مرتفع سمعه كل من في الباص:

إنت مابتسمع ماقلتلك قوم من هون !

نظر أبو أحمد إليه وقال:
حاضر يا إبني..

وقف أبو أحمد وجلس عنصر الأمن..

يقول الراوي..
والله لم يستطع أحد أن يتفوّه بكلمة، ولم يتجرأ عمّار ولا إبن عمه ولا أحد في الباص أن يهمس بحرف..

وسار الباص بصمت، وصَمَتَ معهُ الركّاب من الرعب حتى جاء اليوم الذي كسروا فيه جدار الرعب والصمت هاتفين:

الشعب يريد إسقاط النظام !

19 حزيران 2018م

الاثنين، 21 مايو 2018

نسيت جوّالي

من الناس من هو عبداً لحجر، ومنهم من هو عبداً لبشر، ومنهم من هو عبداً لله، فالعبودية أنواع وكل إنسان له منها نصيب، فإذا كانت العبودية إمتلاك الإنسان للإنسان، فنحن اليوم ملكاً للتكنولوجيا والجوّال، وفي طور عبودية جديدة !

ظهر جهاز الجوّال والنّاس في حاجة إليه، ومازالت الحاجة إليه تزداد حتى أصبح ظلّ من يحمله لا يفارقه أبداً، فهو البريد والهاتف، والوقت والتاريخ، والمفتي والشيخ، والأخ والصديق، والزوج والزوجة والأولاد !!

لقد طغت حاجتنا له حتى أصبحنا غير قادرين بالإستغناء عنه، فخدماته تضيف للحياة جمالاً، كالإتصال المباشر لأي بلد، وإستلام وإرسال المعلومات، وحجز الفنادق في السفر والمطاعم وتذاكر الطيران، بالإضافة لوجود ذاكرة تحوي بيانات وأرقام وأسماء وصور ومقالات الذين نُحبهم وغيرها.

فربّما ينشغلوا الناس عن بعضهم، ولا ينشغلون عن جوّالاتهم وكذلك الأزواج !

دعونا نقولها بصراحة:
أصبحنا عبيداً للجوّال؟!

غادرت منزلي في أحد الأيّام مسرعاً إلى عملي، وبعد أن قطعت عدة كيلومترات في السيارة، تحسست خصري فشعرت أنّي افتقدت جوّالي !

وعادتي عندما أنسى جوّالي أعود لأجله، فهو قرآني وإذاعتي، ومكتبتي وجريدتي، وحاسوبي ومدرستي وكل شيء في يومي !

فيه أخاطب الناس وأشارك المجموعات، وأراجع الحسابات وأجيب على الرسائل، ومع هذا قرّرت أن لا أعود لأجله ولا أكون عبداً له !

أتممت طريقي ومارست عملي بشكل أفضل، فكنت حراً في تفكيري وحراً في إرادتي، فلم أعد أشعر برجّة ولا اهتزاز ولا أسمع رنة ولا طنين، كنت  أشعر بالنصر كلما تحسست خصري ولا أجد جوّالي !

لقد تحررت من جوّالي أو هكذا بدا لي !!

شاهدت مناظر وأماكن جديدة مع أني أمرّ من نفس الطريق كل يوم، كنت سعيداً بمشاهدة المارّة حانيّ رؤوسهم وعاكفين على جوّالهم لا يدرون ما حولهم، بينما أنا شامخ القامة مرفوع الرأس، أرى وأسمع وأدرك كل شيء، فما أجمل المرء مرفوع الجبين بين قوم ناكسيّ الرؤوس !

وفي آخر النهار، شعرت بنشوة تنتابني في الإنتصار على جوّالي، فكان نشيدي في عودتي :

لا للجوّال..لا للعبودية !

ولكن ما إن وصلت بيتي، حتى هرولّت مسرعاً إلى جوّالي أتصفحه، بينما زوجتي تنظر إليّ وتقول:

"ما سَكَتَ جوّالك طوال اليوم !!"

فمتى نتحرّر ؟!

27 شباط 2016م

جزاءً ما كسبت أيدينا

نشأنا في حيٍّ من أحيّاء دمشق القديمة، حيٌ محافظ على القيّم والأخلاق والمبادئ كبقية أحيّاء دمشق والمدن السورية الأخرى.

تربى أطفال الحيّ على مخافة الله وحفظ النعم ومساعدة الآخرين، كانت حياة النّاس بسيطة وخالية من التعقيد، فطابع أحيّاء دمشق وحاراتها متداخلة ومتواصلة مثل طبيعة سكّانها، وبالتالي جميع العائلات الدمشقية تعرف بعضها في كل المناطق.

يوجد في حارتنا ثلاثة أحجار كبيرة تظلّها شجرتان كبيرتان منذ زمن بعيد، إحداها شجرة "كينا" ذات أوراق رائحتها زكية، تحمل ثمر أخضر صغير ذو رأس مدبب، نقطفه ونفتله بأصبعينا على سطح مستوي فيبرم ويدور كالبلبل، والثانية لا أعرف اسمها سوى أنّ ثمرتها خضراء صغيرة كروية مثل الجارنك، يخرج منها وبر ناعم، نغمسها بالكحول ونشعلها لتتقاذفها راحة كفيّنا كالطابة، ونحن نصرخ ونضحك.

فالأحجار والأشجار أيقونة طفولتنا، فعليها نقبع وفوق الأغصان نختبى في لعبة الغمامة (الطمّيمة) !! 

طبيعة دمشق وأحيّاءها في ذلك الزمان متكاتف ومتحد، ولا يستطيع الغريب العبث فيها، فإن رأينا رجل أو امرأة من خارج حيّنا يدخل حارتنا نسأل بلهجة طفولية:

"وين بدّك تروح عمو ؟"
"وين بدّك تروحي خالة ؟"

نطرح سؤالنا من باب المساعدة والفضول، ونمشي بصحبة الزائرين حتى يدخلوا البيت الذي ذكروه، فنحن نعرف كل بيت ومن يقطن فيه !

لقد تربيّنا منذ نعومة أظافرنا على وصية:
"ساعدوا الغريب والمحتاج"

بخلاف تربية الأوربيين لأطفالهم  وعبارتهم:
"لا تتكلّموا مع الغرباء !!"

ومن الأشياء التي تعلّمناها أيضاً منذ الصغر ومازالت متأصلة في داخلنا إلى الآن هي:

"مداراة حفظ النعم"

فإذا سقطت قطعة خبز من أحدنا على الأرض، فيلتقطها ويمسحها ويُقبلها ثلاث مرات مع وضعها على رأسه احتراماً لها، ثمّ يأكلها !

ومن لا يفعل ذلك يُعاقب توبيخاً بالكلام وضرباً على اليدين مع تسميعه عبارة:

"حرام عليك، هي نعمة الله، لمّها وبوسا وحطّها على راسك وكلها"

هكذا تربيّنا منذ الصغر عند سقوط هرهورة خبزة أو كعكة أو حبّة رز، أمّا إن كانت كسرات الخبز من إهمال غيرنا وملقاة في الطريق، فيجب حملها وتقبيلها ووضعها في مكان مرتفع لتأكلها الطيور، لقد تعلمنا احترام نعم الله حتى لا تزول من أيدينا !!

كانت والدتي رحمها الله في كل فترة من الفترات، ترطّب الخبز اليابس بالماء وتأكله رغم وجود خبز طازج أمامها !

حاولت تقليدها فلم استطع ابتلاع الخبز المبلل ولم تستسيغه نفسي، وعندما أسألها:

"لماذا تفعلين هذا يا أمي والخبز التازة موجود أمامك ؟"

كانت تجيبني رحمها الله:

"هكذا كنّا نفعل عندما كنّا صغاراً !"

صراحة لا أدري إصرارها على أكل الخبز اليابس المبللّ أمامنا، هل هو حقّاً حنين الطفولة، أم هو قدوة لنا في حال احتاج الأمر ؟!

في كل الأحوال، هذا ما تربيّنا عليه بالفطرة سواءً كان صح أم خطأ.

هاجرت إلى الولايات المتحدة في الربع الأخير من القرن المنصرم حاملاً معي هذا الموروث الثقافي المحافظ، وتفاجئت بثقافة الشعوب هناك ترمي الطعام والخبز وكثير من النعم في حاويات الزبالة دون مبالاة، وكانت صدمتي أكبر عندما وجدت الجاليات المسلمة تفعل ذلك أيضاً، وخاصة في المراكز الإسلامية والكافتريات الموجودة فيها !!

لم أجد أحداً يلتقط الخبز ويقبله ثلاثاً ويضعه على رأسه ويأكله ويقول:

حرام !!!!!

عدت إلى دمشق بعد غياب طويل وسكنت خارج الحيّ الذي ترعرعت فيه، فوجدت ظاهرة رمي الخبز على الأرض وفي القمامة قد تسللت إلى حارتنا، كأنّ ثقافة احتقار النعم في أمريكا سبقتني إلى دمشق !!

ذهبت إلى حيّنا المحافظ شوقاً إليه، فوجدت كثيراً من معالمه قد تبدّل مثل بقية أحيّاء دمشق الأخرى !

لقد تغيّرت ملامحه وأُدخل عليه طراز العمارة الحديثة، وهُدِمَت بعض منازله الأثرية وأنشأ مكانها أبنية بعدّة طوابق، واخترقت أزقته شوارع عامّة ممّا جعل كثير من أهالي الحيّ يغادروا إلى الريف كبقيّة أهالي الأحيّاء الأخرى !!

وقفت على حافة الرصيف أنظر إلى أيقونة طفولتنا التي كنت أجلس فيها، فوجدت الأحجار كما هي ولكن الشجرتان اختفتا !

سألني أحد أطفال الحيّ وهو يشاهدني أتأمل المكان باستغراب:

"عمو على شو عم ادوّر ؟"

نظرت إليه فرأيت نفسي أسأل غرباء الحيّ في ذاك الزمان، مسحت على رأسه الصغير وقلت:
"أبحث عن طفولتي فوق تلك الأحجار !"

نظر إليّ في دهشة، ولم يفهم شيئاً ممّا قلت !!

بحثت عن رفقاء الحيّ، لقد اشتقت لكل الناس وأريد أن أعرف أخبارهم، اجتمعت بصديقي الحميم، إنّ ملامحه كما هي سوى الشيب قد غزى مفرقه وظهر عليه تعب السنين، سألته عن كل شخص خطر على بالي، فراح يسرد لي ما إِعْتَرَى الناس منذ غادرت الحيّ:

- فلان سافر.
- فلان حرامي.
- فلان مخابرات.
- فلان في السجن.
- فلان في التموين.
- فلان في المحافظة.
- فلان تزوّج ولم نعد نراه.
- فلان عضو مجلس الشعب.
- فلان دكتور بوزارة الصحة.
- فلان ابن حرام يتسلّبط على الناس.
- فلان.. وفلان.. وفلان..

سألته:
وكيف علاقتك معهم ؟

فأجاب:
جيّدة مع البعض، والباقي على الطويل.

قلت: لماذا ؟

أجاب:
ضاعت الثقة بين النّاس وأصبحت العلاقة بينهم حسب المصلحة، لقد تبدّلت النفوس وتكبّرت ونسيّت الخبز والملح !

يا الله "الخبز والملح"، كل الذين ذكرهم لي يوجد بيني وبينهم خبز وملح!!

شرعت أتردد على الحيّ في كل فترة وأصلّي الجمعة في مسجد "أبي ذر الغفاري"، لقد قابلت بعض الذي ذكرهم لي، منهم من أبدى شوقاً وحباً بلقاءي ودعاني إلى بيته، ومنهم من تكلّم بغطرسة وتعالٍ، ومنهم من صرف نظره عنّي، لقد تغيّر القوم كما أخبرني صديقي.

تفقدت بقية الأحيّاء الأخرى لأطمأنّ عنها، فوجدتها منسجمة في ثلاث:

"الأنانية والكراهية واحتقار النعم"

أصبحت غريب في حارتي، وما أصعب المرء أن يكون غريباً في وطنه !

سافرت بحكم مهنتي إلى كافّة محافظات القطر، فوجدتها منحدرة ديناً وأخلاقاً مثل دمشق، فالنّاس تخشى بعضها، وتدوس على النعم وترميها بطراً وتكبّراً !!

لقد أسأنا جوار النعم فنَفَرَت من أيدينا مصداقاً لحديث رسول الله ﷺ عندما رأى في بيته كسرة خبز ملقاة فمسحها وقال:

"يا عائشة أَكْرِمِي جوار نعم الله فإنّ النعمة إذا نَفَرَتْ قلّما تعود"

لقد أخبرني بعض أصحابي المقيمين في دول الخليج، أنّ النعمة هناك تُركل بالأرجل وترمى في الزبالة، وتقذف الخراف المشوية المحشية في ناقلات القمامة كاملة دون أن يلمسها أحد.

لقد وصل جحود النعمة ونكرانها إلى بلاد المسلمين كافّة دون استثناء، وهذا لا يبّشر بخير !!

إذا تأمّلنا حالُنا اليوم بعيداً عن السياسة والحكم، وراجعنا أنفُسنا بدقة وحاسبناها، نجد أننا أعرضنا عن الله وعصيناه، وخالفنا شرعه وحاربناه، وتركنا سنّة نبيه ﷺ، وقبضنا رشوة، وعقّينا والدينا، وتبرّجت نساؤنا، وزادت الخيانة، وفشى الزنى وعمّت الأنانية، فسلَّط الله علينا عدواً من جلدتنا ذاقنا سوء العذاب، فكثر الغلاء والبلاء، وتشرّدت الأسر، ومات الناس جوعاً حتى اشتهت الأطفال قطعة الخبز التي كنّا نبوسها ونضعها على راسنا ونحن صغار !!

وخلاصة القول أنّ حالنا اليوم وما نراه من فقر  وبؤس وخوف وتشريد وقتل وتعذيب، جزاء عمل أيدينا لقوله تعالى:

{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} الروم: 41

والمخرج من هذا البلاء يبدأ بالتوبة إلى الله وترك المعاصي وهجر الشهوات وحب الخير للناس، فيتغير حالنا وتستجاب دعوتنا وينهزم عدونا لقوله تعالى:

{إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} الرعد :11

تمّت

7  نيسان 2016م

حدث في مسجدنا.. لا تؤخِّروا الجنازة.. الجنازة أولاً..

آخر ما ينتفع به الميت في الدنيا هو الصلاة عليه والدعاء له. ومن المؤسف أن يُبتلى بعض أئمة المساجد بتقديم صلاة السُّنّة البعدية على صلاة الجنا...