الثلاثاء، 19 يونيو 2018

موقف رواه لي أحد أبطاله

شَهِدَت باصات البلدية الخضراء التابعة للنقل الداخلي بمدينة "دمشق" إقبالاً كبيراً من المواطنين، فهي أكثر راحة من ركوب "الميكرو" وأرخص بكثير من ركوب "التاكسي" فسعر تذكرة ركوب الباص للشخص الواحد لا يتجاوز عشرة ليرات سورية.

وقف عمّار بجانب عمه المسنّ "أبو أحمد" الذي تجاوز الخامسة والسبعين من العمر ومعه إبن عمه ينتظرون حافلة خط القصّاع.

جاء الباص وتدافع الناس على الصعود ليحصلوا على مقعدٍ فارغ !

صعد عمّار الباص يساعد عمه "أبو أحمد" فلم يجد مقعداً فارغاً، فنهض شاب من المقعد الأمامي وطلب من العم "أبو أحمد" الجلوس مكانه وبقي الشاب واقفاً مع عمّار وإبن عمه يتمسّكون بالقِشط المربوطة بعامود طويل مثبّتٌ بمنتصف سقف الباص وممتدّّ لآخره، وهذه القِشط مصمّمة خصّيصاً للراكب الذي لا يجد مقعداً شاغراً فيبقى واقفاً متمسكاً بإحداها كي لا يقع على الركاب الجالسين حوله.

نظر عمّار إلى وجه عمّهِ المرهق وجسمه الضعيف فشكر الشاب الذي آثرَهُ مكانه، وحمدَ الله على ثقافة المجتمع السوري في تبجيل كبير السنُّ والتعامل معه بوقار واحترام.

سار الباص بهدوء يعلو عليه ضجيج الشارع، يسرعُ تارة، ويبطئ تارة أخرى تناغماً مع زحمة السير..

وفي إحدى محطات الباص، نزل بعض الركّاب وصعد آخرين، ومن بين الذي صعدوا رجلاً في الثلاثين من عمره يبدو عليه عنصر أمن، وقف في المقدمة ينظرُ إلى المقاعد عسى يجدَ مكاناً يجلس فيهِ !

تحرّكَ الباصُ ورجل الأمن ينظر بتأفّف وسادية وغضب فقال:

آفي مقعد فاضي ؟

فلم يجبه أحد !!

نظر إلى المقعد الذي بجانبه وكان العم "أبو أحمد" يجلس فيه وقال:

قوم من هون ولاك !

يبدو أن العم أبو أحمد لم يسمعه فردّد بصوت مرتفع سمعه كل من في الباص:

إنت مابتسمع ماقلتلك قوم من هون !

نظر أبو أحمد إليه وقال:
حاضر يا إبني..

وقف أبو أحمد وجلس عنصر الأمن..

يقول الراوي..
والله لم يستطع أحد أن يتفوّه بكلمة، ولم يتجرأ عمّار ولا إبن عمه ولا أحد في الباص أن يهمس بحرف..

وسار الباص بصمت، وصَمَتَ معهُ الركّاب من الرعب حتى جاء اليوم الذي كسروا فيه جدار الرعب والصمت هاتفين:

الشعب يريد إسقاط النظام !

19 حزيران 2018م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

حدث في مسجدنا.. لا تؤخِّروا الجنازة.. الجنازة أولاً..

آخر ما ينتفع به الميت في الدنيا هو الصلاة عليه والدعاء له. ومن المؤسف أن يُبتلى بعض أئمة المساجد بتقديم صلاة السُّنّة البعدية على صلاة الجنا...