الاثنين، 21 مايو 2018

نسيت جوّالي

من الناس من هو عبداً لحجر، ومنهم من هو عبداً لبشر، ومنهم من هو عبداً لله، فالعبودية أنواع وكل إنسان له منها نصيب، فإذا كانت العبودية إمتلاك الإنسان للإنسان، فنحن اليوم ملكاً للتكنولوجيا والجوّال، وفي طور عبودية جديدة !

ظهر جهاز الجوّال والنّاس في حاجة إليه، ومازالت الحاجة إليه تزداد حتى أصبح ظلّ من يحمله لا يفارقه أبداً، فهو البريد والهاتف، والوقت والتاريخ، والمفتي والشيخ، والأخ والصديق، والزوج والزوجة والأولاد !!

لقد طغت حاجتنا له حتى أصبحنا غير قادرين بالإستغناء عنه، فخدماته تضيف للحياة جمالاً، كالإتصال المباشر لأي بلد، وإستلام وإرسال المعلومات، وحجز الفنادق في السفر والمطاعم وتذاكر الطيران، بالإضافة لوجود ذاكرة تحوي بيانات وأرقام وأسماء وصور ومقالات الذين نُحبهم وغيرها.

فربّما ينشغلوا الناس عن بعضهم، ولا ينشغلون عن جوّالاتهم وكذلك الأزواج !

دعونا نقولها بصراحة:
أصبحنا عبيداً للجوّال؟!

غادرت منزلي في أحد الأيّام مسرعاً إلى عملي، وبعد أن قطعت عدة كيلومترات في السيارة، تحسست خصري فشعرت أنّي افتقدت جوّالي !

وعادتي عندما أنسى جوّالي أعود لأجله، فهو قرآني وإذاعتي، ومكتبتي وجريدتي، وحاسوبي ومدرستي وكل شيء في يومي !

فيه أخاطب الناس وأشارك المجموعات، وأراجع الحسابات وأجيب على الرسائل، ومع هذا قرّرت أن لا أعود لأجله ولا أكون عبداً له !

أتممت طريقي ومارست عملي بشكل أفضل، فكنت حراً في تفكيري وحراً في إرادتي، فلم أعد أشعر برجّة ولا اهتزاز ولا أسمع رنة ولا طنين، كنت  أشعر بالنصر كلما تحسست خصري ولا أجد جوّالي !

لقد تحررت من جوّالي أو هكذا بدا لي !!

شاهدت مناظر وأماكن جديدة مع أني أمرّ من نفس الطريق كل يوم، كنت سعيداً بمشاهدة المارّة حانيّ رؤوسهم وعاكفين على جوّالهم لا يدرون ما حولهم، بينما أنا شامخ القامة مرفوع الرأس، أرى وأسمع وأدرك كل شيء، فما أجمل المرء مرفوع الجبين بين قوم ناكسيّ الرؤوس !

وفي آخر النهار، شعرت بنشوة تنتابني في الإنتصار على جوّالي، فكان نشيدي في عودتي :

لا للجوّال..لا للعبودية !

ولكن ما إن وصلت بيتي، حتى هرولّت مسرعاً إلى جوّالي أتصفحه، بينما زوجتي تنظر إليّ وتقول:

"ما سَكَتَ جوّالك طوال اليوم !!"

فمتى نتحرّر ؟!

27 شباط 2016م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

حدث في مسجدنا.. لا تؤخِّروا الجنازة.. الجنازة أولاً..

آخر ما ينتفع به الميت في الدنيا هو الصلاة عليه والدعاء له. ومن المؤسف أن يُبتلى بعض أئمة المساجد بتقديم صلاة السُّنّة البعدية على صلاة الجنا...