الثلاثاء، 7 أغسطس 2018

زنوببا ملكة الشرق

"هذا ليس بحثاً أكاديماً وإنما تسليط الضوء على حقبة زمنية تاريخية معينة قادتها شخصية عربية فذّة، ماتت في سبيل تحقيق حلمها بتحرير بلادها، وتركت بصمة ثقافية وحضارية، شنّ عليها الغرب مؤخراً حرباً ضروساً ممنهجاً دمّرَ شواهدها، ونهبَ كنوزها، وطمسَ تاريخها !"

القرن الثالث الميلادي...
كاد أن يفقد عقله حين رأى صورتها صكّت على نقود معدنية برونزية، وأنباء تنكيس علم روما الإمبراطوي من ساحات تدمر ومرتفعاتها، مما جعلهُ يعقد اجتماعاً طارئاً لكبار ضباطه وقادته، ويصدر أمراً بزحف الجيوش باتجاه الشرق لتأديب زنوبيا !!!

تتربع تدمر في وسط الصحراء السورية بين إمبراطوريتين عظيمتين متصارعتين، فارس من الشرق وروما من الغرب، وتقبع على أحد الطرق التجارية الهامة كوسيطة ومحطة لنقل التوابل والحرير ومنتوجات أخرى بين الصين وموانئ البحر الأبيض المتوسط، ومنها إلى روما التي تعامل تدمر كمستعمرة لها.

كان التدمريون يتكلمون الآرامية كلغة رسمية مع عدة لغات أخرى، ويحبون التجارة والعمل بها، فنظامهم الإجتماعي قائم عليها، وسمعتهم الحسنة بين القوافل التجارية العابرة جعلتهم يتوسعون في خدمة التجار والمسافرين والزائرين، ويؤمّنون لهم البضائع والمنتوجات وخدمات الإقامة.

استولى الفرس الساسانيون على الطرق التجارية المائية المارة إلى الخليج العربي عبر دجلة والفرات، وفقد التدمريون السيطرة عليها فعرّضتهم لضائقة مالية كبيرة لم تستطع روما مساعدتهم في اجتيازها، مما جعل الحاكم العربي التدمري أُذيّنة (زوج زنوببا) يعدّ العدة لإنقاذ بلاده من أزمتها، وتحرير الممرات التجارية من براثن الفرس.

شنّ أُذيّنة هجومين عنيفين على الفرس الساسانيين وقهرهم بأماكن عدة، واستعاد الطرق التجارية البرية والنهرية مما جعل روما تحسب تحركاته وتراقبه عن كثب ولقبته بملك الشرق.

ساهم أذينة بمشروعات الإمبراطورية الرومانية ومناوراتها العسكرية وأصبح الحامي الفعلي لحدودها الشرقية.

كان حلم أذينة إستقلال بلاده التام من تبعية روما، وهذا يحتاج لدراسة وإعداد وبناء قوة مكافئة وقادرة على مجابهتها !

طوّر أُذيّنة الزراعة وأعتنى بكافة أنواعها، ومدَّ أقنية الريّ ونظّمها، وأقام السدود لجمع المياه وتوزيعها، وحفر آبار الشرب وجرّها إلى داخل المدينة لصالح شعبه واستقطاباً للقوافل.

ازدهرت تدمر اقتصادياً، واستطاع ملكها أذيّنة تطوير جيشه، فرفع قدراته العسكرية أثارت مخاوف روما من تمرّده وانفصاله عنها فقتلوه غيلة وبطريقة غامضة !!

اعتلت زنوبيا عرش تدمر بعزم وإصرار لتحقيق حلم زوجها وتحرير بلاد الشام من الإستعمار الروماني المستبدّ.

امتازت زنوببا بالذكاء والحكمة ورجاحة العقل، وأجادت اللغة العربية والآرامية والفارسية واليونانية ومطالعة التاريخ وكتب الفلاسفة، واحترفت الفروسية فكانت من أشد الفرسان لا تتردّد باتخاذ القرار، وتسير مع الجيش مشياً على الأقدام مسافات طويلة، وتجلس مع شعبها تأكل الطعام كواحدة منهم، وتلبس الرداء الملكي كاشفة ذراعها الأيمن.

هذه هي الملكة التدمرية السمراء، العربية الأصيلة، ذات الشعر الناعم الطويل، والوجه المبتسم الجميل، والأسنان البيضاء الناصعة، والعينين السوداوين الواسعتين، والرموش الطويلة، والشفتين الممثلئين، والفم الصغير، والصوت الإنثوي الجهوري التي جمعت المجد والجمال والسلطة والعفة والشرف، فما سمحت لرجل يلمسها بعد زوجها !

كانت أحلامها عظيمة، أولها إنشاء إمبراطورية عربية مستقلة الإرادة تنعم بالحرية والكرامة والرخاء، وتصنع تاريخها بنفسها.

أطلقت زنوبيا الحريات، وخفضّت من الضرائب، وفتحت باب العلوم، وألغت قيود التجارة، ووسّعت الطرق الرئيسية والفرعية، فظهرت طبقة التجار والمهندسين وأصحاب المهن والكهنة وتخصصوا بإدارة المدينة.

ازدهرت تدمر ونشطت بشكل واسع في كل النواحي الإقتصادية والتجارية والمعمارية والدينية، فأنشأوا معابد لجميع آلهة القوافل، وقصور وقاعات طعام ومقاهي وساحات اجتماع، وتفننوا ببناء المدافن والقبور حسب عادات الشعوب وتقاليدهم، وأشادوا حمّامات السباحة الطبّية بمياه أفقا الكبريتية المقدّسة (نبع ماء)، فغدت تدمر منتجعاً عالمياً يتوفر فيه كل أسباب السعادة والرفاهية. 

امتلأت خزائن المملكة من عائدات الضرائب وتحصيلها، وخصّص قسم لتدريب وتحسين قدرات الجيش وإمداد فيالقه بأحدث الأسلحة.

امتزجت تدمر بفن العمارة الشرقية الرومانية اليونانية، وغدت أجمل المدن، فنافست روما بمكانتها وعظمتها وقدراتها العسكرية، وتحدثت القوافل برحلاتها عن مكانة تدمر وأهميتها وأمان وأمن وحرية من يعيش فيها، فقصدها المهاجرون من كل حدب ليقيموا بها، وجاء أصحاب الأموال ليستثمروا فيها، وزارها المهندسين ليتعلموا إشادة المدن وتخطيط الشوارع.

ظهر في روما بعض المعارضين لحكم أورليان، وحدثت بعض القلاقل السياسية والإجتماعية جعلت زنوبيا تستغل هذ الأحداث بتحقيق حلمها !!

بدأت أولاً بتحرير المناطق القريبة منها، ثمّ أرسلت جيوشها بكل الاتجاهات تسترد مدينة تلوى الأخرى وتضمّها لمملكتها حتى حكمت من شواطئ البوسفور بآسيا الصغرى شمالاً، إلى نهر النيل بمصر جنوباً، ومن ضفاف دجلة شرقاً إلى البحر الأبيض المتوسط غرباً، وجرّت مياه الفيجة من نهر بردى بدمشق إلى تدمر عبر الصحراء داخل أقنية فخارية، وروت شعبها من مياه الفيجة، وأعلنت تدمر عاصمة لمملكتها.

حقّقت الملكة كل الإنجازات وهي تتعامل بالنقود الرومانية المصكوكة بوجه الإمبراطور أورليان، وترفع راية روما بالساحات حسب نصيحة مستشاريها، كانت لا تقطع أمراً إلا باستشارتهم، فهي مسؤولة عن شعب يحبها ويثق بها ويفتديها، وتشاطره المحبّة والثقة، وتجلس بينهم كواحدة منهم !

لم يخفى على الإمبراطور أورليان ما يجري في تدمر وما تفعله زنوبيا، كانت العيون تأتيه بكل الأخبار، ولكن الإحتجاجات والقلاقل السياسية بروما منعته من التحرّك.

كان الساسانيون الفرس يتابعون ما يجري في تدمر مسرورين بسوء العلاقة بين الملكة وروما، ولا يخفون فرحتهم بما حقّقته من انتصارات، وكانت فرصتهم لعقد تحالف دفاع مشترك ضد روما وافقت زنوبيا مباشرة عليه.

لم تهدأ الملكة زنوبيا طوال فترة حكمها، ولم تدّخر جهداً في تحقيق حلمها الذي نذرته من أجل الحرية والذي بقي خطوة أخيرة لتحقيقه، وهي تنزيل علم روما من ساحات تدمر، وتداول نقود جديدة تحمل صورتها فتصبح بلادها مستقلة ذات سيادة تامة وإرادة حرّة.

لم يغب عنها خطورة وحساسية الأمر، ولهذا أكدّت عقد التحالف الدفاعي المشترك مع الفرس رغم علمها بحقدهم وغدرهم، ولكن كان التحالف لا بد منه.

عقدت عدة اجتماعات مع قادتها ومجلس شيوخها الإستشاري لتتدارس احتمالات ردّات فعل روما، وبعد نقاشات عديدة، اتخذ مجلس الشيوخ القرار بإعلان الإمبراطورية العربية المستقلة !

صكَّ التدمريون النقود البرونزية عليها صورة ملكتهم (أول ملكة تضع صورتها على النقود)، فهبطت قيمة النقود الرومانية، ونُكِسَت أعلام روما من الساحات والأقاليم التابعة لتدمر، ورفرَفَ العلم العربي التدمري وحده بجميع أنحاء سوريا !

كاد أورليان أن يفقد صوابه حين رأى صورتها صكّت على النقود، وراية روما أزيلت من الساحات، فعقد اجتماعاً طارئاً لكبار ضباطه وزحف بالجيوش باتجاه الشرق لتأديبها !!

طلب مستشاري زنوبيا بقاءها بتدمر وإرسال خيرة مقاتليها لملاقاة الروم.

التقى الجيشان بإنطاكية، ودارت معركة كبيرة شرسة خسر الرومان جنوداً كثيرة، واستبسل الجيش التدمري حتى كاد ينتصر، ولكن العدد والعدة الرومانية التي فاقت أعداد جيش زنوبيا حسم الأمر، وانهزم الجيش التدمري وقُتِلَ خيرة قادته وتابع أورليان الزحف باتجاه تدمر.

جمعت زنوبيا ما تبقّى من جيشها وطلبت المدد  من الفرس حسب الإتفاقية المنعقدة، فغدروا بها وخذلوها وتركوها وحدها تلاقي مصيرها !

خاض التدمريون معركة وجودية غير متكافئة، وتجمّعوا حول ملكتهم يفتدوها بأرواحهم، واستبسلت زنوبيا بالقتال، ودخل أورليان المدينة رافعاً راية النصر، واستباحها شهراً كاملاً يقتل كل ما وصل إليه سيفه، لا يستثني صغيراً ولا شيخاً ولا امرأةً حتى لا تقوم للعرب بعدها قائمة .

انتهت المعركة...

لم يعرف أحداً نهاية زنوبيا وبقيّ مصيرها لغزّاً، وكل ما قيل عن نهايتها ظنّي لا صحة له !

قالوا:
ساقها أورليان إلى روما مكبلة بقيد من ذهب يليق بها، وأسكنها قصراً قضت فيه بقية حياتها.

وقالوا:
أعدمها أورليان أمام شعب روما.

وقالوا:
احتست السمّ كما فعلت كليوبترا.

وقالوا:
لدغتها الأفعى التي كانت تحتفظ بها.

اختلف الناس بمصير الملكة زنوبيا، واجتمعوا على استمرار حلمها أربعة قرون، حتى جاء الفتح العربي الإسلامي وحقّقه بتحرّير بلاد الشام والعراق ومصر وأفريقيا من رجس الروم وقياصرتهم، والفرس وأكاسرتهم بآن واحد !!

تعليق:
* يوجد في تدمر ينابيع وواحات مياه عديدة، ولكن نبع "أفقا" هو سر حياة المدينة وشريانها، عمره أكثر من سبع آلاف عام، ينبع من مغارات قديمة كبريتية دافئة قدّسها التدمريون منذ القدم، وتداووا بها من الأمراض الجلدية وآلام المفاصل.

استمر نبع أفقا في ضخ المياه من آلاف السنين، واختفت مياهه في ثمانينات القرن الماضي عند إنشاء فندق "الميريديان" جانب النبع (اسمه الآن فندق تدمر الشام)، وتسببت حفريات الأساس في غور مياه النبع وفقدانها !

* مدينة تدمر الأثرية أعجوبة من عجائب الدنيا السبعة، يعرفها من زارها وشاهد آثارها وأطلالها، تتبدل ألوان أطلالها وجبالها حسب انعكاسات شعاع الشمس في كل ساعة تدور الأرض بمحمورها.

12 آب 2017م

هناك تعليق واحد:

  1. لك انت جحش شي ؟
    من وين لوين عملت زنوبيا عربية يلعن شواربك

    ردحذف

حدث في مسجدنا.. لا تؤخِّروا الجنازة.. الجنازة أولاً..

آخر ما ينتفع به الميت في الدنيا هو الصلاة عليه والدعاء له. ومن المؤسف أن يُبتلى بعض أئمة المساجد بتقديم صلاة السُّنّة البعدية على صلاة الجنا...