الثلاثاء، 9 ديسمبر 2025

حين عادت الشام إلى وجهها الحقيقي

قوافلٌ لا تُحصى من السيارات، تتدفق في شوارع الشام كنبضٍ عائدٍ من الموت، محمّلة بوجوهٍ أنهكتها السنين، وبأعلام الجمهورية العربية السورية الحديثة التي ترفرف كقلوبٍ ماتت ثم عادت تنبض من جديد.

في هذا اليوم، ذكرى العام الأول لتحرر الشام من قبضة الاستبداد، بدا الهواء نفسه كأنه يبكي ويضحك في اللحظة ذاتها.

الأناشيد الثورية تندفع من نوافذ السيارات، كأنها في رحلة طويلة منذ سنوات لم تجد جواباً إلا الآن.

السوريون يصرخون، يهتفون، يبتسمون بدموعٍ جافة من الفرح، كل سيارة تحمل نشيداً، وكل نشيد يحمل جرحاُ، وكل جرح يحمل وطناً كاملاً على كتفيه.

لكن سبعة كلمات من نشيداً واحداً  اخترقني: مهما جاروا عليه وداروا، وطني مقدسين حجاروا.

لا أعرف من صاحبه، ولا من نظم كلماته، لكن ما أعرفه أن روحي ارتجفت لحظة سمعتها، كنت على شرفة بيتي أرفع علماً (كان من يرفعه قبل التحرير يضحّي بحياته)، علماً يشبه الذاكرة أكثر مما يشبه القماش، كل خيط فيه حكاية معتقل، وكل نجمة فيه نصفُ مليون شهيد، وكل لون يحمل وجوه الثكالى والأرامل، وكل نبضة فيه تُعيد إلى الذاكرة ملايين شُرّدوا وفكرة العودة لم تغادرهم يوماً، ويديّ تلوحان به كأنما تسابقان الريح.

نعم… حجارة بلدي مقدّسة، أرضٌ باركها الأنبياء، ألم يذكرها رسول الله ﷺ ويشر إلى أن الملائكة تبسط أجنحتها عليها، الم يقل ﷺ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا في شَامِنَا؟

للمرة الأولى شعرت بأنني أنتمي إلى وطن، وأن العلم الذي أرفعه هو جزء من كياني، ساعات قضيتها على الشرفة حتى خارت ذراعاي، كأنني أحمل على كتفي ثقل وطن كامل، لا مجرد قطعة قماش، عندما أرفع علمي، يفيض فيّ شعور الانتماء لبلدي الحقيقي، ذلك العلم الذي نرفعه كلّفَ مليون معتقل، ومليون ونصف شهيد، وأربعة عشر مليون مهجر ونازح، ومنه أحسّ بوجع من ضحّى، وبقوة الروح التي ما زالت تنبض فيه.

ومع ذلك لم أستطع التوقف، فالناس من السيارات يلوّحون لي، من الأرصفة، من النوافذ، كأننا جميعاً نكمل حركةً إيقاع بدأها أول شهيدٌ ولم يُكملها.

وعلى طرف المشهد الآخر، هناك في الظلال، يقبع الخائنون، والانفصاليون، والفلول، والشبيحة، والمكوعون، الذي اعتادوا العيش على قهرنا وإذلالنا، فتكدّرت أرواحهم اليوم، يظنون أن صمتنا يعني استسلامنا، فإذا بالحق يرتفع ويثور على كل طاغية حاول دفن الوطن، وأرواح تنهض بعزّة لم تنكسر، وأيادي تلوّح، لتعلن أن الكرامة حيّة، وأن الأمل لا يموت، شعبٌ كان يُراد له أن يُمحى فإذا به يعود، يهتف، يغني، ويُلوّح لسماءٍ بدأت أوّل خيوطها تتطهّر.

هذا اليوم ليس مجرد احتفال، بل روحٌ تعود إلى جسدها بعد غياب، تحمل كل ما فينا من تناقضات: تحمل صرخة، ودمعة، وثورة، وفرح، ووجع، ويأسٌ يغتسل بالأمل، وغضبٌ يرقد تحت السكينة، وحزنٌ يتطهّر ليبدأ الصلاة براحة وطمأنينة.

هذا اليوم… كان وجه سوريا الحقيقي!!

الاثنين، 8 ديسمبر 2025

الذكرى الأولى لفتح دمشق...ميلاد زمن سوري جديد

لم تكن بلاد الشام بمنأى عن الغزوات والقهر عبر تاريخها، غير أن وطأة بعض المآسي لا تُقاس بزمان حدوثها بقدر ما تُقاس بعمق الجرح الذي تخلفه.

ومن المؤسف أن ما خلّفته الغزوات عبر التاريخ لا يوازي ما تركه النظام البعثي الأسدي الاستبدادي الحديث من ألم وآهات وجروح وندوب عميقة في وجدان المجتمع السوري.

لقد تفوّق نظام حافظ وبشار الأسد على أسوأ حقب القمع بنسخته الأمنية، وبطشه المنهجي، وجرائمه بحق المجتمع والدولة معاً.

فعلى مدى ستة عقود كاملة، وجد السوريون أنفسهم تحت حكمٍ جعل من الدولة هيكل فارغ، وحوّل مؤسساتها إلى أدوات للسيطرة، فقلَبَ المجتمع إلى ساحة خوف تُحكم بالرعب والترهيب.

لقد تخطّى الاستبداد حدود القمع المعتاد، ليتحوّل إلى مشروع طمس الوعي، وإخراس الأصوات، وتفكيك البنية الوطنية، في سبيل ترسيخ سلطة لا تُحاسَب ولا تُراجَع، ولا ترى في الوطن إلا مزرعة تُدار لخدمة الحاكم وشبكاته الأمنية.

وفي ظل هذا النمط من الحكم، تآكلت الحياة العامة، وتراجع دور القانون، وانكمشت مساحة الأمل، حتى اختنق المجتمع تحت سطوة الأمن واحتكار السلطة وتغوّل الأجهزة، ونتيجة لذلك، نشأت شريحة من “التشبيح الشعبي” وظفت نفسها لصالح هذا النظام المجرم، متباهية بالتقاط الصور مع زعماء مليشياته الطائفية لتستقوي على أهلها وجيرانها وتتعالى عليهم.

واليوم، في الذكرى الأولى لفتح دمشق وتحريرها من رجس الأسد ونظامه، عمَّ الأمان على كل أبناء سوريا باختلاف انتماءاتهم، ليتمكنوا من عبور مصالحة وطنية شاملة.

فتحرير دمشق لم يكن سقوط منظومة بشار الأسد وأبوه فحسب، بل بدء رحلة استعادة وطن نُهبت روحه، وإعلان فجرٍ تُحفظ فيه الكرامة قبل أي شيء.

إنها اللحظة التي يقول فيها السوريون بصوت واحد: إن زمن الحكم الفردي المطلق قد انطوى، وإن الإرادة الشعبية اليوم هي التي تكتب الصفحة الأولى في كتاب سورية الجديد.

يا لها من ذكرى كسرِ قيدٍ أنهك البلاد، وبنى فوق صدور أهلها جبالاً من الفساد، فتخلخلت القيم، وانحرفت الأخلاق، وتحوّلت المدن إلى ساحات يعبث فيها التائهون، والمستهترون، وشذّاذ الآفاق.

يا لها من لحظة يرتفع فيها الوعي الجمعي، ليشهد أن الشعوب، مهما طال صبرها، قادرة على كسر الخوف وإشراق الحرية، وإسقاط أكثر الأنظمة صلابةً ووحشيّة.

فمن الآن فصاعداً، لن يجد خائنٌ ولا انفصالي، ولا مستبد ولا مفسد، ولا شبيح، موطئ طمأنينة، سيبقون في قلق، فالأوطان لا تفتح ذراعَيها للغدر والخيانة، فلا نامت أعين الجبناء.

عاشت سوريا حرّة أبيّة...

السبت، 6 ديسمبر 2025

إلى الشعب السوري

انفجرت أنوار النصر في هذه الأيام، فطفحت بها صدورنا سروراً، وغمرت قلوبنا بهجةً واحتفالا، حتى بدا وكأنّ موسمي الفطر والأضحى قد التقيا معاً، وانسكبا في أرواحنا نوراً وطمأنينة.

عيدُ تحرير سوريا من رجس نظام الأسد يومٌ من أيام الله الخالدة التي يختصّ بها عباده، يومٌ يلمع في الذاكرة كما لمع فتح مكة حين فتحت أبوابها، وامتلأت قلوب الصحابة سعادةً وسرورا.

من لم يشعر بأنفاس الفرح تعصف به، ويرقص قلبه طرباً في هذه الأيام، فليصغِ إلى داخله، وليفتّش في ضميره وإيمانه، ولينظر في روحه ودينه: هل ما يزال يحمل جذوةَ الانتماء لهذا الوطن؟

الجمعة، 5 ديسمبر 2025

بين خطيب الجمعة وشعبٌ ينتظر العصا التي تردعه

ما إن انقضت خطبة الجمعة، حتى سارعت إليه قبل أن ينهض من مقامه، وجلست إلى جواره كمن يسابق الوقت، كلّي رغبة أن أبوح له بما يختلج في صدري، حدّثته همساً وجهاً لوجه، وتلقّف الناس همسي بعيون تستفهم وتتطفّل عمّ يتحدث هذا الرجل وخطيب الجمعة، وما الذي يدور بينهما؟
وهذا كان الحوار…

كانت خطبة الشيخ، حفظه الله، من أبدع ما نقد في علل المجتمع السوري، فقد لامس جراح الأنانية والأنا، وتطرّق إلى الإيثار والاثرة، وبيّن كيف أن الأولى تسمو بالروح فترجّح راحة الغير على رغبات النفس، واستشهد بإيثار الأنصار للمهاجرين، وكيف جعلوا من الكرم مذهباً ومن العطاء ديناً. ثم عرّج على الأثرة، تلك الأنانية العمياء، وضرب أمثلة مؤلمة لمن يركن سيارته وسط الطريق ليبتاع علبة دخان، أو لمن ينفث دخانه داخل الحافلة غير آبهٍ بأحد، فجاء لومه موجهاً إلى أولئك الذين يقدّمون ذواتهم على الآخرين بلا وازع ولا حياء.

وفي الخطبة الثانية، ازداد جمال حديثه حين دعا الناس إلى صون ثمار النصر، وحراسة مكتسبات الثورة، وبيّن واجب الأمة تجاه هذه الأمانة.

وما إن أنهى حديثه، حتى أسرعت إليه أشكره على كلماته العذبة، ثم قلت له:
يا شيخ، إن ما نراه من تجاوزات ليس وليد اللحظة، بل هو إرث ثقيل تراكم عبر عقود من استبداد النظام الأسدي البائد، ذاك الذي أفسد الذوق العام، حتى صار من يوقف سيارته عشوائياً لا يرى في فعله خطأ، لأنه يرى الجميع يفعلون الشيء ذاته، ومن يدخّن في الحافلة، يفعلها مطمئناً لأن السائق نفسه يفعلها أمامه.

قلت له: يا شيخ، لقد ذكرتَ المسبِّب ولم تشر إلى السبب، تحدّثت عن فرعون ولم تُبرز عصا موسى، فانظر إلى الغرب يا شيخ، إلى أمريكا واوروبا: لا يخاف الناس هناك من الله، ولا من عيسى عليه السلام، ولا من الكنيسة، بل يخافون من القانون لأنه فوق جميع المسؤولين، بفضله تشكّلت ثقافتهم، انضباط في السير، نظافة في الشوارع، احترام للآخرين.

أما عندنا، فالناس إلا من رحم ربك، لا يخافون لا من الله، ولا من محمد صلى الله عليه وسلم، ولا من القانون، لأن واضع القانون هو أول من داسه خمسين عاماً، حتى ولدت ثقافة الأنا وعدم الاكتراث.

ثم قلت له:
يا شيخ، فرعون استخف قومه فأطاعوه، وسحر أعينهم بحبالٍ ظنوها أفاعي، حتى جاء موسى بعصاه، فإذا هي حقيقة تبتلع الوهم، فأيقن السحرة بالحق وسجدوا.

أنت تخاطب الناس يا شيخ، والناس بسطاء تشكّلت طباعهم عبر عقود، ولكن صوتك ينبغي أن يبلغ المسؤولين، فهم من بيدهم العصا التي تردع الأنا والفرعنة، والعصا اليوم هي القانون.

إن غرامة رادعة كفيلة أن تلجم من يتجاوز القانون، وإن تطبيق المخالفة على من يركن سيارته بصف مزدوج سيجعله يفكر ألف مرة قبل أن يكررها، هذا الصوت يجب أن يصل إلى من يملك القرار، حتى نرى ثمرة الوعظ تتحقق في الواقع.

سألني الشيخ عن اسمي، ثم قال: بلغهم أنت، فأنت من جملة المصلين.

فأجبته بأني ذهبت منذ أشهر إلى محافظة دمشق وإلى المكتب التنفيذي، وحدثت رئيسه بكل ما ذكرت، فأحال الأمر إلى مجلس الشعب الذي لم يُشكَّل بعد، ثم طلبت من الشيخ أن نذهب معاً إلى المحافظ، فهو صاحب كلمة مسموعة، فشكرني وقال: مهمتي أن أذكّر المصلين… وهم من يوصل الرسالة إلى المسؤولين.
وانتهى الهمس بيني وبينه...

ويبقى السؤال معلّقاً في هواء البلاد:
متى ينهض الشعبُ ليقف في وجه الإهمال، ويكسرُ دائرة الفوضى، ويصدُّ الاعتداء على الحقّ العام واستباحته؟
متى يستعيد الناسُ صوتهم، ليعيدوا للأرض هيبتها، وللعدالة مكانها؟

الاثنين، 1 ديسمبر 2025

كلمة في الخاطرة

الحمدُ لله الذي شاء أن يولد فجرُ خلاصِنا من سطوةِ بشار الأسد وعصابته في كانون، لا في تشرين، لئلّا تلتبس في الذاكرة صرخاتُ الحرية، بنهيق الحركة التصحيحية، ولا تختلط نارُ تحرير الشام ببنادق مهزلة حرب تشرين.

هكذا جاء كانونُنا والحمد لله، فاصلاً حادّاً، يقطع خيط اجرام بشار الأسد وأبوه حافظ، وشبيحته وأعياده، كما يقطع البردُ عظامَ الليل.

الخميس، 27 نوفمبر 2025

من دماء الشهداء ودموع الأمهات… وُلدت الحرية

استجابة لطلب أم أحد الشهداء قالت لي: اكتب عن الشهداء… فدمُ ابني لم يجف بعد.

فأجبتها: إن دماءهم ليست حكاية تُروى، بل قلب ينبض في عروق سوريا ويصرخ بالحياة.

هم الذين نفخوا أرواحهم في وجه القمع فاهتزَّت أركان الظلم، ومسحوا سواد الليل عن سماء الوطن، فانشقَّ الليل بفجرٍ يزهر كرامة، ويعلن أن الشام تولد من جديد بين الألم والدم، صارخاً:
الحرية لم تمت بعد.

ابشري يا أمَّ الشهيد…
ففي كلِّ قطرةٍ من دمائهم سقطَ طاغية، ونهضَ وطنٌ يستجمع شجاعته من جديد.

ابشري يا أمَّ الشهيد…
فرفاق ابنكِ ما خانوا العهد، جاءوا يحملون راية الحرية على أكتافهم، ليُثبتوا أن قطرة دمٍ واحدة أقوى من أنظمة الطغيان كلها، وأرسخ من الفرعون بشار وأبيه حافظ الأسد ونظامه الذي ظنّ أنه لا يُهزم.

ابشري يا أمَّ الشهيد…
فدمُ ابنكِ لم يذهب سُدى، بل روى التراب السوري ليشتدّ عوده، فبهِ انتصرت ثورة ولدت من دماء الشهداء، لتحيا الأجيال بحريةٍ حقيقية غير مستعارة، وسعادة لا تُنتزع.

ابشري يا أمَّ الشهيد…
فدمه لم يُهدر، بل صار لهيباً أشعل الثورة، وروحاً نفخت في هذه الأرض حتى نهضت من بين الركام، وصوتاً هادراً يعلن: لن نُقهَر… ولن نعود إلى الخلف أبداً.

أيها السوريون الأبطال…
كم ودّعتم من قوافل الشهداء!
وكم مشيتم خلف نعوشٍ حملت أرواحكم قبل أن تحمل أجسادهم!

أيها السوريون الصناديد...
ما من بيتٍ في هذا الوطن المبارك إلا وفيه شهيد أو مفقود أو جريح، ومع ذلك وقفتم، ورفعتم رؤوسكم، وقلتم: لن ننكسر… ولن ننحني.

طوبى لكم يا شعب سوريا… يا من كتبتم بدمائكم الصفحة الأولى من كتاب الحرية، وجعلتم من آلامكم سُلّماً يرتقي عليه المستقبل.

طوبى لكم يا أهل الشام… يا من قدّمتم من أرواحكم شرارة الخلاص، وكسرتم بها قيد العبودية، ففتحت دمشق أبوابها لمعركة ردع العدوان، لتبقى ما بقيت الحياة.

واليوم نقولها وبصراحة واضحة، نقولها وليسمعها العالم:
وداعاً للقمع… لا عودة له.
وداعاً للاستبداد… إلى غير رجعة.

ابشري يا أمَّ الشهيد…

27 تشرين الثاني 2025م


الأربعاء، 26 نوفمبر 2025

ذكريات تركض مع المطر


بعدسة هاتفي، هناك مقابل مديرية التربية والتعليم، كان المشهد يغتسل بالمطر. قطراته أيقظت في صدري حنيناً دافئاً، كأنها تعزف على أبواب الذاكرة ليفتح الماضي قلبه لي.
رائحة الأرض المبللة حملتني إلى طفولتي البعيدة، إلى أيام كنت أجري فيها تحت المطر بابتسامة لا تعرف ثقل العالم، وكأن السماء كانت تحضن خطواتي.
وها هي أوراق الأشجار المتساقطة من حولي تهمس بأن القسوة لا تدوم، وأن لكل نهاية موعداً مع نهار جديد… فالسقوط أحياناً ليس انكساراً، بل بداية لفرصة تنمو في صمت، وتعد بمستقبل أبهى وأجمل.

حدث في مسجدنا.. لا تؤخِّروا الجنازة.. الجنازة أولاً..

آخر ما ينتفع به الميت في الدنيا هو الصلاة عليه والدعاء له. ومن المؤسف أن يُبتلى بعض أئمة المساجد بتقديم صلاة السُّنّة البعدية على صلاة الجنا...