قوافلٌ لا تُحصى من السيارات، تتدفق في شوارع الشام كنبضٍ عائدٍ من الموت، محمّلة بوجوهٍ أنهكتها السنين، وبأعلام الجمهورية العربية السورية الحديثة التي ترفرف كقلوبٍ ماتت ثم عادت تنبض من جديد.
في هذا اليوم، ذكرى العام الأول لتحرر الشام من قبضة الاستبداد، بدا الهواء نفسه كأنه يبكي ويضحك في اللحظة ذاتها.
الأناشيد الثورية تندفع من نوافذ السيارات، كأنها في رحلة طويلة منذ سنوات لم تجد جواباً إلا الآن.
السوريون يصرخون، يهتفون، يبتسمون بدموعٍ جافة من الفرح، كل سيارة تحمل نشيداً، وكل نشيد يحمل جرحاُ، وكل جرح يحمل وطناً كاملاً على كتفيه.
لكن سبعة كلمات من نشيداً واحداً اخترقني: مهما جاروا عليه وداروا، وطني مقدسين حجاروا.
لا أعرف من صاحبه، ولا من نظم كلماته، لكن ما أعرفه أن روحي ارتجفت لحظة سمعتها، كنت على شرفة بيتي أرفع علماً (كان من يرفعه قبل التحرير يضحّي بحياته)، علماً يشبه الذاكرة أكثر مما يشبه القماش، كل خيط فيه حكاية معتقل، وكل نجمة فيه نصفُ مليون شهيد، وكل لون يحمل وجوه الثكالى والأرامل، وكل نبضة فيه تُعيد إلى الذاكرة ملايين شُرّدوا وفكرة العودة لم تغادرهم يوماً، ويديّ تلوحان به كأنما تسابقان الريح.
نعم… حجارة بلدي مقدّسة، أرضٌ باركها الأنبياء، ألم يذكرها رسول الله ﷺ ويشر إلى أن الملائكة تبسط أجنحتها عليها، الم يقل ﷺ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا في شَامِنَا؟
للمرة الأولى شعرت بأنني أنتمي إلى وطن، وأن العلم الذي أرفعه هو جزء من كياني، ساعات قضيتها على الشرفة حتى خارت ذراعاي، كأنني أحمل على كتفي ثقل وطن كامل، لا مجرد قطعة قماش، عندما أرفع علمي، يفيض فيّ شعور الانتماء لبلدي الحقيقي، ذلك العلم الذي نرفعه كلّفَ مليون معتقل، ومليون ونصف شهيد، وأربعة عشر مليون مهجر ونازح، ومنه أحسّ بوجع من ضحّى، وبقوة الروح التي ما زالت تنبض فيه.
ومع ذلك لم أستطع التوقف، فالناس من السيارات يلوّحون لي، من الأرصفة، من النوافذ، كأننا جميعاً نكمل حركةً إيقاع بدأها أول شهيدٌ ولم يُكملها.
وعلى طرف المشهد الآخر، هناك في الظلال، يقبع الخائنون، والانفصاليون، والفلول، والشبيحة، والمكوعون، الذي اعتادوا العيش على قهرنا وإذلالنا، فتكدّرت أرواحهم اليوم، يظنون أن صمتنا يعني استسلامنا، فإذا بالحق يرتفع ويثور على كل طاغية حاول دفن الوطن، وأرواح تنهض بعزّة لم تنكسر، وأيادي تلوّح، لتعلن أن الكرامة حيّة، وأن الأمل لا يموت، شعبٌ كان يُراد له أن يُمحى فإذا به يعود، يهتف، يغني، ويُلوّح لسماءٍ بدأت أوّل خيوطها تتطهّر.
هذا اليوم ليس مجرد احتفال، بل روحٌ تعود إلى جسدها بعد غياب، تحمل كل ما فينا من تناقضات: تحمل صرخة، ودمعة، وثورة، وفرح، ووجع، ويأسٌ يغتسل بالأمل، وغضبٌ يرقد تحت السكينة، وحزنٌ يتطهّر ليبدأ الصلاة براحة وطمأنينة.
هذا اليوم… كان وجه سوريا الحقيقي!!