الأحد، 21 فبراير 2021

مع من نتكلم ؟

لقد بلغت حالات الطلاق بسبب وسائل التواصل الإجتماعي أعلى مستواها، فلم يعد لكلا الزوجين مانع في "خلوة إلكترونية" مع الشيطان إن لم يحسبان للرحمن حساباً، فهناك عشرات الرجال أكثر وسامة وأفحل رجولة من الزوج، وهناك عشرات النساء أكثر جمالاً وأرق أنوثة من الزوجة، كل هذا موجود مجاناً وبكثرة في وسائل التواصل الإجتماعي لدى الطرفين.

طلّقني !
هكذا قالت لزوجها بكل بساطة بعد أن سمعت كلاماً معسولاً من الذي يحاورها على الماسنجر لم تسمعه من زوجها !!

إخوتنا وأخواتنا الأحبّاء:
هذا موضوع جداً خطير ولا أحد معصوم منه، وقد خلق العديد من حالات الفوضى الإجتماعية، كطلّاق الزوجة وانحراف الإبن وضياع البنت وجنون الأم وإنهيار الأب، وكل هذا حصل ومازال يحصل مع الأقرباء والأصدقاء والأهل، ومقالتنا هذه للإشاره والتنبيه على بعض النقاط عسى الله أن يُبعد عنّا كيد الشيطان.
 
لقد بدت مواقع التواصل الإجتماعي من أهم أسباب الطلاق منذ أن دخلت بيوتنا، فلقد أنتجت تفاعلات جديدة في علاقة الأسرة مع بعضها أدّت إلى تعمّيق الفجوة والعزلة والتنافر بين أفرادها، فكل فرد له عالمه الخاص يتكلّم ويتواصل بالصوت والصورة مع من يشاء دون رقيب ممّا أدّى إلى تفكّك الأسرة وفرط عقدها.. أو.. أوشكت على ذلك !!

ومن هذه الوسائل:
"الفيسبوك، والتويتر، والوتس آب، والڤايبر واخواتهم"

لا شك أنّ النّاس بحاجة للإتصال والتواصل فيما بينها لتبقى صلة الرحم قائمة، فقبل وجود هذه الظاهرة كانت زيارات الناس لبعضها  تُقام إسبوعياً بشكل فردي أو جماعي في سهرة الخميس من كل إسبوع تقريباً، فيوم الجمعة عطلة رسمية عند الكثير.

 ولكن مع تطّور التكنولوجيا وصرعة الإنترنت، تعددت وسائل التواصل فسهلّت العلاقات بين الناس وخاصة لهؤلاء الذين يقطنون في الأماكن البعيدة والمسافرين خارج البلاد، مما جعلت هذه الوسائل تنتشر وبسرعة لتحلّ تدريجياً مكان الزّيارات الإسبوعية.

أحبتنا الكرام:
إن وسيلة التواصل نعمة من الله أنعمها علينا للإستفادة منها بالشكل الصحيح، وأبواب الخير والشرّ مفتوحة على مصراعيها ندخل منها متى نشاء، كثير من النّاس أنعم الله عليهم قد طرقوا باب الخير.

* منهم من نشر الكتب المفيدة.

* ومنهم من جمع الأهل ليتابعوا أخبار بعضهم.

* ومنهم من جعلها دار معرفة فأطّلَعَ الناس على ثقافة الشّعوب.

* ومنهم من قدَّمَ للناس برامج وارشادات في تطّوير المجتمع.

* ومنهم من أقام علاقات جديدة مفيدة ووطّد علاقات سابقة.

* ومنهم من جعلها وسيلة تقريب وجهات نظر في الأمور الخلافية.

* ومنهم من جعلها بادرة في تذّكير المناسبات.

ومنهم من...ومنهم من...

فالخير كثير والحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحقّ بها.

وهناك صنف آخر من النّاس استحوذَ الشيطان عليهم فطرقوا باب الشرّ وأساؤوا إستعمالها، فانعكست سلباً على حياتهم، ودمّرت بيوتهم كالتي قالت لزوجها بعد أن شغفها غيره حباً:
طلقني !

فلا يجعل أحداً للشيطان مكاناً في خلوته الإلكترونية، فيقول الرجل وتقول المرأة:

هو مثل أخي وهي مثل أختي !

لا.. فكلاهما يكذبان، فهو ليس أخوها وهي ليست أختهُ !

موضوع التواصل الإجتماعي موضوع كبير ويحتاج إلى حلقات، ولقد حاولت جاهداً أن أختصره إلى حدّه الأدنى كي لا يشعر القارئ بالمَلل، ونرجوا من كل عائلة أن تتوخّى الحذر مع أبناءها وبناتها في هذا الأمر.

فالأب هو المسؤول الأول في مشاهدة أولاده عندما يشاركون في هذه البرامج، والأم هي المسؤولة الثانية في هذه المهمة كي لا تنعكس مشاركتهم سلباً على الأسرة والمجتمع، وسنوجز بعض النصائح في هذا الأمر:

* الإنتباه من المواقع والبرامج المخصصة لتدليس الدين على المسلمين وتدمير عقيدتهم !

* عدم ترك الأولاد وحدهم، فحب الإندفاع والمغامرة تجعلهم يغوصون في مواقع وبرامج لا ترضّونها.

* الإنتباه من الشبكات العنكبوتية المتخصصة في اصطياد النّاس من الجنسين، فيوجد عندهم فريق شيطاني يقرأون الأفكار من خلال التصفّح، ويجّرفون الناس رويداً رويداً في طرُق شيطانية أنتم في غنى عنها.

* لا تصاحبوا من لا تعرفوا بإرسال وقبول صداقات، وخاصة الصغار.

* الإلتزام بالحلال والإبتعاد عن الحرام، فكلٌّ مسؤولٌ عمّا ينشر من طاعة أو معصية.

* قراءة الكتب المفيدة وما أكثرها، العلمية والفكرية والدينية والإجتماعية والفقهية.

* التثبت من الخبر قبل نشره وخاصة في حال الموت والحياة.

سؤال يجب طرحه دائماً:

مع من نتكلّم ؟!

 21 شباط 2021م


الخميس، 10 ديسمبر 2020

حافزية الإسلام

امتاز المسلمون الأوائل بفهم القرآن الكريم والسنة النبوية وأخذوا بكل أسباب التمكين وعمارة الأرض، وقدّموا للبشرية كل ما تحتاجه من خير.

كان مضمون كلمة إقرأ حافزاً تسابقوا بموجبه إلى العلم والمعارف، وأقاموا حضارة ممزوجة بالروح والعقل، وفّقوا فيها بين مصالح الدنيا والآخرة فجعلوها تختلف عن الحضارات التي سبقتها.

ازدهر عصرهم بالدراسات الدينية والمدنية، فأنشأوا حياة مزدهرة متطورة أطلقت الحرّيات الفكرية، قدّم علماؤها البحوث والإختراعات والإنجازات أمثال:

الخوارزمي "عِلم الجبر".
وإبن الهيثم "عِلم المناظر".
وإبن سينا "القانون في الطب".
وعباس بن فرناس "عِلم الطيران".
وإبن خلدون "عِلم العمران والإجتماع".
والإدريسي "عِلم الجغرافيا ورسم الخرائط".
وقَدَّمَ غيرهم عِلم البلاغة والشعر والفلسفة والتاريخ والفلك. 

كانت حافزية الإسلام سبباً رئيسيّاً في كل ما نراه من حضارة ورقيّ وتقدّم، لقد نقلت الحضارة الإسلامية عُلومَها إلى أوروبا عن طريق صقلية والأندلس، وتُرجِمَت مؤلفاتها إلى اللاتينية ولغات أخرى، استغلها الصليبيون في حملاتهم أخرجوا بها أوروبا من سرداب الظلام إلى النور والمعرفة !

ثمّ انكفأ المسلمون وتقاعصوا واختلفوا ففقدوا حافزية التقدم، وبالتالي عادو إلى مؤخرة الدول !

سألَ مقدم برنامج بمحطة فضائية أحد العلماء :

لماذا المسلمين اليوم متخلّفين، ضعفاء، منهزمين ؟

فأجاب العالِم بكل ثقة:
لإبتعادهم عن الكتاب والسنة والإسلام الصحيح !!

كان بودي أن أقول لهذا العالِم الجليل:

إنّ أمريكا النصرانية، والصين الوثنية، واليابان البوذية، وكوريا الجنوبية، ليسوا على الكتاب والسنة ويتصّدرون العالَم قوة وعلماً !

وتركيا وماليزيا دولتان علمانيتان ليستا على الكتاب والسنة والإسلام الصحيح، وكلتاهما في مقدمة الدول الإقتصادية والصناعية !!

أمّا الدولة الوحيدة التي تعنيها ياشيخنا الكريم، والتي تحتضن الإسلام الصحيح وفق الكتاب والسنة، فهي متخلّفة على كل الأصعدة، وتستورد جميع حاجاتها من الكفار، حتى السبحة والمسواك ؟!

وإذا أردنا الإجابة على تخلّف المسلمين وضعفهم وإنهزامهم فنوجزه على النحو التالي:

* الفهم الخاطئ للإسلام وتضّييق فضاءه الواسع وتحجيره.

* مراقبة الحكّام للشعوب وكتم الأفواه ومصادرة الحريّات، قضى على الإبداع والإبتكار والمهارات، فهاجرت العقول إلى بلدان أخرى !

* اختصار "إقرأ" على العلوم الشرعية، والتغافل عن شموليّتها للعلوم الأخرى التي تفيد البشرية، ورُبّ علمٍ تحتاجه الأمّة خيرٌ من علمٍ شرعي !

* تحجّر العقول وتعصّبها، وجعل رأيها صواب لا يحتمل الخطأ، والرأي الآخر خطأ لا يحتمل الصواب.
 
* الإفتاء بحكم ظنّي حمّال الأوجه، وفرضه كحكم قطعيّ ثابت الدلالة، دون احترام تعدّد الآراء الأخرى.

* الاستئثار بالدين، واحتكار فهم الكتاب والسنة دون الآخرين.

* اعتقاد عهد السلف هو فقط الصحيح، واسقاط الحاضر عليه، دون أن يوجد فيه أمثال أبي بكر وعمر وخالد.

كل هذه النقاط وغيرها، فرّقت الأمّة الإسلامية وأعاقت تقدّمها، وعطّلت الإجتهاد، وأنشأت الشحناء والبغضاء والعداوة بين المسلمين، جعلتهم يتراجعوا عن مواكبة الحضارة، ويتقزّموا ليصبحوا مستهلكين، يستوردوا الحاسبات والهواتف وأجهزة الكمبيوتر والطائرات والسيارات والأدوات المنزلية البسيطة !!

الخلاصة:
ليس الإبتعاد عن الكتاب والسنة سبب تخلّف الأمّة كما يتوهّم البعض، بل الحاجة لقراءة جديدة للإسلام، واطلاق العقل للتفكير والتعبير، ووضع برامج وخطط مستقبلية، وفتح باب الاجتهاد، واستنباط أحكام تحفّز الأمة وتدفعها إلى الأمام لإعادة مكانتها بكل العلوم والمجالات، ومشاركة الأمم الأخرى في الإبداع والإنتاج والتطوير، لتعود خير أمة أخرجت للناس.

إنّ جميع العلوم التي فيها خير مباحة، والحثّ عليها واجب، وأجرها كأجر العلوم الشرعية، وليس النقاء من الذنوب والمعاصي شرطاً في تقدّم الأمة، فالنصر والتمكين يأتي بسننه حتى لو ارتُكِبَت بعض المخالفات الشرعية، مادام القلب مطمئنّ بالإيمان، وفي التاريخ الإسلامي شواهد كثيرة.

19 آب 2017م

تعمية لا توعية

جدو جدو ألا تريد مشاهدة الكسوف غداً ؟
صرخت حفيدتي ذات الست سنوات وهي تودعني بعد زيارتها لنا، وأبويها ينتظرانها بالسيارة !

أجبتها:
لا.. لا أريد مشاهدة كسوف الشمس، أخاف على بصري !

قالت: يا جدي انظر إليها بالنظارة الخاصة ولا تخاف !

قلت:
حاضر.. وطبعتُ قبلة على وجنتها مع أخيها.

كان صدى كسوف الشمس الذي ظهر عبرَ الولايات المتحدة الأمريكية بالأمس كبيراً، حيث مرّ القمر بين الأرض والشمس فأصبحا الثلاثة لبرهة على استقامة واحدة، حجب القمرُ خلالها قرص الشمس كلياً في مناطق، وجزئياً بمناطق أخرى.

إنّ كسوف الشمس ظاهرة طبيعية فلكية من آيات الله، حدثت في عهد النبي ﷺ وتصادفت مع موت إبنه إبراهيم، فانحرف فكر الناس، وظنّوا أن الشمس قد انكسفت حزناً لموت إبراهيم، فأعاد النبي تقويم الفكر، وصححهّ حيث قال:

"إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله وإلى الصلاة"

أرسلت لي ابنتي في الأمس بعد الكسوف مباشرة رابطاً لمدرسة حفيدتي على برنامج التواصل، حيث وجِدَ الأطفال يجلسون في باحة المدرسة يشاهدون الكسوف مباشرة، والإبتسامة على وجه الجميع دون هلع ولا خوف، ودار حوار بين أبنائي يلوموني لعدم السماح لهم بمشاهدة كسوف الشمس عندما كانوا في سوريا قبل أن تشتعل أحداثها، حتى كتب ابني تعليقاً على الڤيديو يقول:

هههه نحنا كنا نعطّل من المدرسة أيام الكسوف 🤣

بعد قراءة التعليقات بين أبنائي، نظرت إلى شعاع الشمس من نافذة غرفتي أستعيدُ حالة المجتمع السوري أثناء كسوف الشمس في دمشق !


منذ عدة سنين حدث كسوف مشابه في سوريا، وكانت البقعة المفضلة في العالم لرؤية الكسوف بشكل واضح هي قرية "عين ديوار" الواقعة في أقصى شمال شرق سوريا بمحافظة الحسكة، والتي ذهب إليها الكثير من هواة الفَلك في العالم لتسجيل ذاك الحدث !!

وقامت السلطات في كل المحافظات السورية بحملات توعية وتحذيرية للمواطنين من النظر إلى الشمس حين الكسوف، كي لا يتأثروا بأشعتها تحت الحمراء التي تظهر بعد فترة من الزمن وتسبب العمى الدائم، وكان كل من يسمع كلمة "العمى الدائم" يكره الشمس وكسوفها، والنظر إليها !

بدأت حملة التوعية قبل اسبوعين من الكسوف، واستنّفرت محطات الإذاعة والتلفزيون المحلية والفضائية لأجلها، وشارك بعض الممثلين فيها يحذرون الأطفال من النظر إلى الشمس إلا من خلال نظارات تُصنع من صور الأشعة السينية (اكس ري) إذا وجِدَت لديهم بالبيت، أو من خلال قطعة زجاج تُطلى بنقاط دمع شمعة مشتعلة، أو وضع نظارة نظامية صناعة أوروبية أو أمريكية (لا ندري من أين نحصل عليها أو نشتريها) !

 وفي يوم الكسوف بدمشق..

صدر قرار وزاري بعطلة رسمية خوفاً على عيون الشعب، وخفّت الحركة في الشوارع كيومٍ ممنوع التجوال فيه، كان الجميع في المنازل أو داخل المحلات إلا من أراد التمرّد على الشمس والنظر إليها بالعين المجرّدة، أو من نظارة صنعها دون الخوف من العمى !

ومن كثرة الإلحاح والتنبيهات الرسمية بالإذاعة والتلفزيون، والتحذير المستمر من العمى، خشيت كغيري على عائلتي، وأغلقتُ النوافذ والستائر، ومنعت ضوء النهار من دخول البيت كي لا نصَاب بالعمى !!

مرّت تلك الذكريات كشريط فيلم سينمائي وأنا واقف كالعامود أنظر من نافذتي وأقارن بين كسوف الشمس في سوريا وأمريكا !

كانت حملة الكسوف بأمريكا تشجيعية ومحفّزة ومدعومة بأفلام حقيقية من وكالة "ناسا" المسؤولة عن البرنامج الفضائي للولايات المتحدة الأمريكية، والأطفال متشوقين لرؤية اختباء الشمس وراء القمر !

ولكن الفرق كبير وشاسع بين وجود الأطفال بأمريكا ووجودهم في البلدان العربية، فأمريكا تبرز أهمية الطبيعة وظواهرها ليتآلف الأطفال معها، بينما البلدان العربية تدّبُ الرعب والخوف فيهم وترهب أفكارهم من الظواهر الطبيعية، وأثناء مقارنة إجابيات وسلبيات البلاد بذاكرتي رنَّ الجوال لينبّه شرودي بصوت ابنتي تقول:

بابا هل شاهدت حفيدتك تشاهد الكسوف بالنظارة ؟

فأجبتها:
نعم يا ابنتي.

قالت:
وهل قارنت بين حملات التوعية هنا وهناك ؟

فأجبتها:
نعم يا ابنتي، ووجدت الكبار ببلادنا بحاجة لتوعية قبل الصغار، فبرامج أمريكا هدفها التوعية، أما برامجنا كلها تعمية !!

انتهى الكسوف وانتهى الحوار..

تعليق:
نحن لا نقصد المقارنة بين البلدان بالثقافة والدين والمجتمع، بل في تربية الأجيال على الواقعية والبحث العلمي والمعرفة، لتكون قادرة على نقلها للآخرين دون تردد ولا خوف.

22 آب 2017م

الحبّ

الحبّ كلمة لها دلالاتها، فهي أكبر من حروفها وأوسع وأعمّقُ من معانيها، ومكانَتِها حسبَ وجودها، إن استقامت ارتقَت، وإن انحرَفت هبَطَت..

والحبُّ قدَرٌ من الله مكتوبٌ، وسرُّ التعايش الفطري بين المخلوقات يتجسَّدُ بالحاجة والمشاعر والأحاسيس والتعاون بينها، والتبادل لإستمرار الحياة !

فلولا الحبُّ ما تزوّجَ آدم وحواء وأنجبا الولد، وما تعانقت الحَبّة مع الماء وأثمرا الشجر، وما طفى النَدَى على الوردِ وفاحَ الشذى، ولا حمَلَ النحلُ حبوبَ الطلعِ للأزهارِ ولا أخرجَ العسل، ولا تأبَّر النَخلُ ونضج البَلحُ، ولا احتوت الأرض في جوفها المطر وتفجّرَ الماءُ وسار السُبل وجعلَ كل شيء حيّ، فسبحان من قدّرَ فهدى.

لقد ذكرَ الله تعالى الحُبَّ بينه وبين عباده بمواضع عديدة في القرآن فقال:

{فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}  المائدة 54

وذكر الله حُبَّ العباد لنبيه باتباع سنته فقال:

{قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} آل عمران 31
 
وأحبَّ النبي ﷺ ربَّهُ حُبّاً خالصاً لم يُقيّدَهُ شيء لإعلاء كلمته فقال:

 {يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته} 

وأخلصَت "رابعة العدوية" حُبَّها لله دونَ رغبة ولا خوف لأنّه فقط يستحقّ العبادة.. سبحانه !

والحبُّ بين الرجل والمرأة يُسمّى "عُشقاً"، فإن كان بريئاً وارتقى بالزواج فهو "حبٌ عذريّ" كحُبِّ إبنة النبي شعيب لموسى عليهما السلام لقوله تعالى:

{فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا}  القصص 25 

وقال تعالى:
{قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} القصص 26, 27 

وإن كانَ العشقُ شهوةً شيطانيةً، يهبطُ بالخطيئة فيسمى "زِنَا" كعشق إمرأة العزيز ليوسف عليه السلام !

قال تعالى:
{وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا} يوسف 30

وبين الحُبُّ العُذري والشيطاني درجاتٌ عديدة.

14 شباط  2018م

لستُ مرياعاً

تقفُ الباصات السياحية في كل رحلة إلى تدمر عند "مقهى بغداد" الواقعة في الصحراء على الطريق العام بين دمشق وتدمر والعراق، وتُقدّم للمسافرين خدمات بسيطة كالطعام والشراب مع إستراحة في خيمة بدوية تقليدية لشرب القهوة والشاي على صوت الربَابَة. 

أنشأ أصحابها حولها بعض الغرف الطينية المقبّبة للأسرة البدوية وضيوفها، كما يوجد فيها أغنام وماعز ودجاج وطيور، وبعض الإبل.

 في إحدى زياراتي إلى تدمر، توقفت كالعادة في هذه المحطّة مع مجموعتي السياحية المرافق لها، وخلال استراحتنا ذهبت حيث توجد الأغنام لعلِّ اشتري خَروف أضحية، وكان ذلك قبيل عيد الأضحى المبارك بأيّام قليلة.

مررتُ بين الأغنام فتَبِعَني بعض أفراد المجموعة، أحتضنتُ خروفاً صغيراً التقطّتُ معه صورة فتغرافية مازلتُ أحتفظ بها. 

وفجأة..

ظهر أمامي كبشٌ ضخمٌ كبيرٌ مثيرٌ قد هالني منظره، يقبَعُ بين الأغنامِ بجانب الحمار !
 
له قرنين طويلين مُلتَويّين، ورأسٌ مزيّن، وعنقٌ ضخمٌ يطوّقهُ شريطٌ أحمر يتدلّى منه جرس !

حدَّقتُ فيه واقتربتُ منه ببطٍ وحَذَرٍ خشية أن يغدرني بنطحة يرميني بها أرضاً لا أقوم بعدها أبداً !!

ولكنّ خوفي وحذَرَي ما لبس أن تلاشى عندما رأيته يمسح وجهه في بنطالي كأنّه طفلٌ صغير.

ناديت الراعي كي أفهمَ منهُ حقيقة الأمر، فقلت له:

هل هذا حقاً خَروف ؟!

ضِحكَ الراعي من سؤالي وفهم قصدي وقال:

نعم هذا خَروف !!

قلت:
ولما هو ضخم كالفيل ؟

فقال:
هذا زعيم الأغنام  !!
 
"قلت في نفسي هذا هو الكبش المفضّل للأضحيه"

فقلت للراعي على الفور:
حسناً، ما وزن هذا الزعيم، وكم سعره ؟

فأجاب:
إنّه ليس للبيع، بل هو "مرياع" يقود الأغنام إلى المرعى !!!

نظرت إليه بدهشة وقلت له:
وكيف يتم ذلك ؟

قال:
حسناً..اتبعوني كي نستظل من حرارة الشمس !

سار أمامنا إلى أحد الغرف المقبَّبة الطينية وأجلسنا على الأرض كالبداوة، وألقى علينا محاضرة "المرياع" !
 
قال الراعي:

في لحظة ولادة الخَروف نبعده عن أمه دون أن يراها إلى مكان منفصل قبل أن يتذوّق حليبها، ثمّ نأتيه باللبأ محلوب في زجاجة من أمه نضعها في (خرجِ) الحمار فيرضع منها !

"اللّبأ هي "الصمغة" باللهجةِ الشامية، تخرجُ من ثَدي الأم بعد الولادة، وتحتوي على مضادات حيوية تزيد من مناعة الرضيع"

تمرُّ الأيّام والصغير يرضع من خرجِ الحمار حتى يعتقد أنّه أحد أبويه، فيتبَعهُ أينما ذهب !

وبعد أن يكبر ويحين موعد فِطامه، نطعمهُ الخبز والعشب ليعتادها، ثمّ نَزيلُ خصيّتيه كي لا يقترب من الإنثى، عندئذٍ تخفُّ عداوته وتَسهَل قيادته فيتمسّح بالإنسان ويألفه !

ثمّ ندَعُ قرونه تكبر، ونزيد من إطعامه كي يسمن، ولا نجزُّ صوفه فيبدو ضخماً، ونُزيّن رأسه ليكون متميّزاً عن أقرانه.

عندئذٍ نُعلّقُ جرسٌ في رقبته يرنُّ كلما سارَ أمام الأغنام، فيظهرُ خاروفاً كبيراً متميّزاً كالزعيمِ، فتهابه الخرافُ وتَسيرُ وراءه خاضعة مطيعة، عندها يصبحُ جاهزاً للخدمة !!
 
وحين يأتي وقت الذهاب إلى المرعى، نسوقُ الحمارَ فيتبعهُ المرياعُ مقرقعاً بالجرس لينذر القطيع بالرحيل.

وعند سماع الأغنام الجرس، تسير وراء المرياع مطيعة لا يتخلّف منها أحد إلا الشاردَ الذي يبتعد عن القطيع، فينطلقُ الكلبُ وراءه ويُعيده إلى رفاقه !
 
الحقيقة..
أذهلنا الراعي في محاضرته، فأردتُ أن أختبر أقواله احتراساً من تساؤل المجموعة فيما بعد.

قلت له:
هذا شيء جميل، والأجمل لو جعلت المرياعَ يقود الأغنامَ أمامنا لنُصوّر المشهد.

قال:
لابأس سأفعل، رغم أنّه ليس وقت الذهاب إلى المرعى !

عاد بنا الراعي إلى مكان القطيع وأوقف الحمار، فوَقَفَ المرياعُ معه وصلصلَ الجرسُ، وإذ بالأغنّام تنهضُ الواحد تلوّ الآخر إستعداداً للرحيل !

جذب الراعي حماره فتَبعَهُ المرياعُ، وسارت الأغنام وراءه مذعنةً مستسلمةً دونَ اعتراض، ونحنُ واقفين مندهشين.

 عدنا إلى المجموعة وأنا أفكر بالمراييع البشرية التي تسير وراء الحمير، فتخشاها الناس !

3 أيلول 2016 م

يوم مات ربّهم

لم يزعجني ضجيج أطفالي وأصوات مرحهم في البيت، فلغط الشارع المطل عليه وجَلجَلَته أكثر ضوضاءً وصَريخاً من صخبهم !

كان هذا في عصر يوم صيف العاشر من حزيران عام 2000م عندما هدأ دويّ وضوضاء الشارع فجأةً على غير عادته، وعلا عليه صِياح وصَخب أطفالي مما أثار فضولي !

أسرعتُ مع عمي وكان في زيارتنا (والد زوجتي) رحمهُ الله إلى الشُرفة أَستَوضَحُ الخبر، وإذا الشارع قد خَلِيّ من المارّة والمواصلات، ودكاكينه مغلقة أبوابها.

ركضنا سوية إلى الفضائيات السورية نستعلم الخبر.. وكانت الصاعقة !

لقد مات حافظ الأسد !!

خبراً لم يتوقعه السوريون رغم تسرّب أخبار مرض الرئيس إليهم، كيف يموت حافظ الأسد وسوريا مزيّنة باليافطات تقول.. إلى الأبد إلى الأبد يا حافظ الأسد ؟!

ودّعنا عمي مُسرعاً إلى بيته قبل حدوث أمر ما يمنع التجوال، فقد توقع السوريون حدوث أي سوء بعد الخبر المفاجئ.

صَمَتت الشوارع هلعاً، وارتفعت تراتيل القرآن من البيوت خشية الظنّ بأصحابها الشماتة بموت ربّهم !

نعم هذا ما كان يعتقده محبيّ ومريديّ "حافظ الأسد" بعد أن شرعَنَ حكمه ومبايعته وتسّنينه رموزاً دينية إسلامية على رأسها المفتي أحمد كفتارو، والشيخ مروان شيخو ومحمد سعيد البوطي، فقد كان "حافظ الأسد" بحاجة ماسّة لفتوى إسلامية سنّية تجيزه لرئاسة سوريا.

لقد أقفلَ العلويّون البيوت والممتلكات التي نهبوها وهربوا إلى قُراهم في الجبال التي جاؤوا منها بعد تيّقنَّهُم بموت إلهَهُم، وبالتالي.. فرغت دمشق إلا من سكّانها الحقيقيين !!

شُيِّعَ الإله ووقفَ الشيخ "مروان شيخو" يبكي أمام التابوت يخاطبهُ بحضور جمعٍ غفيرٍ لعبيده يقول:

لماذا لا تتكلم يا سيدي؟ أنتَ تسمعني الآن ! هل حقاً أنتَ ميّت ؟"

لم يصدق شيخو ومن معه أنّ حافظاً قد مات !

وانتابت الشيخ البوطي يؤمُّ المصلّين حالة هسترية مشابهة.. 

وبينما هُم في هرجهم ومَرجهم بدفن ربّهم، كانت "مادلين أولبرايت" وزيرة الخارجية الأمريكية في قصر الشعب على هضبة قاسيون بدمشق، تُعَدِّلُ دستور سوريا لتنصّب إِلَهَاً جديداً !!

10 حزيرن 2020م

السبت، 5 ديسمبر 2020

حوار على عتبة الباب

طرَقَ باب الدار بالأمس رَجُلان، فألقَيا التحيّة وقدّما نفسيهما من "شهود يهوه"، وخرجتُ إليهما حافياً وأغلقتُ الباب !

من عادة كرازة شهود يهوه حسب معرفتي، خروج رجل وامرأة معاً للتبشير، ووجود رَجُلانِ هذه المرة يُعدّ تطوّراً جديد في الكرازة !

ابتسمتُ بوجههما وقلت لهما: ماورائكما ؟

قال أحدُهما ويبدو أنّه الأقدّر في الإقناع:

نحنُ شهود يهوه نجتمعّ ثالث خميس من كل شهر الساعة السابعة مساءً في قاعة الملكوت، ليس لقراءة الكتاب المقدس، بل لتطبيقهُ في حياتنا اليومية بملكوت الله.

سَكَتَ برهةً ينظرُ إلى خزانة الأحذية الصغيرة القائمة بجانب الباب، والتي نخلعُ فيها أحذيتنا قبل الدخول إلى شقّتنا المستأجرة في الطابق العلوي بمجمع يحتوي خمسة وسبعون مسكناً.

عرفَ أنني لستُ مسيحياً فاستطرد قائلاً: 

لا داعي أن تكونَ من شهود يهوه كي تحضر الإجتماع، فالدخول مجّاناً دون تبرّعات، والجميع مرّحّب بهم !

نظرتُ إليه مبتسماً أطلبُ منه العنوان، فقدّمَهُ لي مسروراً مع الخارطة ويبعدُ خمسة كيلو متر عن مسكننا تقريباً.

قلت له: وماذا أيضاً ؟

أخذَ يُحدثني عن شرور العالم وإجرامهم وآثام البشر، والتوبة من الخطيئة ومحي الذنوب في الإلتحاق بشهود يهوه والإيمان بالمسيح عليه السلام.

وأخذ نَفَساً عميقاً قبل متابعته، فبادرتهُ قائلاً:

ألا أدلّكَ على كتاب يشمل كل ما قلته و يصحح بعض المعتقدات ؟

قال: أي كتاب هذا ؟!

قلت لهُ: القرآن الكريم المقدّس !!

قال: ولكنّكم لا تؤمنون بالمسيح !

قلتُ: بل نؤمن بالمسيح ونحبّهُ كما نحبُّ نبينا محمد ﷺ، فمن شروط الإيمان عندنا وأركانه أن نؤمنَ بالرسل جميعاً لا نفرّقُ بين أحدٍ منهم، فالمرء عندنا لا يصبحُ مسلماً حتى يؤمن بالإنجيل والمسيح.

فابتسمَ صديقهُ يومئ برأسه موافقاً بما قلت، بينما أردفَ هو قائلاً:

ولكن لا تؤمنوا أنٌ المسيح إبنُ الله !

قلتُ: لأن الله واحدٌ أحد، ليس له صاحبة ولا ولد، ولم يَلد ولم يولَد، والمسيح عليه السلام هو بشرٌ مثلنا، ولدته أمّه مريم بمعجزة إلهية بدون أب.

قال: ولكن تلميذهُ بولص ذكرهُ برسائله أنّه إبن الله !

قلتُ: بولص ليسَ من تلامذة المسيح عليه السلام ولم يقابلهُ قط، بل حصلت له رؤيا أنّه قابلَ المسيح وأمره بالإيمان به واتباعه، وهذا ما رواه بولص عن نفسه عند اعتناقه المسيحية.

تململَ شاهدُ يهوه قليلاً بما سمِعَ وأراد أن ينسحبَ بطريقة لبقة فقال:

أعتقدُ يجب عليَّ أن أرحل فلدينا مهام كثيرة.

فقاطعته قائلاً: هل تسمح لأحد أن يعذّب إبنك أمام عينيك ولا تنقذهُ، فكيف الله يرى إبنه حسب زعمكم يُصلب ويتعذّب ولا ينقذه.

فأراد أن يربكني فقال: ولكن القرآن لا يشهد بموت المسيح على العامود !

قلتُ: لأنّ المسيحَ عليه السلام لم يُصلَب ولم يَمُت، بل رفعهُ اللهُ إليه، وسوف يعود قبل يوم القيامة ليكون علامة لها، ثمّ يموت ويُدفَن كبقية البشر.

قال: ومن الذي مات على الصليب باعتقادكم ؟

أجبتهُ: شبيهاً له من تلاميذته !

نظر مرة أخرى إلى خزانة الأحذية بجانب الباب ثمّ نظرَ لساعة يده ليشعرني أنّهُ تأخر ويريد الإنصراف، وكانت فرصة سانحة لدعوته إلى الإسلام، فتَذكّرتُ طريقة الداعية أحمد ديدات رحمهُ الله في الدعوة فقلتُ له:

هل تأتيك صحف الأخبار اليومية إلى البيت ؟

قال: نعم.

قلتُ: حسناً.. إذا اجتمعَ على طاولتك ثلاث إصدارات لجريدة الأخبار، واحدة إصدار اليوم، والثانية إصدار الأمس، والثالثة إصدار أول أمس، فأي إصدار تقرأ أولاً ؟

كان ذكيّاً جداً وفطِنَ لما أقصدُ فقال:

أنا لا أقرأ الصحف !

وهنا أيقنتُ أنّه لم يعد يريدُ الإستماع، فابتسمتُ بوجههِ مودعاً وقلتُ:

إنّ أردتَ معرفة الإسلام والإيمان والرسل والكتب السماوية ومقدار حب المسلمين لعيسى وأمّه عليهما السلام،  فأدعوك لزيارة المركز الإسلامي الواقعُ في الشارع المقابل، ولا يجبُ أن تكون مسلماً لزيارتهِ، فالدعوة مجانية للجميع ولا يوجد تبرعات !

وذهبَ ليتابع مهمتهُ، فدخلت الدار وأنا واثقٌ من أحد أمرين:

إمّا سيذهبُ غداً إلى المركز الإسلامي ليتعلم أكثر عن الإسلام، أو لن يطرقَ باباً آخراً بجانبه خزانة أحذية !!

ملاحظة:

كرازة عند التبّشيريين معناها الدعوة إلى منهاج المسيح عليه السلام.

17 كانون الثاني 2017 م

حدث في مسجدنا.. لا تؤخِّروا الجنازة.. الجنازة أولاً..

آخر ما ينتفع به الميت في الدنيا هو الصلاة عليه والدعاء له. ومن المؤسف أن يُبتلى بعض أئمة المساجد بتقديم صلاة السُّنّة البعدية على صلاة الجنا...