السبت، 5 ديسمبر 2020

حوار على عتبة الباب

طرَقَ باب الدار بالأمس رَجُلان، فألقَيا التحيّة وقدّما نفسيهما من "شهود يهوه"، وخرجتُ إليهما حافياً وأغلقتُ الباب !

من عادة كرازة شهود يهوه حسب معرفتي، خروج رجل وامرأة معاً للتبشير، ووجود رَجُلانِ هذه المرة يُعدّ تطوّراً جديد في الكرازة !

ابتسمتُ بوجههما وقلت لهما: ماورائكما ؟

قال أحدُهما ويبدو أنّه الأقدّر في الإقناع:

نحنُ شهود يهوه نجتمعّ ثالث خميس من كل شهر الساعة السابعة مساءً في قاعة الملكوت، ليس لقراءة الكتاب المقدس، بل لتطبيقهُ في حياتنا اليومية بملكوت الله.

سَكَتَ برهةً ينظرُ إلى خزانة الأحذية الصغيرة القائمة بجانب الباب، والتي نخلعُ فيها أحذيتنا قبل الدخول إلى شقّتنا المستأجرة في الطابق العلوي بمجمع يحتوي خمسة وسبعون مسكناً.

عرفَ أنني لستُ مسيحياً فاستطرد قائلاً: 

لا داعي أن تكونَ من شهود يهوه كي تحضر الإجتماع، فالدخول مجّاناً دون تبرّعات، والجميع مرّحّب بهم !

نظرتُ إليه مبتسماً أطلبُ منه العنوان، فقدّمَهُ لي مسروراً مع الخارطة ويبعدُ خمسة كيلو متر عن مسكننا تقريباً.

قلت له: وماذا أيضاً ؟

أخذَ يُحدثني عن شرور العالم وإجرامهم وآثام البشر، والتوبة من الخطيئة ومحي الذنوب في الإلتحاق بشهود يهوه والإيمان بالمسيح عليه السلام.

وأخذ نَفَساً عميقاً قبل متابعته، فبادرتهُ قائلاً:

ألا أدلّكَ على كتاب يشمل كل ما قلته و يصحح بعض المعتقدات ؟

قال: أي كتاب هذا ؟!

قلت لهُ: القرآن الكريم المقدّس !!

قال: ولكنّكم لا تؤمنون بالمسيح !

قلتُ: بل نؤمن بالمسيح ونحبّهُ كما نحبُّ نبينا محمد ﷺ، فمن شروط الإيمان عندنا وأركانه أن نؤمنَ بالرسل جميعاً لا نفرّقُ بين أحدٍ منهم، فالمرء عندنا لا يصبحُ مسلماً حتى يؤمن بالإنجيل والمسيح.

فابتسمَ صديقهُ يومئ برأسه موافقاً بما قلت، بينما أردفَ هو قائلاً:

ولكن لا تؤمنوا أنٌ المسيح إبنُ الله !

قلتُ: لأن الله واحدٌ أحد، ليس له صاحبة ولا ولد، ولم يَلد ولم يولَد، والمسيح عليه السلام هو بشرٌ مثلنا، ولدته أمّه مريم بمعجزة إلهية بدون أب.

قال: ولكن تلميذهُ بولص ذكرهُ برسائله أنّه إبن الله !

قلتُ: بولص ليسَ من تلامذة المسيح عليه السلام ولم يقابلهُ قط، بل حصلت له رؤيا أنّه قابلَ المسيح وأمره بالإيمان به واتباعه، وهذا ما رواه بولص عن نفسه عند اعتناقه المسيحية.

تململَ شاهدُ يهوه قليلاً بما سمِعَ وأراد أن ينسحبَ بطريقة لبقة فقال:

أعتقدُ يجب عليَّ أن أرحل فلدينا مهام كثيرة.

فقاطعته قائلاً: هل تسمح لأحد أن يعذّب إبنك أمام عينيك ولا تنقذهُ، فكيف الله يرى إبنه حسب زعمكم يُصلب ويتعذّب ولا ينقذه.

فأراد أن يربكني فقال: ولكن القرآن لا يشهد بموت المسيح على العامود !

قلتُ: لأنّ المسيحَ عليه السلام لم يُصلَب ولم يَمُت، بل رفعهُ اللهُ إليه، وسوف يعود قبل يوم القيامة ليكون علامة لها، ثمّ يموت ويُدفَن كبقية البشر.

قال: ومن الذي مات على الصليب باعتقادكم ؟

أجبتهُ: شبيهاً له من تلاميذته !

نظر مرة أخرى إلى خزانة الأحذية بجانب الباب ثمّ نظرَ لساعة يده ليشعرني أنّهُ تأخر ويريد الإنصراف، وكانت فرصة سانحة لدعوته إلى الإسلام، فتَذكّرتُ طريقة الداعية أحمد ديدات رحمهُ الله في الدعوة فقلتُ له:

هل تأتيك صحف الأخبار اليومية إلى البيت ؟

قال: نعم.

قلتُ: حسناً.. إذا اجتمعَ على طاولتك ثلاث إصدارات لجريدة الأخبار، واحدة إصدار اليوم، والثانية إصدار الأمس، والثالثة إصدار أول أمس، فأي إصدار تقرأ أولاً ؟

كان ذكيّاً جداً وفطِنَ لما أقصدُ فقال:

أنا لا أقرأ الصحف !

وهنا أيقنتُ أنّه لم يعد يريدُ الإستماع، فابتسمتُ بوجههِ مودعاً وقلتُ:

إنّ أردتَ معرفة الإسلام والإيمان والرسل والكتب السماوية ومقدار حب المسلمين لعيسى وأمّه عليهما السلام،  فأدعوك لزيارة المركز الإسلامي الواقعُ في الشارع المقابل، ولا يجبُ أن تكون مسلماً لزيارتهِ، فالدعوة مجانية للجميع ولا يوجد تبرعات !

وذهبَ ليتابع مهمتهُ، فدخلت الدار وأنا واثقٌ من أحد أمرين:

إمّا سيذهبُ غداً إلى المركز الإسلامي ليتعلم أكثر عن الإسلام، أو لن يطرقَ باباً آخراً بجانبه خزانة أحذية !!

ملاحظة:

كرازة عند التبّشيريين معناها الدعوة إلى منهاج المسيح عليه السلام.

17 كانون الثاني 2017 م

آل الحمصي بالأردن

كيف وصل آل الحمصي إلى الأردن ؟

بلا فخر...

عائلة الحمصي من العائلات المشهورة في حي الشاغور بمدينة دمشق، وصاحب الصورة عمي، واسمه فارس سعيد محمد قاسم الحمصي الملقب "أبو محي الدين"، من أبناء حي الشاغور العريق و مجاهديه الأبطال إِبَّان الإحتلال الفرنسي.

كانت بلاد الشام بقعة جغرافية واحدة، تتألف من سوريا ولبنان والأردن وفلسطين وإنطاكية وجنوب تركيا (حتى جبال طوروس) والأطراف الشمالية من المملكة العربية السعودية المتاخمة للأردن (منطقة الجوف)، والموصل في العراق، وقسم كبير من سيناء حتى "العريش".

بعد سقوط الخلافة الإسلامية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى واحتلال بريطانيا وفرنسا للمنطقة، تقاسمت بلاد الشام عدة دول حسب إتفاقية المندوبين الساميين "مارك سايكس" و "جورج بيكو"، وسُميّت إتفاقية "سايكس بيكو".

كان نصيب بريطانيا "فلسطين والأردن والموصل" بينما كانت "سوريا ولبنان" من نصيب فرنسا، و(أنطاكيا والأناضول) من نصيب تركيا، و(الشوف) من نصيب السعودية، وقسم كبير من سيناء من نصيب مصر التي كانت لاتزال تحت الوصاية البريطانية.

قامت ثورات عديدة في أغلب المدن السورية ضد المحتل الفرنسي، ومنها ثورة حسن الخراط بحيّ الشاغور بدمشق، حيث كان عمي أحد الثوار الفاعلين فيها. 

كان يتنقّل بين دمشق وعمان حسب مقتضيات المرحلة، وعندما أعلنت فرنسا الإنسحاب من سوريا عام 1946م، أعلنت بالتالي بريطانيا انسحابها من الأردن بنفس العام وكان عمي متواجد حينها في عمان، وبذلك تأسست المملكة الأردنية الهاشمية والذي تمّ اختيار الملك عبد الله الأول بن الحسين ملكاً عليها، فبقي عمي في عمّان ولم يعد إلى دمشق ليكون المؤسس الأول لآل الحمصي في الأردن،  بينما جَدّي ووالدي وبقية أعمامي في دمشق !!

افتتحَ عمي بعمّان أول "حمّام" أطلق عليه اسم "حمّام النصر" لإنتصار الشعب على المحتل، وكان موقعه في أول "سقف السيل" وسط عمان، والذي سُميّت المنطقة بعده "بجسر الحمام"  نسبة إليه.

وبترسيم المستعمر لحدود المناطق التي استعمرها، أصبحت حدوداً سياسية تقتضي إجراءات روتينية بالعبور، بينما كانت أرضاً جغرافية واحدة دون حدود !

كنّا صغاراً نترقّبُ زيارة عمي وأولاده من الأردن كل شهر قبل أن يتوفاه الله عن عمر تجاوز التسعين، ومازال أولاده وأحفاده، وأحفاد أولاده في الأردن يتكاثرون، ومن كثرة المواليد بآل الحمصي، يوجد بعض الأجيال الحديثة لاتعرف بعضها، فكل من كان نسبه الحمصي ويعيش في الأردن فهو من شجرتنا.

سلامي عليكم آل الحمصي جميعاً..

9 حزيران 2017م


الاثنين، 30 نوفمبر 2020

بين يديّ الهجرة النبوية

الهجرة النبوية حادثة غيّرت مجرى التاريخ؛ إذ حوّلت الدعوة المحمدية من خاصّة إلى عامّة، فحملت رسالةَ تحريرٍ من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وبشهادة ميلادٍ جديدة، عَبَرت بها حدود العالم إلى الفُرس والروم والمقوقس والنجاشي.

لقد أنشد المسلمون "طلع البدر علينا" لبدرٍ حقيقيٍّ أضاء العقول كما أضاء القلوب، إلى الأبد.

كانت الهجرة النبوية اللَّبِنَةَ المفصلية الأولى في بناء صرح الدولة الحضارية الجديدة، القائمة على الحرية والعدالة والمساواة، في مجتمعٍ متعدد الألوان والأعراق والأديان، ضمَّ أسيادًا وعبيدًا، وعربًا وعجمًا، ويهودًا ومسلمين وكفارًا.

لقد أرسى رسول الله ﷺ في الدولة الجديدة حريةَ العبادة والاعتقاد، فترك الناس على معتقداتهم، يعبدون ما يشاؤون، دون إكراهٍ على الإسلام، فَرَسَّخ بذلك معنى قوله تعالى: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}.

وحقّق المساواة بين العصبيات القائمة على الحسب والنسب، والجاه والمال والسلطان، وجعل التقوى معيار الصلاح والاستقامة، كما في قوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.

وأدرك عمر بن الخطاب رضي الله عنه أهميةَ الهجرة، فجعلها نقطةَ ارتكازٍ لتأريخٍ جديد، يفرّق بين الحق والباطل، ويُرسِّخ الحريّة والمساواة بين الناس، فقال كلمته المشهورة:
"متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟"

إن دروس الهجرة لا تنتهي، فهي تتجدّد كل عامٍ باستنباطِ فقهٍ جديدٍ، يواكب العصرَ فكرًا وسلوكًا.

اللهمّ اجعل عامنا الهجري الجديد بدايةً لنهضة الأمة من سباتها، وعودةٍ لوحدتها وعزّتها، إنك على كل شيء قدير.


20 آب 2020م

السبت، 28 نوفمبر 2020

جلد الذات

ما أن انتهت صلاة الجمعة بالأمس في أحد مساجد جنوب غرب مدينة سان دياكو في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، حتى اندفعتُ مسرعاً وجلستُ بجانب خطيب الجمعة الذي ألحقَ أسباب مصائب الكرة الأرضية كلها وكوارثها بالمسلمين.

ظنّ أنني سأسألهُ فتوى فاستعدَّ للإجابة، فقلتُ:

أشكرك يا شيخ على خطبة اليوم، ولكن التبَسَت عليّ بعض المفاهيم والكلمات (وكانت الخطبة باللغة الإنكليزية) وأريد التأكّد من فهمي وسمعي لمحتوى الخطبة.

قال تفضل، فقلت:
لقد سمعتك يا سيدي تشدّد على تحميل المسلمين المسؤولية لما يحدث من كوارث ومصائب في انحاء العالم، فهل سمعي وفهمي كان صحيح بأن نحن المسلمون هم سبب ما يجري في العالم ؟

قال نعم! ولكن أنا لم أقل ذلك بل الله الذي قال !!

فأجبتُ: ولكني سمعتك أنت الذي تقول !

فنفى للمرة الثانية وقال: بل الله هو الذي قال ؟!

قلتُ كيف ؟

قال، قال الله تعالى:
{ظهرَ الفسَاد في البرّ والبحر بما كسبَت أيدي الناسِ ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون}

فقلتُ:
ولكني لا أجد المسلمون وحدهم في الآية، بل وجدتُ المجتمع الدولي كله، الملحد والكافر والمشرك واليهودي والنصراني والبوذي والهندوسي وكل الأديان والأعراق من البشر في الآية.

فرمقني بنظرةٍ لم تتّضح لي أهي احتقار أم دهشة، فاسترسلتُ قائلاً..
يقول الله:

{وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً ولكن أكثر الناس لا يعلمون}
فهل يا سيدي كلمة الناس هنا هم المسلمون فقط، أم جميع الناس بملَّلِهم واعتقادهم واعراقهم ؟

فازدادت عيناهُ تحملقاً..!

وتابعتُ: ياليت يا شيخنا نكفّ عن جلدِ أنفسنا، فكفانا جلد الناس لنا، والناس هنا ياسيدي هم أيضاً المجتمع الدولي بكل أصنافه، يجلدنا ليل نهار، إعلاميا واستعمارياً في بلادنا وبلادهم.. ومازالوا !

يا سيدي.. المسلمون ليسوا هم الناس فقط، بل جزء من هذه المنظومة البشرية المشتركة في الفساد، ومن الظلمِ والإجحاف تحميلهَم فساد الناس جميعاً.

 وكنتُ أحرّك يدي أثناء الكلام، فظنّ أنني أريد المصافحة، فمدّ يدهُ مصافحاً لإنهاء الجلسة قبل أن استمر بجلد الخطبة وتجاوز الحدود !!

21 تشرين الثاني 2020م

الجمعة، 27 نوفمبر 2020

والله خير حافظاً

كانت حياتنا قبل الهاتف الجوّال جميلة ومثيرة ومحفّزة ومشوّقة، كان اعتمادنا على الجهد الجسدي والفكري والحركة الدائمة.

لم أكن أتصوّر يوماً أن قطعة الكترونية صغيرة  محمولة في جيبي ستحوي مَكتبتي ومَكتبي وكاميرتي، والبوم صوري، ومفكرة مواعيدي، ومسجدي وقرآني وصندوق بريدي، ومرشدي السياحي والجغرافي، وهوايتي ووسائل رفاهيتي، وعناوين أصدقائي، وأرقام زوجتي وأولادي، وتواصلي مع البلدان، باختصار.. كل الكرة الأرضية في جيبي !!

لقد ازدادت حاجتنا للهاتف المحمول حتى أصبح سيداً ونحن له عبيد.. هذا ما شعرتُ به في اليومين الماضيين عندما تعطّل هاتفي وفقدتُ فيه كل شيء، وانقطعتُ عن كل شيء، فلم أعد استطيع التواصل حتى مع زوجتي، حبيبتي ورفيقة عمري.

وبعد أن أعدتَ تصليحهُ شعرتُ بأنّ الحياة عادت لي، فأصبحتُ أخاف عليه كي لا يقع من يدي، وأداريه كحفيدٍ من أحفادي، وأحافظ عليه كي لا يمسهُ الضرّ فيموت وأضيع مرة أُخرى، والله خير حافظا.

26 تشرين الثاني 2020م



الخميس، 23 يوليو 2020

نصيحة والدي

في مرحلة من مراحل شبابي شاهدني والدي يوماً في البيت حزيناً شارد الذهن، فساءه حالي وطلب مني إخباره بسبب حزني، فقلتُ:

ضاق سرّي فأبحته لإبن جارنا فلان، فخذلني وأفشاهُ بعد أن وعدني أن لا يكلّم أحداً به.

فقال والدي:

وماذا تنوي فعلهُ ؟

فقلتُ والله لا أكلمه ولا أتحدث معه بعد اليوم !

اعتدل والدي في جلسته ونظر إليّ وهو يبتسم ويقول:

لا يا إبني هشام لا تخاصمه ولا تقاطعه أبداً، وابتسم في وجهه وصافحه واشدد على يده بحرارة كلما لقيته، وإيّاكَ أن تجرحه بكلمة على فعلته، واشكره من أعماق قلبك لأنه كشَفَ لك معدنهُ وأخلاقهُ كي تحذرهُ في المستقبل.

كانت هذه أبدع نصائح والدي رحمه الله.

23 تموز 2020م

الثلاثاء، 23 يونيو 2020

يا ليتني قلتُ آسفة.. قصة حقيقية

حين يأتي الاعتذار متأخراً… يكون كل شيء قد انتهى.

انسحبَ إلى غرفته كظلٍ محطم، وعيناه المليئتان بالحزن العميق والألم كانتا تترنّح بين الانكسار واليأس، وكأن قلبه ينهار بصوتٍ لا يسمعه سوى روحه المعذبة.

أخذتُ شهيقاً عميقاً أتنفّسُ وهْمَ الفوز، وأرتشفُ نشوةَ غريبة، مع أنّ خلافاتِنا كانت في العادة، تنتهي بسلامٍ وعناقٍ دافئٍ بلا صراخ، لكنني في ذلك اليوم كنتُ عنيدةً على غيرِ عادتي، قاسيةً كأنني في ساحةِ معركة، أقاتلُ لأُثبِتَ شيئاً لا أعرفه، رأيتُ الهزيمةَ تنكسرُ في عينيه، فتوهمتُ أنني المنتصرة.

هزمتهُ… لكن قلبي لم يظفر بالطمأنينة، كان مثقلاً بسؤالٍ موجع:
أيُّ نصرٍ هذا الذي يترك في عيني من أحبّ كلَّ هذا القدر من الانكسار

سرحتُ بخيالي على الأريكة أستعيدُ سنواتِ عمرِنا، عاماً بعد عام…
كم أحببتُ حازمَ بكلِّ جوارحي، حبّاً لم يترك في قلبي زاويةً إلا وسكنها.

وكيف لا أحبّه، وهو البشوشُ الصادقُ الخلوق، زوجي وحبيبي ورفيقُ دربي، وملجئي حين تضيقُ الدنيا؟

تزوّجنا فعشنا متفاهمين منسجمين، نتعاهدُ على الحلوةِ والمُرّة، نتقاسمُ الضحكةَ قبل الدمع، ونسابقُ الاعتذارَ إن أخطأنا، كأنّ قلوبنا تخشى أن يطول بينها الزعل. فمضت حياتُنا هنيئةً مريئةً، سلسةً كنسيمِ المساء، تغمرها السعادة، ويظلّلها دفءُ المودّة والهناء.

ورزقنا اللهُ بباسم، فجاءَ إلى دنيانا كقطعةِ ضوءٍ صغيرة، وسيماً كأبيه، يضحكُ فتزهرُ الجدران، ويخفقُ قلبُ البيتِ كلّه على إيقاعِ أنفاسه. ملأ حياتَنا دفئاُ وحبّاُ وحناناً، حتى غدا منزلُنا عالَماً صغيراً من الأُنس، ومثالاُ لحياةٍ زوجيةٍ نُسجت بخيوطِ التفاهمِ والانسجام، وسُقِيَت بماءِ المودّةِ والرضا.

ومضتِ السنونُ هادئةً كجدولٍ رقراق… إلى أن جاءَ هذا اليومُ المشؤوم.

دُعيتُ إلى زفافِ صديقةِ الدراسة، واحدةٍ من رفيقاتِ العمرِ الجميل، فوعدتُها بالحضور... ويا ليتني ما وعدت. كنّا في المدرسةِ سرباً من الأحلام، نزفُّ بعضَنا بعضاً كلّما ارتَدَت إحدانا ثوبَ الفرح، نغنّي ونضحك كأنّ الدنيا خُلقت لتلك اللحظات. وكان زوجي يعرفهنّ جميعاً، ويعرف كم كان يجمعنا من ودٍّ وبراءةِ أيامٍ لا تُنسى… لكنّ القدر كان يُخبّئ خلف ذلك الفرحِ حكايةً أخرى.

طلبتُ منه أن أذهب إلى عرسِها، وكان في مدينةٍ تبعدُ ساعتين عن مقرّ إقامتنا.

جلستُ أحدثه بكلّ التفاصيل، كأنني أزيّنُ الفكرةَ بالكلمات، أخبرته أن صديقاتِ الدراسة سيُمضين يومين في فندقٍ تكفّل به أهلُ العرس، وأن باسماً سيقضي الوقتَ في بيتِ خالته، يلعبُ ويضحكُ بين أبناء خالته، فلا ينقصه شيء.

كان حازم يصغي بصمتٍ ثقيل، صمتٍ لم أفهمه يومها. تجاهلَ كلامي كأنّه يحاول أن يختار عباراته بعناية، فأعدتُ طلبي بنبرةٍ امتزج فيها الرجاءُ بشيءٍ من الإصرار. عندها قال بهدوئه الذي أعرفه:

"لا داعي للسفر يا حبيبتي، المكانُ بعيد، وأنا وباسم بحاجةٍ إليكِ. سنزور صديقتكِ وزوجها لاحقًا بزيارةٍ خاصة، إن شاء الله."

لم يكن في صوته قسوة، بل كان مليئاً بالحرص والاحتواء. لم يزعجني كلامه، فهو دائماُ أدرى بمصلحة بيتنا، وأحنُّ علينا من أنفسنا… لكن شيئاً خفيّاً في داخلي تمرّد. لم أقبل رأيه، ولا أدري لماذا.

ربما لأنني وعدتُ صديقتي، وربما لأنني في تلك اللحظة شعرتُ أن بيني وبين ذلك الفرح خيطاً رفيعاً لا أريد له أن ينقطع… حتى لو شددته أكثر مما ينبغي.

وسوستْ لي نفسي، فارتفع صوتي على غير عادتي، وقلتُ بنبرةٍ اختلط فيها الرجاءُ بالعِناد:

"جميعهنّ مجتمعاتٌ هناك يا حازم… وأريدُ أن أذهب!"

نظر إليّ بعينيه اللتين اعتادتا أن تُطفئا غضبي، وقال برفقٍ يلامس القلب:

"لقد وعدتُكِ يا حبيبتي أن نزورهنّ قريباً، ونحمل معنا أجمل هدية. ما رأيكِ أن تصنعي لنا فنجان قهوة من يديكِ الجميلتين؟ هناك أمرٌ أودّ أن أستشيركِ فيه."

لكنّ غضبي كان قد استيقظ، وأنانيّتي أغلقت أبواب اللين في داخلي. رفضتُ أن أتحرّك خطوةً قبل أن أسمع كلمة الموافقة التي أردتها، وقلتُ بإصرار:

"لكنني وعدتُها… ولا أحبّ أن أُخلف وعدي."

فقال بصوتٍ هادئٍ يخالطه القلق:

"لا أرى بقاءكِ يومين خارج البيت أمراً مناسباً. أنا وباسم بحاجةٍ إليكِ. اعتذري منها، وعديها بزيارةٍ خاصة، وستتفهم ظروفنا."

كان كلامه منطقياً، مشبعاً بالحرص والحبّ… لكنني، بدل أن أحتضن خوفه عليّ، تركتُ الغضب يقودني بعيداً.

اشتعلتُ فجأة، وصرختُ بكلمةٍ خرجت أقسى مما شعرتُ:
"ألا تثق بي؟!"

وفي اللحظة التي نطقتها، شعرتُ أن شيئاً هشّاً بيننا قد ارتجف… كأنّ الثقة التي بنيناها سنيناً كاملةً تألمت من سؤالٍ لم يكن يستحق أن يُقال.

رمقني بعينين متسعتين، وكأن الدهشة والحيرة تتراقص فيهما، وقال بصوتٍ حاول أن يخفف من وطأة الموقف:

"ما بكِ اليوم يا حبيبتي؟ غريب… يبدو أنّ قلبكِ يغلي بالغضب. هلا صنعتِ قهوة، لنهدأ معاً؟"

تجمّدتُ لحظة، شعرت بغصة الغضب تتسلل إلى صدري، وخرج صوتي حاداً، يقطر تحدياً ورفضاً لكل قيود صامتة:

"أنا لستُ خادمةً عندك! قم بنفسك واصنع قهوتك!"

ما تلا كلماتي لم يكن صمتاً، بل مقبرة الكلمات التي لم تولد.

تمزّق حازم من الداخل غارقة روحه في الخيبة واليأس، فصمت صمتاً ثقيلاً يثقل الهواء حوله، ولم ينبس بحرفٍ واحد.

انسحب إلى غرفته كظلٍ محطم، وعيناه المليئتان بالحزن العميق والألم كانتا تترنّح بين الانكسار واليأس، وكأن قلبه ينهار بصوتٍ لا يسمعه سوى روحه المعذبة.

وفجأة، انتبهت لنفسي، ونهضت من على الأريكة، وكأني نسيت طعم انتصاري الذي شعرتُ به لحظة التفوق… شعورٌ بالندم غمر كياني، يسري في عروقي كلسعةٍ باردة.

هل يمكنني أن أستشعر النصر على زوجي وحبيبي، وأظل سعيدة بذلك؟

هل يمكن لقلبٍ وعدته الحياة بحلوها ومرها أن يُنتصر عليه بهذه السهولة؟

أسودّت الدنيا في عينيّ، وغاص قلبي في بحر الذنب، فاندفعت مسرعة لأصلح ما أفسدته يداي.

دخلت الغرفة أستسمحه، فإذا به غارقٌ في نومٍ عميق، لا يعي ما جرى…

استلقيت بجانبه على ظهري، حدقت في السقف، وأحادث نفسي بصوتٍ خافت:

لماذا فعلتِ ذلك؟
كيف تخدشين قلباً أحبكِ؟
كيف تجرحين قلباً تملكينه بكل حب؟

أيقنتُ كم أنا أنانية… وكم قلبي ضعيف أمام مشاعري.
التفت إليه، أتمعن وجهه النائم، وأهمس في داخلي:

كم اشتقت إليك يا حازم…
كم أشتاق لحضنك الذي يمحو عني كل ألم.

أردت أن أوقظه لأضمّه إلى صدري، وأعتذر، لكن شفقت عليه، أمهلته ليستيقظ للصلاة.

توضأتُ، وقمت الليل أستغفر الله حتى علا صوت آذان الفجر.

ذهبتُ بعد ذلك، نشيطة سعيدة بقلبٍ مليء بالحب، لأوقظ حبيبي للصلاة، فالذي يستيقظ أولاً يوقظ الآخر. هكذا بقيت المحبة حيّة بيننا.

اقتربت منه بهدوء، كمن يلمس زهرة ناعمة، أمسح وجهه بأناملي، وهمست بصوتٍ خافت بين القلب والشفاه:

"أحبك…"

لكن نومه كان عميقاً، كأنه لا يسمع، ولم يلتفت. همستُ في نفسي مبتسمة:

من حقه أن يكون مدلّلاً…

اقتربت أكثر، ألصق وجهي بوجهه، ليشمّ عطري الذي يعرفه، أتمتم بأذنه:

"أحبك…"

ظل غافلاً، بلا مبالاة، بلا حركة.

ناديتُه كعادتي، بصوتٍ رقيقٍ يذوب بين جدران الغرفة:

"قم يا حازم… حان وقت الصلاة…"

ولكن جسده بقيَ ساكناً… صامتاً… كأن العالم كله توقف.

ارتجف قلبي، تسللت رعشة الخوف إلى عروقي، حرّكت رأسه برفق، أتمتم:

"حازم… انهض…"

صمتٌ، لا جواب، لا نفس.

هززته بكلتا يديّ، أصرخ:

"حازم… قُم… انهض يا حازم…"

لكن جسده صار فارغاً بلا روح، والموت خطّ بيننا صمتاً أبدياً وكأن العالم بأسره توقف عن الدوران.

تراجعت إلى الوراء أرتجف، وصوتي يتلاشى بين الدموع أتمتم بلا وعي:

"حازم… مات… مات... حازم…"

وصارت الغرفة صامتة إلا من صدى قلبي المحطم، وروحي تتشتت بين الصدمة والحزن.

عدتُ إليه ثانيةً، أضمّه إلى صدري بكل ما تبقّى لي من قوة، كأني احتضن الحياة نفسها، أقبل وجهه كله بشوق، كأنّي ازرع روحي فيه، وأمسح رأسه برفق أملاً في أن يعود إلى الحياة.

كرّرت مناداته مكسورة:

"حازم… انهض... أرجوك… أنا بحبك…أرجوك انهض!"

لكن صمته كان اعمق من أي صدى، ثقيلاً كالصخر، لا يجيب، ولا يترك لي سوى فراغ يلتهم قلبي حزناً.

صرختُ صرخة اختنقت بين الحب والخسارة من قلبٍ محطّم… لقد مات زوجي… مات حبيبي قبل أن اعتذر… مات رفيق عمري.

استيقظ صغيري باسم على صراخي، يركض إليّ ببراءة لا تعرف السبب، يشاركني دموعي، كطفلٍ يعانق الحزن ذاته دون أن يفهمه.

وقُضِيَ أمر الله، وكتبت النهاية، وتلاشى كل شيء كما لو لم يكن…

وبعد أن غُسِّلَ حازم وكُفّنَ، جاءوا ينادونني لألقي عليه نظرة الوداع الأخيرة قبل أن يُوارى جسده الطاهر في مثواه الأخير. 


اقتربت منه وأنا أرتجف، ويداي ترتعشان، وقلبي يصرخ في صمت كأن كل جزء مني يُدفن معه…

وقفتُ عاجزةً أمام جسده الراقد، وقلبي ينفطر إلى أشلاء، فملامحه التي اعتادت أن تضيء أيامي، صارت وجهاً بارداً لا يعرفني، ووجنتاه تستقبلان دموعي كأنها رماد الخسارة والانطفاء يسقط على قلبي المحترق.

صرختُ بصوتٍ مكسورٍ يختنق بالبكاء، صوت يتردد في الفراغ الذي خلفه رحيله:

"حازم… لا تتركني… سامحني… أرجوك… أرجوك… قلبي لا يستطيع أن يتحمل فراغك… أرجوك… عد… عد إليّ ولو للحظة…"

وقبّلت يده ووجهه، أهمس بصوت متقطع حزين:
"سامحني… سامحني…"

حملوا النعش وساروا به ببطء، وقلبي يتقطع وأنا واقفة في الشرفة أراقب اختفائه رويداً رويداً، وكأن كل لحظة تمرّ، تمحو جزءاً من قلبي، وارتفع صوت في أذني:

"يا عباد الله… سامحوا حازم، يرحمكم الله…"

ورحلت الجنازة، ورحلت روحي عن جسدي، وغرقت في بحرٍ من الحزن والحنين، حيث لا صوت إلا صدى قلبي الممزق، ولا نور إلا ذكراه التي ستظل ترافقني إلى الأبد…

في صباح اليوم الثاني، جاء باسمُ برفقة أختي التي بات عندها، ركضَ بخطواته الصغيرة المتمايلة نحو غرفة أبيه، ينادي بصوتٍ مرتعش: "بابا… بابا…" فلم يجد صدىً!

نظر إليّ بعينين ملؤهما التساؤل، كأنه يقول: أين أبي؟

سَحبته أختي بلطف نحو المطبخ، تقول:
"حان وقت الفطور يا باسم…"

وتركتني وحيدة أبكي، أذرف دموعي بصمت، والوجع يلتهم قلبي.

ومضى عامان على رحيل حازم، وما زلتُ أسير في البيت بلا أمان، أبحث عن سكينته في كل زاوية، وكلما وقفت عند المكان الذي اعتاد الجلوس فيه، تمتمت شفتاي بكلمات التي لم تُقال، بشوقٍ مؤلم، وبدمعٍ ينساب كنهرٍ لا يعرف العودة :

يا ليتني اعتذرت…
يا ليتني قلتُ آسفة…
يا ليتني قلتُ آسفة…

تمَّت.

حدث في مسجدنا.. لا تؤخِّروا الجنازة.. الجنازة أولاً..

آخر ما ينتفع به الميت في الدنيا هو الصلاة عليه والدعاء له. ومن المؤسف أن يُبتلى بعض أئمة المساجد بتقديم صلاة السُّنّة البعدية على صلاة الجنا...