الثلاثاء، 5 فبراير 2019

أَحَطّ من أبي جهل

كثيراً ما نسمع عن كلمة مفكّر ومفكّرين، فإذا كان الفِكر هو المخزون الراسب في الذهن من ثقافة وعلم وتربية، فالمفكّر هو الشخص الذي يستقرئ مخزونه الفكري بنجاح وإيجابية، ويُخرِجُ مافيه من خير ليعرضه على الناس.

والإنسانُ بفطرتهِ وطبيعتهِ مفكِّر، وبحسب مخزونه يهتدي إلى الحلول والبراهين فيكتشف الخطأ من الصواب والنافع من الضّار ويفرّق الحقّ من الباطل، وقد خاطب القرآن الكريم الفكر والمفكِّرين:

{كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}، {أَفَلَا تَعْقِلُونَ}، {لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}، {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا}، {أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ} والأيات في هذا السياق كثيرة..

هناكَ بعض المفكّرين والحداثيين والتنويريين يحملونَ فِكراً مُعتلاًّ يلعبُ بعواطف الناس، فمنهم من يتجرأُ على الذاتِ الإلهية، ومنهم من يتهجَّمُ على الأنبياء والرسل والدين، ومنهم من يستهزئ بالمرأةِ المسلمةِ ويصفُ لباسها بالتخلُّف الحضاري !!

أكثر هؤلاءِ المُعتلُّون تأثروا بالفكرِ الغربي وانبهروا بتقدمه المادّي والصناعيّ والتكنولوجيّ والعسكريّ، معتقدين أن المجتمعَ الغربي هو الكمالُ والكفاءةُ والبديل عن المجتمعاتِ العربية، متناسينَ رضوخُ الأمةِ العربيةِ والإسلاميةِ تحتَ الظلمِ والإستبدادِ الذي أعاقَ تقدمها.

فإن أردنا مقارنةَ المفكّرينَ الحداثيين المعاصرين بنظراءهم الجاهليين (عصرُ الجاهليةِ) لوجدنا مفكّريّ الجاهلية أكثرُ حضارةً وتقدماً من المفكّرين المعاصرين !

كان "عمرو بن هشام" سيداً من أسيادِ قريش وأحد مفكريها العظماء (حسب مُصطَلَحِنَا اليوم) وذو ثقافة وعلم، وكان حكيماً ذا رأيٍّ ورجاحةَ عقلٍ حتى لقّبوهُ "أبو الحَكَم" ودعى رسول الله ﷺ أن يُعِزَّ الله الإسلام بأحد العُمَرين "عمر بن الخطاب" أو "عمرو بن هشام" !!

ولكِنَّ ظُلمَهُ وقَهرَهُ ومُحاربتهُ للحرياتِ وجحوده لدعوة الحقّ ومنعه الناس من دخول الإسلام جعلتهُ فظّاً وطاغٍ مُستَبِدّ، فكَبَتَ حريةَ الدين، وبالغَ بتطرّفهِ في البغيِّ والجورِ والجبَروتِ، فقتلَ إمرأةً جهرَت بِمُعتَقَدِهَا "سمية بنت الخياط" فكنَّاهُ رسولُ اللهِ ﷺ بأبي جهل !

ونحنُ نعجَبُ اليومَ من العلمانيةِ العربية ومراوغتها بأفكارها وازدواج معاييرها، فإن كانَ مَفهُومُهَا فصل الدينِ عنِ الدولةِ مع حرية الأديان، فَلِما المُفَكِّرِينَ أَشَدُّ غِلظة وعداوة وكَبتاً للدينِ من عمرو بن هشام ؟!!

نأمَلُ منهم ومن وأمثالِهم الحِياد الإيجابيّ حسبَ ما تَقتَضِيه مفهومُ العلمانية التي يَتَبَنَّوهَا، فيحترموا حجاب المرأة كما يحترموا تنورَتها القصيرة، ويَدَعوا الناسَ تعبدُ ما تشاء وتلبسُ ما تشاء.

فهل سيحترموا الحجاب ويرتقوا، أم يحتقروه ليبقوا أحطّ من أبي جهل ؟!

1 شباط 2019م

الاثنين، 7 يناير 2019

جَرَة غاز

دخلتُ المسجد لصلاة الصبح كعادتي بالحيّ الذي أقطن فيه، وليس من نهجي التأخر عليها، كان المسجد مكتظّاً على غير عادته كأنّه صلاة يوم الجمعة، بينما كان بالكاد يكتملُ صفّاً واحداً فقط !

التحقتُ بالصفِ الأخير أستمع إلى الإمام يقرأ سورة الواقعة وما فيها من أهوال يوم القيامة وانقسام الناس إلى فِرَق، منهم السابقون ومنهم أصحاب اليمين ومنهم أصحاب الشمال، فكانت الجنة جزاء أصحاب اليمين، وجزاء أصحاب الشمال النار.

حدثتني نفسي أثناء الصلاة عن أصناف أهل النار فوجدتُ الظالمين الذين ضيّقوا على الناس حاجاتهم الضرورية، ورفعوا أسعارها كالأكل والشرب والتدفئة في هذا الشتاء القارص، وجعلوهم يحلَمُونَ بتعبئة جَرَةُ غاز واحدة ليطهوا بها طعامهم فلا يجدوها، مع أنّ إنتاج سوريا اليومي من الغاز  يبلغ 16.5 مليون متر مكعب حسب المصادر الرسمية لوزير النفط !!!

وانتهينا من الركعة الأولى وقُمنا للركعة الثانية لنستمع إلى الإمام بصوته العذب الندي يقرأ سورة الجمعة حتى وصل لقوله تعالى:

{وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}

وإذ بالمسجد يرتعدُ ويضجُّ بغير عادته، ويعمُّ الهرج والمرج بين المصلّين، فإذا هم يغادرون المسجد قبل انتهاء الصلاة ليستجيبوا للصوت الجَهُورِيّ الشديد من الخارج يصرخ:

لك إجَا الغاز.. إجَا الغاز.. إجِت سيارة الغاز !

ونحنُ مبعثرينَ فرادى بحرم المسجد نقرأ الصلوات الإبراهيمية وراء الإمام..

7 كانون الثاني 2019م

الأربعاء، 2 يناير 2019

تصحيح بعض المفاهيم للمقيمين بتركيا

تركيا دولة علمانية ديمقراطية دستورية، بمعنى أن القانون فوق كل الإعتبارات، ومفهوم الحرية بتركيا ليس كمفهوم الحرية لدى السوريين وبقية العرب المتواجدين فيها !

إنّ مساحة الحرية الموجودة في تركيا هي أوسع مساحة من بقية الدول الأوروبية، وقد تكون شبه مطلقة لكنها لا تتجاوز حرية الآخرين، وأي اعتداء على حرية الآخر فيها مسائلة قانونية.

فالشعب التركي رغم علمانية بلده هو شعب مسلم، وتجدَّدَ إسلامه خلال العقود الأخيرة، وتزايدت عودته إلى دينه وعاداته وتقاليده وموروثه الإجتماعي المطابق لموروث المجتمع السوري، ولولا فارق اللغة لقلتُ كلاهما واحد، مع العلم أن المكوّن الثاني الديمغرافي في سوريا هو العنصر التركي، وغالبيتهم مندمجين ومنصهرين تماماً مع المكوّن العربي بلا فرق، خاصة في دمشق وحلب !!

لقد بلغ عدد السوريين اللاجئين في تركيا الذين اضّطروا للجوء هروباً من الموت ثلاثة ملايين ونصف تقريباً، وأكثرهم ممن غادر بلاده لأول مرة دون سابق تجربة، لهذا يجب أن يعلمَ اللاجؤون في تركيا أنّهم مقيمون في بلد يختلف قانونياً عن بلادهم.

للأسف هناك سوريون يتعاملون بالرشوة مع بعض ضعاف النفوس من موظفين الأتراك لتمرير معاملاتهم، مما جعل مسؤوليّ الدولة تنتبه لهذه الآفة (الرشوة) وتخصّص دوريات سرّية لملاحقة (الراشي والمرتشي والرائش)، ووضعهم بالسجن مع ترحيل الغريب.

وهناكَ سوريين من يضع صوراً له على الفيسبوك مع فتيات تركيّات فاتنات يظهرنَ وراءه ويكتب على صفحته:

سيلفي والجميلاتُ خلفي !

أقولُ لهؤلاء الشباب إذا كانت صورة الجميلات مُلتقِطة خِلسَة دون علمهنّ فأنتم عرّضتم أنفسَكَم لمسائلة قانونية، وتستطيع أي واحدة منهنّ رفع دعوة قضائية تكون عاقبتها السجن والترّحيل.

وبالتالي من يغازل فتاة تركية (تلّطيش) ويضايقها دون إرادتها، فالعاقبة ذاتها

ونصيحة لكل من يستأجر غرفةً أو دكّاناً أن يكتب عقد آجار كي يحمي نفسه، فباستطاعة صاحب العقار إخراج المستأجر بأية لحظة إن لم يوجد معه عقد آجار يحميه، والمستأجر لا يستطيع المماطلة والتطّنيش كما يفعل في سوريا ويقول لصاحب العقار مستهزئاً بالقانون والعقد وصاحب العقار "روح جيب يلي بدك ياه" هذا مرفوض وينعكس على قائلهِ.

وفي شهر رمضان يحق لأيّ شخص تعنيف المفطر المتجرّئ على الناس بوضح النهار دون احترام المشاعر الدينية رغم علمانية الدولة، ويحق له تأديبه قبل تأديب السلطة المختصّة له، إلا في الأماكن المخصّصة للسائحين.

وأمر آخر لكلّ من يذهب إلى الحدائق العامّة أن يحترم قانونها، ويجمع مخلّفات نزهته بعد إنتهائها وإلقاءها بسلّات القمامة المتوفرة بكثرة (أكل وشرب وطقّطقة فستق وفصّفصة بزر)

بالمقابل هناك سوريون أصحاب مبادئ وأخلاق حسنة قدّموا نموذجاً راقيّاً ومواطنة جيدة بالتزام القوانين في تركيا والتعامل مع شعبها.

2 كانون الثاني 2019م

السبت، 22 ديسمبر 2018

أعداء لغة القرآن

اللّغة هي الوعاء الأساسي الذي يحتوي الدينَ والتاريخَ والثقافة والحضارة، ومن فقدَ لغتهُ فقد هويتهُ !

واللغة العربيّة هي أم اللغات العالمية، وأكثرها نطقاً وانتشاراً بين اللغات السامية، وتسمّى "لغة الضّاد" لأنّها تحوي حرفاً اختصَّ به العرب عن سائر الأمم لا يوجد مثله في كلّ المعاجم الأخرى، ويتحدّثُ بها نصف مليار نسمة حول العالم تقريباً.

ومن المُحزن اليوم أن نجدَ اللغة العربية تندثرُ أمام أعيُّنِنا لعدم إهتمام الحكومات العربية بها، وباستعمال لغات أخرى بجانبها، مما جعلها تنحطُّ تدريجيّاً بين الشعوب المتكلمة بها !

ومن أسباب إندثارها قلة استخدامها، ونقصان عدد متحدثيها بتحوّلهم للتحدّث بلغات أخرى، فعندما تكبرُ الأجيال الصغيرة (الأبناء والأحفاد) على اللغات الجديدة، يبقى عدد قليل من أفراد الأجيال الكبيرة (الآباء والأجداد) يتحدّث بلغتهم العربية التي تنقرض عند وفاتهم.

وهذا ما يحدث اليوم للجاليات العربية المهاجرة والهاملة للغة القرآن، وأيضاً للمراكز الإسلامية التي تعتمد بأنشطتها ومحاضراتها وخطب الجمعة على لغة البلد المقيمين فيها، دون أخذ الإعتبار للّغة العربية رغم وجود عدد كبير من الجاليات التي تتكلّمها، وأيضاً وجود آلاف المواطنين الأوربيين والأمريكيين الراغبين بتعلّمها.

فمُتقِنُ اللغة العربية تجعلهُ يقرأ ويفهم الآيات القرآنية والحديث الشريف وكتب الفقه والتفسير، وتعزّز نشر الإسلام وثقافته في أنحاء العالم، وبالتالي تجعل اللغة العربية باقية مستمرة وهي الأهم !!

فماذا يضرُّ الداعية أو خطيب الجمعة التكلُّمَ باللغة العربية موازية للغة البلد المقيم فيها كي يحفظها من الإندثار، ويجعل الجاليات العربية أكثر إستيعاباً وفهماً لما يقول ؟

{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} يوسف 2

{قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}
الزمر 28

{بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} الشعراء 195

{كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} فصلت 3

{وَهَٰذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَانًا عَرَبِيًّا لِّيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا} الأحقاف 12

{وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ۚ } الرعد 37

فالعربية لغة القرآن ولغة رسول الله ﷺ ولا حجة لمن يتقاعس عنها، فمن جافاها وأهملها فهو عدوٌّ لكتاب الله !

والعجيب أننا نشاهد بعض الجاليات العربية يخاطبون أولادهم بلغة البلد التي يقيمون فيه، ضاربين بلغة القرآن عرض الحائط خجلاً واستكباراً وتعالياً ومنهم شيوخ ودعاة !!

23 كانون الأول 2018م

الأحد، 25 نوفمبر 2018

السلطان المفترى عليه

ضَربَ بعصاه الأرضَ فرجَفَت قلوبُ أعداءه !

لمحة عن شخصية عظيمة إسلامية شوَّهَها وطعن بها الشرقُ والغربُ والعربُ والعجمُ، وحرَّفوا تاريخها وألصقوها صفات باطلة تجاوزت حدود العقل والمنطق، وألَّفوا عليها كُتباً قَطَرَت صفحاتها دمَاً بما افترت عليها أقلامهم، فمن هذه الشخصية ؟!

إنّه السلطان "عبد الحميد الثاني" أحد أقوى سلاطين الدولة العثمانية وآخر خليفة حمى بيضة الإسلام وحافظ على وحدة المسلمين وحمايتهم، ودافع عن المظلومين والمضطهدين والأقليَّات في العالم، حكمَ بذكاء دولاً كبيرة مترامية ومتعددة الأعراق فارتعدت قلوب الملوك والرؤساء من ضربة عُكّازه على الأرض !!

ولد عام 1842م بمدينة "إسطنبول" وتولّى الحكم 1876م، وانتهى حكمه 1909م بإنقلاب عالمي تكالب عليه الشرق والغرب بدعم عملاء الداخل والخارج لإنهاء الإسلام وعلمنة المسلمين.

استلمَ فترة حكمه بمرحلة عصيبة تمرّ على الأمة بلغت إعتداءات الدول الخارجية ذروتها، ونخرَ الفسادُ بالسياسية والإقتصاد والمجتمع، ووصلت ديون الدولة لعدة مليارات ليرة عثمانية مما فتح الباب أمام الصهاينة ليساوموا على القدس الشريف !

وبالتالي وصل العصيان "الصربي والبرتغالي واليوناني" سَنَامهُ وتزايدت هجمات روسيا "القيصرية" على جزيرة القرم لإنتزاعها من أيدي المسلمين !

يقول القياصرة الروس:
إذا ضربَ السلطان عبد الحميد مياه "البحر الأسود" بعكازته، عمّت الفوضى بجميع الدول حوليه (وهذا دليل مكانته العالمية).

كان الكيان الغربي وعملاءه متحدٌ ومتغلغلٌ داخل تركيا والدول العربية، ومتكالبٌ لإسقاط الخلافة الإسلامية ومسح ثقافتها وبمقدمتهم "بريطانيا وفرنسا وروسيا" بالتعاون مع شخصيات قومية تركية وشخصيات علمانية وأخرى ملحدة كافرة وأخرى إسلامية حاقدة يتقدمّهم يهود الدونمة مؤسيسيّ "جمعية الاتحاد والترقي" الذين أظهروا الإسلام وأبطَنوا اليهودية خداعاً ونفاقاً لهدم الخلافة وإسقاط الخليفة، ولا زالوا موجودين في تركيا والبلاد العربية يوسّوِسُون ويهّمزون ويخطِّطون !!

استطاع السلطان عبد الحميد إطالة عمر الخلافة الإسلامية طيلة فترة حكمه فتصدّى لهذه الدول الإستعمارية المتآمرة على إبادة الخلافة وقسمة تركَتها.

أدركَ السلطان أنّ لا نصر ولا تمكين إلا بوحدة المسلمين، فعضَّدَ روابطَهم وطرَح شعار الجامعة الإسلامية لتوحيد مسلمي الصين والهند وإفريقيا، واستعان بالدعاة لتحقيقها وحافظ على العبادت والشعائر الإسلامية بتقاليدها الشرقية، واهتمَّ بالسياسة العالمية اهتماماً كبيراً جعل لها عيوناً تتابعُ أخبارها بكافة البلاد بعناية فائقة ودقة متناهية.

أقام المدارس والكليّات الجامعية وربط ولايات دولته بالبرق والهاتف، وبنى غواصة حربية واهتَمَّ بتسليح الجيش اهتماماً فائقاً.

أنشأ سكة حديد "الحجاز" لتسهيل فريضة الحج على المسلمين، فاقتصر مدة سفر أربعين يوماً يسافر فيها الحاج على الدابة بأربعة أيام بالقطار، وربط ولايات الدولة مع بعضها، وكانت أهمية الشام حاضرة صوب عينيه لأجل وحدة الأمة فيقول:

الشام أمانة، إن بَكت فإنَّ اسطنبولَ تبكي !

أدركَ خصومهُ إصراره على وحدة الأمة الإسلامية واستمرار خلافتها، فأيّقنوا أنَّ لا طاقة لهم بتحقيق أطماعهم وتقسيم بلاد الشام واغتصاب فلسطين مادام السلطان على عرش الخلافة.

طَلبَ "تيودور هرتزل" مؤسس الحركة الصهيونية من السلطان التنازل عن مدينة "القدس" كي تكون وطنًا "لليهود" المشرّدين بالعالم مقابل ملايين الليرات الذهبية مع تسديد ديون الدولة، فأجابه السلطان بكلمته المشهورة:

"والله لو قطَّعَتُم جسدي إرباً إرباً لا أقطَع لكم من فلسطين أرضاً ولا أقبل منكم ملئ الأرض ذهباً، إنّ فلسطين ملكُ المسلمين حصلوا عليها بدمائهم، فلا تُباعُ ولا تُشترى مادامت دولتي قائمة، فإن متُ يوماً تحصلوا عليها دون مقابل"

وفي حوار بين مسؤول جمعية الإتحاد والترقّي "إيمانويل قراصو" و "تيودور هرتزل".. يقول قراصو مواسياً:

يا هرتزل إن كُنتَ تريدُ "القدس" فعليك بالقضاء على حارسها عبد الحميد، ولا تحلم بدولة لليهود فيها ما دام السلطان موجود، ولا تقلق يا هرتزل سنكسر الدولة العثمانية مفتاح العالم، وسنجعلُ أبناءها يهدموها، نعم يا هرتزل سنلغي الخلافة الإسلامية ونغيّرُ أفكار شبابها حتى يخجلوا من تاريخها فيغلقوا قرآنها وكتُبُها !

ويتابع قوله:
يا هرتزل سنجعلهم يتعلقوا بحبال الغرب لتصِلَ أيديّ الكهنة والحاخامات إليهم، يا هرتزل إنّ القضاء على الخلافة الإسلامية بالقضاء على السلطان عبد الحميد !؟

فيبتسم هرتزل ويهزّ رأسه مسروراً ويقول:
نعم اليوم الذي يموت فيه السطان عبد الحميد ويدفنه التاريخ، تكون ولادة إسرائيل !!

تُوفِّي السلطان رحمه الله وكان آخر خليفة للمسلمين عام 1918م عن عمر يناهز ستة وسبعين عاماً وهو يقول:

"يشهدُ الله أنَّ كل فترة حكمي التي قضيتها في دولتي كانت لخدمة شعبي وبلدي وديني"

وخَرجَ بجنازته الكثير من أعدائه يشيّعونه احتراماً له، فرثاه الشعراء بمن فيهم "رضا توفيق" أحدُ أكبر معارضيه بالحكم فقال:

عندما يذكر التاريخ اسمك أيها السلطان العظيم، يكون الحقّ معكَ وبجانبكَ، نحن الذين افترينا دون حياءٍ على أعظم سياسي العصر فقلنا:
إنّ السلطان ظالم وإنّ السلطان مجنون ولا بدَّ من الثورة على السلطان، وصدقّنا كل ما قاله لنا الشيطان.

رحمكَ الله يا سلطان وغفر الله لك..

17 آذار 2018م

السبت، 10 نوفمبر 2018

وصمة شرف

كنتُ أتسوّق حاجيّاتي في إحدى محلاّت مدينة "سان دياكو" بولاية كاليفورنيا، حيث استوقفتني عائلة أمريكية من خمسة أشخاص (أبوين وثلاثة أطفال).

خاطبتني الأم قائلة عندما سمعتني أرطن بالإنكليزية:

من أين أنت ؟!

أوقفتُ عربة التسوّق لإحساسي بأن وراء السؤال حوار سيطول، ومن عادتي تَوْضِيح حقائق الأمور لمن يجهلها وخاصًة إن كانت لديّ خلفية ثقافية عنها.

أجبتها قائلاً:

لقد ولدتُ في أقدم مدينة مأهولة في العالم.

فظهرت عليها الدهشة وبدأت تفكر وتفكر وزوجها ينظر إليها مع أطفاله، وطال تفكيرها ودهشتها فطلَبتُ من زوجها أن يساعدها في معرفة إسم المدينة، لكنها أسرعت قائلة: إسرائيل !

فأجبتها:

إن كنتِ تقصدي "إسرائيل الغاصبة" فإنّ عمر إسرائيل سبعة وستون عاماً، أمّا إن كنت تقصدين الأرض التي احتلتها إسرائيل وهي "فلسطين" فلقد اقتربتِ نوعاً ما، لأن فلسطين جزء من تاريخ بلادي.

قالت وزوجها يبتسم مؤكداً سؤالها:
لقد عجزنا، فمن أي بلد أنت؟

قلت لها: من دمشق.

فتهلل وجها وقالت: من سوريا.

ثم أخرجت جوالها الخليوي وضغطت بعض أزاره لتعرضَ عليّ مجموعة صور تحتوى كل واحدة تعليقاً وقالت بكل بأسى:

إنظر لأطفال سوريا ماذا حلّ بهم ؟!

حقيقةً لقد استغبرتُ في بادئ الأمر كيف لعائلة أمريكية أن تهتم بأطفال سوريا وتحتفظ بصورهم، والعالم المتحضّر حولنا تخلّى عنهم، ولكنها لم تدع دهشتي أن تطيل فقالت:

جيراننا من سوريا وأطفالنا يلعبون مع أطفالهم.

حينئذٍ نظرتُ إلى الصور وبعض الفيديو جوالها، فشاهدتُ أطفال سوريا في شوارع بلدان اللجوء، منهم من يمسح الأحذية ليشتروا لقمة عيش عائلاتهم التي فرّت من جحيم سوريا، ومنهنّ من يبعنَ المارة ورود، وطفلة تبيعُ العلكة، وطفلة أخرى تبيع محارم وتبكي أمام البوليس خائفة، وتُقبِّلَ سبّابة أصبعها، وتضعها على جبينها كي لا يحتجزها (تبوس التوبة أن تبيع ثانية) !!

كانت صور مؤلمة تخدش الضمير، وبعد التعليق على بعض الصور، أخبرتني بمتابعتها للأطفال السوريين المظلومين !

نظرت في عينيها مندهشاً من شعورها واهتمامها وتعاطفها مع أطفال سوريا، الذين باعهم القريب قبل الغريب، وتخلّى العالم المتحضّر عنهم فأصبحوا مثلاً للبؤس والأسى والشقاء.

هناك الكثير من العوائل السورية في الجالية تعيشُ منذ عقود في أمريكا لم أجد شعوراً إنسانياً تجاه أطفال سوريا أو ما يحدث فيها، ولا عطفاً كما رأيت من هذه العائلة الأمريكية، بل وجدتُ بروداً وجفاءً وعدم إحساس بالمسؤلية لما يجري كأنهم منفصلين عن الواقع.

وعندما انتهت العائلة من عروضها للصور والفيديو، قالت: نشعر بالحزن تجاه الأطفال السوريون.

فأجبتها مبتسماً:
أمّا أنا فأشعر بالعزّة والفخر بأطفال سوريا.

قالت: كيف؟

قلتُ:
إنني أرى وصمة شرف على جبين الطفلة السورية بائعة المناديل والعلكة والورد، وأرى وصمة عز وفخر على جبين الطفل السوري ماسح الأحذية لأنّ رؤوسهم لم تنحني وتتسوّل من أحد، وأرى وصمة شرف على جبين أمهاتم اللاتي لم ينحنيّن أمام التحديّات، وظلّلت رؤوسهنّ مرفوعة، وهكذا هم نساء سوريا، وهكذا هم أطفالها اليوم رجالها بالغد !

بل أرى وصمة عار على جبين المثقفين في العالم، والحقوقيين والسياسين، وأصحاب الأفكار التحررية، وكل من يرفع شعار الديمقراطية.

العزة والكرامة والطولة للطفل السوري الذي مسح الحذاء بشرف كي لا يمدّ يده بذلّ.

والعزة والكرامة لبائعة المناديل والعلكة والورود، اللواتي عملنَ بشرف رغم حداثة سنهنّ على أن لا يمدّن أيديهنّ إلى اللئام، إن أطفال سوريا أعظم من كل عظماء الدنيا، هكذا أنظر إليهم..

24 تشرين الأول 2015م

السبت، 6 أكتوبر 2018

عودةٌ أو إنّدماج

مازالت العائلات السورية تعود إلى تركيا من الطرق الوعرة التي سلكتها أول مرة للوصول إلى أوروبا، منهم لعدم السماح لهم بلَمِّ الشمل، ومنهم هروباً من القوانين الأوروبية الصارمة المُميِّعة للروابط العائلية..

تظنُّ الكثير من العائلات المهاجرة إلى أوروبا وأمريكا بأنّ عاداتها وتقاليدها حارسٌة لها بالغربة، وتستطيع المحافظة بها على قِيَمِهَا وأخلاقها التي تربّت عليها.

لم يخطر ببالِها أنّ أول ضريبة ستدفعها هي ضِياع ثقافتها ولغتها حين ينشأُ أولادها على عادات المجتمع الغربي ولغته وتقاليده.. (المقصود باللغة، القراءة والكلام والكتابة).

قد تستطيع بعض العائلات المحافظة على الأخلاق والدين ولكن بنسبٍ متباينة تعود إلى مَتنِ العلاقة بين الأبوين وتماسكها.

إنّ القوانين الأوروبية والأمريكية معمولةٌ لتلائم ثقافة بلادهم، لكنها لا تتلائم مع ثقافة السوريين، فالقانون يعطي الأبناء والأزواج حرية التمرّد على بعضهم تجعل علاقتهم حذرة ومصطنعة، وبالتالي يصبح الزواج قائم على المنفعة والمصلحة، وليس على السكنى والمودّة والرحمة.

وهذا القانون كان دائماً مصدر للقلق عند العائلات السورية، فأيّ تصرّف غير محسوب ينجَمُ عن الغضب وردة الفعل كالصفع والتعنيف للأبناء، قد يخسروهم إلى الأبد !!

ويبقى السوريون في دوّامة الغربة والتهجير يواجهون الصعاب، ويتجرّعون الألم بصمت وصبر وإيمان، منهم من يعود، ومنهم من يندمج، يعملون بجدٍ وجهدٍ ونشاط ليثبتوا للعالم أنهم أبناء حضارة عريقة وتاريخ مجيد.

2 تشرين الأول 2018م

حدث في مسجدنا.. لا تؤخِّروا الجنازة.. الجنازة أولاً..

آخر ما ينتفع به الميت في الدنيا هو الصلاة عليه والدعاء له. ومن المؤسف أن يُبتلى بعض أئمة المساجد بتقديم صلاة السُّنّة البعدية على صلاة الجنا...