الثلاثاء، 7 أغسطس 2018

فواطم مستنسخة

"إشارات سريعة لإستنساخٍ فاطميّ في المنطقة العربية مع حال التشابه بين الأمس واليوم"

لا يخفى على ذي بصيرة التواجد الشيعي الصفوي الفارسي في كل الأقطار العربية، ونشاطهم الدعوي ظاهر فوق الأرض وتحته بعلم ولاة الأمر وبدون علم، يشتمون ويلعنون ويطبّرون !

ولا يخفى لمن قرأ التاريخ أنَّ الشيعة نذير شؤم على كل بلد دخلوها أو عاشوا فيها، فما وطئوا موطناً إلا وأثاروا فيه الفتن وهيّجوا الأحقّاد بين أبناءه، وتواطئوا مع النصارى واليهود على المسلمين، وحرّضوا الأمّة على بعضها، وقصص التاريخ حافلة بخيانتهم وغدرهم وزندقتهم في الماضي والحاضر !!

فهم سبب استيلاء الصليبيين على بيت المقدس، وهم من سرقَ الحجر الأسود من الكعبة، وهم سبب إنهيار بغداد ودخول الأمريكان إلى العراق، وهم من سمح للروس باحتلال وتدمير سوريا، والنماذج التالية غيض من فيض خيانتهم:

* خيانة نصير الدين الطوسي.
* خيانة إبن الفرات الشيعي.
* خيانة الوزير إبن العلقمي.
* خيانة وغدر الحشاشين.
* خيانة الدولة الفاطمية.
* خيانة حسن نصر الله.
* خيانة حافظ الأسد.
* خيانة بشار الأسد.
* خيانة البساسيري.
* خيانة الطواشي.
* خيانة القرامطة.
* خيانة الطوسي.

وغيرهم الكثير ممن مارس الغدر والخيانة ضد المسلمين الذين آووهم وعايشوهم وفتحوا بيوتهم لهم !

إنّ السلاح الشيعي الخفي والسلس هو التقيّة !!

فالتقيّة عندهم سلوك ودين  في الكذب والنفاق والغدر والخيانة وتزييف الأخبار، وترويج الشائعات الملّفقة لتحقيق هدف خروج إمامهم الثاني عشر الغائب في سرداب سامراء "محمد بن الحسن العسكري".

يقول أحد أئمتهم:
التقية من ديني ودين آبائي ولا إيمان لمن لا تقية له"

ويقول الطوسي:
"ليس منا من لم يلزم التقيّة ويصوننا عن سفلة الرعية"

وهناك الكثير من أئمتهم من يقرنون التقيّة بالإيمان، ومن تركها لا إيمان له !!

فإذا لم يتَدارَكَ رؤساء الدول وأمراءها وملوكها هذا المدّ الشيعي الصفوي ويوقفوا انتشاره، فحتمية المنطقة العربية ستكون شيعية لا محالة، فاستنساخ الفواطم قد اكتمل وأصبح على الأبواب، وإعلان الدولة بات قريباً لأبرز أسبابها:

الإحتلال الصفوي إلى كل من صنعاء وبغداد ودمشق وبيروت، وهم في طريقهم إلى الشمال الإفريقي والمملكة السعودية والخليج !

تُمارس الشيعة التقيّة في مصر مستغلين طيبة الشعب المصري وعشقهم لآل بيت النبي ﷺ، ولقد نجحوا بتشييع وتجنيد مواطنين مصريين يعملون بأمر إيران، فأقاموا "حُسينيّات" ومراكز شيعية منها:

* حسينية الأشتر.
* جمعية أحباب العترة المحمدية.

منتهزين فطرة وعاطفة الشعب المصري لأهل البيت، ومقولة الناس بأهلنا المصريين "سنّة في المذهب وشيعة في الهوى".

وفي تونس تتحرّك التقيّة الشيعية من خلال تأسيس جمعيات ثقافية قانونية منها :

* جمعية المودة الثقافية.
* جمعية آل البيت الثقافية.
* الرابطة التونسية للتسامح.

وفي السودان استغلّت الشيعة التسامح الديني في التركيبة الإجتماعية، ففتَحوا مركزاً ثقافياً، وأقاموا حفلاً كبيراً في مدينة "الخرطوم" بمولد "الإمام المهدي"، فتشجّع أتباعهم بإقامة الحسينيات والإحتفال بعاشوراء، متشبهين ببعض الطرق الصوفية السودانية أصحاب التبرّك بقبور الأوليّاء والصالحين !

وفي المغرب العربي ذو الأغلبية السنية المالكية، اخترقته التقيّة، وأسسوا جمعية "الرساليون التقدميون" ذات الأفكار الشيعية المبطّنة بحقوق الإنسان والدفاع عن الأقليّات !

وليبيا لم تسلم من تقيّتهم، فبعد سقوط القذافي على أيدي الشعب الليبي المنتفض لنيل حرّيته، دخلت عناصر إيرانية شيعية خبيثة، وقامت بتشييع أبناء ليبيا السنيّة التي لم يكن للشيعة والنصارى فيها نصيب، مستغلين انشغال الشعب بأموره الداخلية وتقرير مصيره، فالشيعة لم تنسى إختفاء إمامهم موسى الصدر في زيارته إلى ليبيا عام 1978م، فجزء من نشاطهم في ليبيا ثأراً للصدر !!

والخليج العربي بين أذرع الأخطبوط الصفوي منذ سنين، وخطّة إعادته خليجاً فارسياً قائمة، واحتلال جزره الثلاثة:
"طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى" دليل واضح على ذلك !!

والشيعة في السعودية موجودين منذ نشأتهم الأولى أيام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومتمركزين في عدة مناطق، ولهم نشاطات ومراقد، فالبقيع لها مكانة خاصة لإحتوائها قبر الحسن بن علي، وقبر محمد الباقر، وقبر جعفر الصادق، وقبور تعظيمية أخرى !

ورغم مطالبة الحكومة السعودية بكف يد إيران من التدخل في شؤون المنطقة العربية، مازال الصفويون يحاولون تصدير الثورة الخمينية، وزعزعة الإستقرار في المنطقة لإتمام المشروع الطائفي.

أمّا لبنان، فهو العصا الغليظة لوليّ الفقيه منذ تأسيس حركة "أمل" على يد الإمام الشيعي الإيراني الأصل "موسى الصدر"، وتسلّمَ العصا حزب الله إِبَّان نجاح الثورة الخمينية لإرتباطه بطهران مذهباً وسياسةً !!

وفي اليمن، أثارت إيران القلاقل والفِتَن من خلال بعض عملاءها الحوثيين، لإنشاء دولة قوية شيعية تساند الإمام المهدي المنتظر، فاحتلّوا صنعاء ومازالوا في طريقهم لبلع بقية المدن بمساعدة أمريكية !

والعراق العريق مدخل الخليج وإمتداد جغرافي للإمبراطورية الفارسية حسب زعمهم، ولأنّ غالبية شيعته موالية لمذهب الإثنى عشري، كان من السهل أن تسيطر عليه إيران بعد تنازل أمريكا لها لإستكمال المشروع الصفوي الطائفي في المنطقة وضمان أمن إسرائيل !!

وبما أنّ شيعة الحسين رضي الله عنه في العراق لم ينسوا خيانتهم وخذلانهم له في كربلاء، كان من السهل استنساخ فواطم ميليشياوية جدّيدة مثل:

* فيلق بدر.
* جيش المهدي.
* جيش المختار.
* عصائب أهل الحق.
* لواء أبو الفضل العباس.
وغيرهم..

أمّا سوريا المحافظة الإيرانية الإستراتيجية الخامسة والثلاثين حسب تصريح رجل الدين الشيعي "مهدي طائب "، فحدّث ولا حرج عن التقيّة والتواجد الصفوي !

إنّ الحقد الإيراني المجوسي على العرب المسلمين قائم منذ سقوط الإمبراطورية الفارسية، وخمود نارها في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولهذا جعلوا كربلاء مغنماً علّقوا عليه حقدهم التاريخي، فاستخفواّ عقول الدهماء ومشاعرهم بلطم الوجوه وتطّبير الصدور، حقداً على الشام وأهلها لأنّها عاصمة الأمويين !

بدأت إيران مشروعها الطائفي في إحتلال سوريا عندما أصدر رجل الدين العراقي "حسن الشيرازي" فتواه الشهيرة بانتماء النصيريين (العلويين) إلى "الطائفة الشيعة الجعفرية الإمامية الأثنى عشرية"، حيث كانت رغبة حافظ الأسد تشييع طائفته النصيرية، كي يُخرجها من عزلتها الفكرية والإجتماعية المتلازمة !!

كان ثمن هذه الفتوى أن سمحَ حافظ الأسد للشيعة بالإستلاء على بعض المقامات، كمقام السيدة زينب، وعمار بن ياسر، والسيدة رقية، كما سمح بتأسيس مراكز وحوزات شيعية بدعم إيراني، فتمّ بناء أول حوزة علمية شيعية في دمشق عام 1976م أطلق عليها  "الحوزة الزينبية".

وباندلاع الثورة الخمينية عام 1979م في إيران، بدأ الزحف الصفوي إلى سوريا، ونشر الثقافة الشيعية الفكرية والدينية برعاية أسدية.

أنشأت إيران مراكز وحسينيّات وحوزات علمية، واتسعت هيمنتها بشكل كبير في عهد الوريث الإبن "بشار الأسد" وتواطئ بعض علماء السنة المتصوفة أصحاب الميول الشيعي، فتوسّعَ نفوذهم بشراء بعض العقارات والفنادق حول المقامات، ممّا يسّرَ نشر التشيّع من خلال أماكن كثيرة أذكر منها:

* فندق آسيا.
* فندق كالدة.
* فندق البتراء.
* فندق الإيوان.
* فندق فينيسيا.
* الحوزة الزينيبية.
* السفارة الإيرانية.
* حسينية المرتضى.
* المدرسة اليوسفية.
* المدرسة المحسنية.
* فندق السميراميس.
* فندق دمشق الدولي.
* المركز الثقافي الإيراني.
* حسينية الإمام الخميني.
* حسينية الإمام جعفر الصادق...وغيرها.

لقد سنحت "السياحة الدينية" فرصة أخرى لنشر الفكر الشيعي بمساعدة وزارة السياحة والثقافة والإعلام، ومكاتب السياحية والسفر وتوابعها، لقد اشترت إيران ولاءات كثيرة من أصحاب النفوذ والنفوس الضعيفة، ممّا جعل التربة الشيعية خصبة كما كانت قبل ألف عام، استعداداً لإعلان دولة الفواطم الجديدة !!

تشكّلت اليوم حشود قتالية كثيرة باسم المهدي وغيره اعتقاداً بظُهوره في القريب حسب زعمهم يرفعون رايات خضراء بأسماء طائفية مثل: "حيدريون، فاطميون، زينبيون"
استعداداً لخروجه من السرداب واستلام الخلافة !

يمتدّ النفوذ الشيعي اليوم من صنعاء إلى بغداد إلى دمشق إلى بيروت، في طريقهم إلى القاهرة عاصمة الدولة الفاطمية الأولى !!

فإذا لم يسرع المسلمون بإقاف المد الصفوي على حواضرهم، فإنّ إرتفاع الطوفان الشيعي سيغرق المنطقة كاملة، ويحوّلها إلى فواطم مستنسخة لوليّ الفقيه !!!

22 تشرين أول 2016م

زنوببا ملكة الشرق

"هذا ليس بحثاً أكاديماً وإنما تسليط الضوء على حقبة زمنية تاريخية معينة قادتها شخصية عربية فذّة، ماتت في سبيل تحقيق حلمها بتحرير بلادها، وتركت بصمة ثقافية وحضارية، شنّ عليها الغرب مؤخراً حرباً ضروساً ممنهجاً دمّرَ شواهدها، ونهبَ كنوزها، وطمسَ تاريخها !"

القرن الثالث الميلادي...
كاد أن يفقد عقله حين رأى صورتها صكّت على نقود معدنية برونزية، وأنباء تنكيس علم روما الإمبراطوي من ساحات تدمر ومرتفعاتها، مما جعلهُ يعقد اجتماعاً طارئاً لكبار ضباطه وقادته، ويصدر أمراً بزحف الجيوش باتجاه الشرق لتأديب زنوبيا !!!

تتربع تدمر في وسط الصحراء السورية بين إمبراطوريتين عظيمتين متصارعتين، فارس من الشرق وروما من الغرب، وتقبع على أحد الطرق التجارية الهامة كوسيطة ومحطة لنقل التوابل والحرير ومنتوجات أخرى بين الصين وموانئ البحر الأبيض المتوسط، ومنها إلى روما التي تعامل تدمر كمستعمرة لها.

كان التدمريون يتكلمون الآرامية كلغة رسمية مع عدة لغات أخرى، ويحبون التجارة والعمل بها، فنظامهم الإجتماعي قائم عليها، وسمعتهم الحسنة بين القوافل التجارية العابرة جعلتهم يتوسعون في خدمة التجار والمسافرين والزائرين، ويؤمّنون لهم البضائع والمنتوجات وخدمات الإقامة.

استولى الفرس الساسانيون على الطرق التجارية المائية المارة إلى الخليج العربي عبر دجلة والفرات، وفقد التدمريون السيطرة عليها فعرّضتهم لضائقة مالية كبيرة لم تستطع روما مساعدتهم في اجتيازها، مما جعل الحاكم العربي التدمري أُذيّنة (زوج زنوببا) يعدّ العدة لإنقاذ بلاده من أزمتها، وتحرير الممرات التجارية من براثن الفرس.

شنّ أُذيّنة هجومين عنيفين على الفرس الساسانيين وقهرهم بأماكن عدة، واستعاد الطرق التجارية البرية والنهرية مما جعل روما تحسب تحركاته وتراقبه عن كثب ولقبته بملك الشرق.

ساهم أذينة بمشروعات الإمبراطورية الرومانية ومناوراتها العسكرية وأصبح الحامي الفعلي لحدودها الشرقية.

كان حلم أذينة إستقلال بلاده التام من تبعية روما، وهذا يحتاج لدراسة وإعداد وبناء قوة مكافئة وقادرة على مجابهتها !

طوّر أُذيّنة الزراعة وأعتنى بكافة أنواعها، ومدَّ أقنية الريّ ونظّمها، وأقام السدود لجمع المياه وتوزيعها، وحفر آبار الشرب وجرّها إلى داخل المدينة لصالح شعبه واستقطاباً للقوافل.

ازدهرت تدمر اقتصادياً، واستطاع ملكها أذيّنة تطوير جيشه، فرفع قدراته العسكرية أثارت مخاوف روما من تمرّده وانفصاله عنها فقتلوه غيلة وبطريقة غامضة !!

اعتلت زنوبيا عرش تدمر بعزم وإصرار لتحقيق حلم زوجها وتحرير بلاد الشام من الإستعمار الروماني المستبدّ.

امتازت زنوببا بالذكاء والحكمة ورجاحة العقل، وأجادت اللغة العربية والآرامية والفارسية واليونانية ومطالعة التاريخ وكتب الفلاسفة، واحترفت الفروسية فكانت من أشد الفرسان لا تتردّد باتخاذ القرار، وتسير مع الجيش مشياً على الأقدام مسافات طويلة، وتجلس مع شعبها تأكل الطعام كواحدة منهم، وتلبس الرداء الملكي كاشفة ذراعها الأيمن.

هذه هي الملكة التدمرية السمراء، العربية الأصيلة، ذات الشعر الناعم الطويل، والوجه المبتسم الجميل، والأسنان البيضاء الناصعة، والعينين السوداوين الواسعتين، والرموش الطويلة، والشفتين الممثلئين، والفم الصغير، والصوت الإنثوي الجهوري التي جمعت المجد والجمال والسلطة والعفة والشرف، فما سمحت لرجل يلمسها بعد زوجها !

كانت أحلامها عظيمة، أولها إنشاء إمبراطورية عربية مستقلة الإرادة تنعم بالحرية والكرامة والرخاء، وتصنع تاريخها بنفسها.

أطلقت زنوبيا الحريات، وخفضّت من الضرائب، وفتحت باب العلوم، وألغت قيود التجارة، ووسّعت الطرق الرئيسية والفرعية، فظهرت طبقة التجار والمهندسين وأصحاب المهن والكهنة وتخصصوا بإدارة المدينة.

ازدهرت تدمر ونشطت بشكل واسع في كل النواحي الإقتصادية والتجارية والمعمارية والدينية، فأنشأوا معابد لجميع آلهة القوافل، وقصور وقاعات طعام ومقاهي وساحات اجتماع، وتفننوا ببناء المدافن والقبور حسب عادات الشعوب وتقاليدهم، وأشادوا حمّامات السباحة الطبّية بمياه أفقا الكبريتية المقدّسة (نبع ماء)، فغدت تدمر منتجعاً عالمياً يتوفر فيه كل أسباب السعادة والرفاهية. 

امتلأت خزائن المملكة من عائدات الضرائب وتحصيلها، وخصّص قسم لتدريب وتحسين قدرات الجيش وإمداد فيالقه بأحدث الأسلحة.

امتزجت تدمر بفن العمارة الشرقية الرومانية اليونانية، وغدت أجمل المدن، فنافست روما بمكانتها وعظمتها وقدراتها العسكرية، وتحدثت القوافل برحلاتها عن مكانة تدمر وأهميتها وأمان وأمن وحرية من يعيش فيها، فقصدها المهاجرون من كل حدب ليقيموا بها، وجاء أصحاب الأموال ليستثمروا فيها، وزارها المهندسين ليتعلموا إشادة المدن وتخطيط الشوارع.

ظهر في روما بعض المعارضين لحكم أورليان، وحدثت بعض القلاقل السياسية والإجتماعية جعلت زنوبيا تستغل هذ الأحداث بتحقيق حلمها !!

بدأت أولاً بتحرير المناطق القريبة منها، ثمّ أرسلت جيوشها بكل الاتجاهات تسترد مدينة تلوى الأخرى وتضمّها لمملكتها حتى حكمت من شواطئ البوسفور بآسيا الصغرى شمالاً، إلى نهر النيل بمصر جنوباً، ومن ضفاف دجلة شرقاً إلى البحر الأبيض المتوسط غرباً، وجرّت مياه الفيجة من نهر بردى بدمشق إلى تدمر عبر الصحراء داخل أقنية فخارية، وروت شعبها من مياه الفيجة، وأعلنت تدمر عاصمة لمملكتها.

حقّقت الملكة كل الإنجازات وهي تتعامل بالنقود الرومانية المصكوكة بوجه الإمبراطور أورليان، وترفع راية روما بالساحات حسب نصيحة مستشاريها، كانت لا تقطع أمراً إلا باستشارتهم، فهي مسؤولة عن شعب يحبها ويثق بها ويفتديها، وتشاطره المحبّة والثقة، وتجلس بينهم كواحدة منهم !

لم يخفى على الإمبراطور أورليان ما يجري في تدمر وما تفعله زنوبيا، كانت العيون تأتيه بكل الأخبار، ولكن الإحتجاجات والقلاقل السياسية بروما منعته من التحرّك.

كان الساسانيون الفرس يتابعون ما يجري في تدمر مسرورين بسوء العلاقة بين الملكة وروما، ولا يخفون فرحتهم بما حقّقته من انتصارات، وكانت فرصتهم لعقد تحالف دفاع مشترك ضد روما وافقت زنوبيا مباشرة عليه.

لم تهدأ الملكة زنوبيا طوال فترة حكمها، ولم تدّخر جهداً في تحقيق حلمها الذي نذرته من أجل الحرية والذي بقي خطوة أخيرة لتحقيقه، وهي تنزيل علم روما من ساحات تدمر، وتداول نقود جديدة تحمل صورتها فتصبح بلادها مستقلة ذات سيادة تامة وإرادة حرّة.

لم يغب عنها خطورة وحساسية الأمر، ولهذا أكدّت عقد التحالف الدفاعي المشترك مع الفرس رغم علمها بحقدهم وغدرهم، ولكن كان التحالف لا بد منه.

عقدت عدة اجتماعات مع قادتها ومجلس شيوخها الإستشاري لتتدارس احتمالات ردّات فعل روما، وبعد نقاشات عديدة، اتخذ مجلس الشيوخ القرار بإعلان الإمبراطورية العربية المستقلة !

صكَّ التدمريون النقود البرونزية عليها صورة ملكتهم (أول ملكة تضع صورتها على النقود)، فهبطت قيمة النقود الرومانية، ونُكِسَت أعلام روما من الساحات والأقاليم التابعة لتدمر، ورفرَفَ العلم العربي التدمري وحده بجميع أنحاء سوريا !

كاد أورليان أن يفقد صوابه حين رأى صورتها صكّت على النقود، وراية روما أزيلت من الساحات، فعقد اجتماعاً طارئاً لكبار ضباطه وزحف بالجيوش باتجاه الشرق لتأديبها !!

طلب مستشاري زنوبيا بقاءها بتدمر وإرسال خيرة مقاتليها لملاقاة الروم.

التقى الجيشان بإنطاكية، ودارت معركة كبيرة شرسة خسر الرومان جنوداً كثيرة، واستبسل الجيش التدمري حتى كاد ينتصر، ولكن العدد والعدة الرومانية التي فاقت أعداد جيش زنوبيا حسم الأمر، وانهزم الجيش التدمري وقُتِلَ خيرة قادته وتابع أورليان الزحف باتجاه تدمر.

جمعت زنوبيا ما تبقّى من جيشها وطلبت المدد  من الفرس حسب الإتفاقية المنعقدة، فغدروا بها وخذلوها وتركوها وحدها تلاقي مصيرها !

خاض التدمريون معركة وجودية غير متكافئة، وتجمّعوا حول ملكتهم يفتدوها بأرواحهم، واستبسلت زنوبيا بالقتال، ودخل أورليان المدينة رافعاً راية النصر، واستباحها شهراً كاملاً يقتل كل ما وصل إليه سيفه، لا يستثني صغيراً ولا شيخاً ولا امرأةً حتى لا تقوم للعرب بعدها قائمة .

انتهت المعركة...

لم يعرف أحداً نهاية زنوبيا وبقيّ مصيرها لغزّاً، وكل ما قيل عن نهايتها ظنّي لا صحة له !

قالوا:
ساقها أورليان إلى روما مكبلة بقيد من ذهب يليق بها، وأسكنها قصراً قضت فيه بقية حياتها.

وقالوا:
أعدمها أورليان أمام شعب روما.

وقالوا:
احتست السمّ كما فعلت كليوبترا.

وقالوا:
لدغتها الأفعى التي كانت تحتفظ بها.

اختلف الناس بمصير الملكة زنوبيا، واجتمعوا على استمرار حلمها أربعة قرون، حتى جاء الفتح العربي الإسلامي وحقّقه بتحرّير بلاد الشام والعراق ومصر وأفريقيا من رجس الروم وقياصرتهم، والفرس وأكاسرتهم بآن واحد !!

تعليق:
* يوجد في تدمر ينابيع وواحات مياه عديدة، ولكن نبع "أفقا" هو سر حياة المدينة وشريانها، عمره أكثر من سبع آلاف عام، ينبع من مغارات قديمة كبريتية دافئة قدّسها التدمريون منذ القدم، وتداووا بها من الأمراض الجلدية وآلام المفاصل.

استمر نبع أفقا في ضخ المياه من آلاف السنين، واختفت مياهه في ثمانينات القرن الماضي عند إنشاء فندق "الميريديان" جانب النبع (اسمه الآن فندق تدمر الشام)، وتسببت حفريات الأساس في غور مياه النبع وفقدانها !

* مدينة تدمر الأثرية أعجوبة من عجائب الدنيا السبعة، يعرفها من زارها وشاهد آثارها وأطلالها، تتبدل ألوان أطلالها وجبالها حسب انعكاسات شعاع الشمس في كل ساعة تدور الأرض بمحمورها.

12 آب 2017م

معاناة اللاجئين بأمريكا

"اللاجئ شخص أُجبِرَ على ترك بلاده لأمرٍ ما، وغير قادر على العودة مادام السبب قائم"

لقد عانى السوريون خلال السنين الماضية مشقة الحرب والقتل والدمار، فمنهم كابد من البحر وأمواجه، ومنهم أنهِكَ من القفز والجري، ومنهم تعبَ من المشي لمئآت الكيلومترات، ليحط بهم الرحال في بلاد ذات ثقافة ولغة ودين جديد !

ومن السوريين من حالفهم الحظ لتحطّ رحالهم في أمريكا بطلب "إعادة التوطين" ويصبحوا مواطنين بعد مدة زمنية مقررة، فتفاجأوا بتحدّي جديد ومعاناة عدة، منها التواصل مع الآخرين.

إنّ التأقلم بالمجتمع الأمريكي يتطلّبُ جهداً وتضحية للإندماج فيه، فقوانين أمريكا صيغَت لمجتمع عائلي منفتح مغاير للمجتمع السوري البسيط الخالي من التعقيد.

وقد شعر الكثير من السوريين بالإكتئاب لفقدان الهوية الإجتماعية التي تربطهم مع بعضهم ولو على بعد كيلومترات، فتفاجأوا بالمجتمع المادي القائم على المنفعة، والمتفكّك أسَريّاً وإجتماعيّاً، فالجار لا يعرف اسم جاره ولا يكترث به !!

لقد شعر الكثير منهم بالغربة والعزلة والحنين للعودة إلى الوطن رغم توقّعهم الرعب والخوف والموت !!

والذي زاد معاناتهم بأساً تربية الأولاد والتعامل معهم في بلد قوانينه صارمة !

ومن المشاكل التي تواجه أبناءهم في المدارس بمراحلها الإبتدائية والإعدادية والثانوية، اِسْتِئْسادُ بعض الطلاب والتهجّم عليهم لما يسمعون من أخبارٍ باضطهاد حكوماتهم لهم، فيجدُ اللاجئ نفسهُ يصطدمُ بمواقف تزيده إرباكاً وتشوشّاً، وقد تتطور فتصبح ضغطاً نفسياً يزيد لمعاناة أهله !!

إنَّ الكثير من السوريين لا يجرؤون الإعلان عن الممارسات الغير قانونية بحقّ أولادهم، ففي بلادهم  لم يعتادوا الإحتجاج خوفاً من بطش الحكام !

يجب على الأهل تبليغ إدارة المدرسة عن أية إساءة أو عنف أو عنصرية تمارس ضدّ أولادهم وبدون تردّد، فإن لم تستجب الإدارة، فالترفع القضية إلى وزارة التربية، فإن لم تستجب الوزارة، فالترفع إلى المحكمة حتى يعود الحق وتعود الطمأنينة للأبناء !!

4 آب 2018م

الثلاثاء، 19 يونيو 2018

موقف رواه لي أحد أبطاله

شَهِدَت باصات البلدية الخضراء التابعة للنقل الداخلي بمدينة "دمشق" إقبالاً كبيراً من المواطنين، فهي أكثر راحة من ركوب "الميكرو" وأرخص بكثير من ركوب "التاكسي" فسعر تذكرة ركوب الباص للشخص الواحد لا يتجاوز عشرة ليرات سورية.

وقف عمّار بجانب عمه المسنّ "أبو أحمد" الذي تجاوز الخامسة والسبعين من العمر ومعه إبن عمه ينتظرون حافلة خط القصّاع.

جاء الباص وتدافع الناس على الصعود ليحصلوا على مقعدٍ فارغ !

صعد عمّار الباص يساعد عمه "أبو أحمد" فلم يجد مقعداً فارغاً، فنهض شاب من المقعد الأمامي وطلب من العم "أبو أحمد" الجلوس مكانه وبقي الشاب واقفاً مع عمّار وإبن عمه يتمسّكون بالقِشط المربوطة بعامود طويل مثبّتٌ بمنتصف سقف الباص وممتدّّ لآخره، وهذه القِشط مصمّمة خصّيصاً للراكب الذي لا يجد مقعداً شاغراً فيبقى واقفاً متمسكاً بإحداها كي لا يقع على الركاب الجالسين حوله.

نظر عمّار إلى وجه عمّهِ المرهق وجسمه الضعيف فشكر الشاب الذي آثرَهُ مكانه، وحمدَ الله على ثقافة المجتمع السوري في تبجيل كبير السنُّ والتعامل معه بوقار واحترام.

سار الباص بهدوء يعلو عليه ضجيج الشارع، يسرعُ تارة، ويبطئ تارة أخرى تناغماً مع زحمة السير..

وفي إحدى محطات الباص، نزل بعض الركّاب وصعد آخرين، ومن بين الذي صعدوا رجلاً في الثلاثين من عمره يبدو عليه عنصر أمن، وقف في المقدمة ينظرُ إلى المقاعد عسى يجدَ مكاناً يجلس فيهِ !

تحرّكَ الباصُ ورجل الأمن ينظر بتأفّف وسادية وغضب فقال:

آفي مقعد فاضي ؟

فلم يجبه أحد !!

نظر إلى المقعد الذي بجانبه وكان العم "أبو أحمد" يجلس فيه وقال:

قوم من هون ولاك !

يبدو أن العم أبو أحمد لم يسمعه فردّد بصوت مرتفع سمعه كل من في الباص:

إنت مابتسمع ماقلتلك قوم من هون !

نظر أبو أحمد إليه وقال:
حاضر يا إبني..

وقف أبو أحمد وجلس عنصر الأمن..

يقول الراوي..
والله لم يستطع أحد أن يتفوّه بكلمة، ولم يتجرأ عمّار ولا إبن عمه ولا أحد في الباص أن يهمس بحرف..

وسار الباص بصمت، وصَمَتَ معهُ الركّاب من الرعب حتى جاء اليوم الذي كسروا فيه جدار الرعب والصمت هاتفين:

الشعب يريد إسقاط النظام !

19 حزيران 2018م

حدث في مسجدنا.. لا تؤخِّروا الجنازة.. الجنازة أولاً..

آخر ما ينتفع به الميت في الدنيا هو الصلاة عليه والدعاء له. ومن المؤسف أن يُبتلى بعض أئمة المساجد بتقديم صلاة السُّنّة البعدية على صلاة الجنا...