تكاثر الأعداء في كل معركة ليقتلوه ويصرخوا:
"كسرنا سيف الله !"
فتنكسرَ قلوبُ المسلمين إلى الأبد !!
ولكن...
يأبّى الله إلّا أن يبقى سيفه مسلولاً !!!
دخل خالد بن الوليد الإسلام بعد محاربته له سنين طويلة، ففرح رسول الله ﷺ بإسلامه وقال:
"الحمد لله الذي هدَاكَ، قد كنت أرى لك عقلاً رجوت ألاَّ يسلمك إلاّ إلى خير"
فقال خالد بعد أن بايع رسول الله ﷺ :
"استغفر لي كل ما أوضعـت فيه من صد عن سبيل اللـه"
فقال رسول الله ﷺ:
"اللهم اغفر لخالد بن الوليد كل ما أوضع فيه من صد عن سبيلك"
اعتنق خالد الإسلام بفكر جديد يختلف عن سابقه، آمن بالآخرة بعد نكرانها، وفطن للبعث بعد الموت، وعَلِمَ النهاية جنّة أو نار.
أراد خالد الإجتهاد في عمل يُحسن لقاء ربه، كان سيفه في الجاهلية صارماً بوجه المسلمين، وجاء وقت الدفاع والتكفير عن ذلك.
بهذا البعد والفكر الإيماني تهيأ خالد ليخوض الحياة في طور جديد !
ولكن كيف؟
فالصحابة سبقوه بالإسلام وهو متأخر عنهم سنين، ولهم الفضل، أراد خالد التميّز بعبادة أُخرى يحبها الله ورسوله، لا تكبرّاً منه ولا أنانية، بل تنافس معهم في الخيرات لقوله تعالى:
{وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}
بعث رسول الله ﷺ بكتابٍ إلى عظيم بُصْرَى في الشام، فقَتَلَ جنود الروم حامل الكتاب، فغضب الرسول ﷺ غضباً شديداً لأنّ الرسلُ لا تُقتَل، وإن قُتِلَت، فذاك إعلان حرب.
جهزّ رسول الله ﷺ جيشاً ليؤدّب الروم على فعلتهم، وعقد للجيش لواءً عيّن عليه ثلاثة أمراء يحملوا رايته، كلّما استشهد أمير يحمل الراية الآخر، وبعث خالد مع الجيش، ولم يجعله من الأمراء.
التقى جيش المسلمين مع جيش الروم في مؤتى، وعدد الروم يفوق عشرة أضعاف المسلمين، فكشف الله الحجاب لرسوله ﷺ يراقب فيها سير المعركة، شاهد راية اللواء المنعقد تنتقل بين أمراؤه الثلاثة باستشهاد الواحد تلّو الآخر حتى التقطها أحد جنود المسلمين قبل سقوطها ودفعها إلى خالد بن الوليد !!
عندها قال الرسول ﷺ:
"اللهم إنه سيف من سيوفك، فأنت تنصره"
فسمِّي "سيف الله"
أبدى خالد بن الوليد مهارة ونبوغاً في الفروسية منذ الصغر، وتميّز على كثير من هم فوقه عمراً وخبرة وشجاعة، فكانت معركة "مؤتى" أولى جولات الصراع بينه وبين المشركين بعد إعلان إسلامه، لقد استطاع بخبرته في القتال ومهارته في المعارك أن يعيد الثقة إلى نفوس المسلمين بعد أن كادت الروم تفنيهم جميعاً.
في فتح مكة كلّفه رسول الله ﷺ بهدم صنم الْعُزَّى الذي كان يعبدها، فهدمها وأحرقها، وتسارعت الصحابة بهدم الأصنام التي عبدوها في الجاهلية، ليبقى الله وحده لا شريك له.
ظلّت مكانة خالد عالية بين الصحابة بعد وفاة الرسول ﷺ، فكان دواء المرتدين عند اشتعال فتنة مانعيّ الزكاة ومدَّعيّ النبوة، وبلسماً لكل متمرّد عن دين الله.
كانت حروب الردّة من أصعب المهام التي وجِهَت له، والتي قضى فيها على بؤر الفتن "مسيلمة الكذاب" عندما تترّس في حديقته المحصّنة، فأطلق عليها حديقة الموت !!
أرسله أبو بكر رضي الله عنه في فتح بلاد الشام ليحسم أمر الروم وقال فيه قولته المشهورة:
"والله لأنسيَنَّ الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد"
تمنّى خالد في كل غزوة أن يموت شهيداً، فكل عضو في جسده مبصوم بجرح وطعن في الذَبّ عن دين الله !
ولكنّ...
سيفُ الله لا يُكسَر ولا يُغمَد !!!
عندما وافته المنيّة قال حزيناً:
"لقد شهدت مئة زحف أو زهاءها، وما في بدني موضع شبر، إلا وفيه ضربة بسيف أو رمية بسهم أو طعنة برمح، وها أنا ذا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء"
كان الخليفة عمر بن الخطّاب من أشدّ الصحابة حزناً لموت خالد بن الوليد، مر بنسوة يبكينه في المدينة، فقال:
"وما على نساء قريش أن يبكين أبا سليمان، فعلى مثله تبكي البواكي"
فحكمة الله لم تشئ أن يموت خالد في المعركة، حتى يبقى سيف الله مسلولا لقول الرسول ﷺ:
"إن خالداً سيف، سلّه الله على المشركين"
مات أبا سليمان (خالد بن الوليد)، وجُرّدَّت سيوف كثيرة من بعده، سيوف علم، وسيوف فقه، وسيوف دعوة، وسيوف جهاد، وسيوف سياسة، وسيوف إقتصاد، وسيوف تجارة، وسيوف صناعة، وسيوف طبّ.
وسيف الله لم يُغمَد !
كل مسلم سيف إن صدق النيّة وعقد العزم، لقول الرسول ﷺ:
"إنّما الأعمال بالنيات وإنّما لكل امرئ ما نوى"
فإذا اجتمعت سيوف الله سواسية تُقيم للإسلام عدله وتُعيد له مجده، لهرول الناس يدخلون في دين الله أفواجا !!!
تأبى السيوفُ إذا اجتمعن تكسُرّاً..
وإذا افترقن تكسّرَت آحادا
فلينظر كلٌ منّا أيّ سيف يكون ؟
6 أيار 2016م
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق