السبت، 19 مايو 2018

الأسيرة "حوار مع وردة شامية"


فصل الربيع المنصرم...
وأثناء عودتي من سفرٍ طويل تراءت لي حديقة جميلة تميّزت بطول أشجارها وتعدّد ألوان ورودها، جلسَت على أطرافها بعض العائلات، وافترشَ آخرون عشبها الأخضر بين حِوارٍ وصَمتٍ وضَحكٍ ولَعبٍ.

ترجَلّتُ من السيارة لعلِّ أجد بسحر المناظر الراحة والسرور.

خلوتُ بنفسي بين الزهورِ مشدوه البصر أتامّلُ ألوانها الجميلة وأشم رائحتها العطرة، وكلما وقعَ بصري على زهرةٍ انحازَ لأجمل منها، وضجَّت الأشجارُ بتغريدِ الطيور ابتهاجاً بشمسِ الأصيل.

وبين رائحة الزهور وتغريد العصافير وأصيل الشمس، فاحَ عِطرٌ مُميّزٌ عن العطور، عِطرٌ له حِكايات ومواقف تَنَسَّمُتها منذ الصغر، وصوتٌ ناعمٌ رقيقٌ يهمسُ بعذوبة..اقترب اقترب ! 

تلفَّتُ نحو مصدرهُ فوجدتها بعد غياب، شعرتُ بنشوةِ أعادت شريط الذكريات إلى الرائحة العطرة والصوت العذب.

أخرَجَت بياضَ وجهها الجميل من مخبئهِ مشوباً بمسحةٍ حمراء خفيفة، وتقدّمَت بقوامٍ ممشوقٍ يسترهُ ثوبٌ أخضرٌ داكنٌ يُزيّنُ جِسمها المتمايل النحيل، وقالت متلعثمة:

كُنتُ أعلمُ أني سأراك !

دنوتُ منها وأحطتُ وجهها براحتيّ يديَّ، وهتفتُ:

جوريّة.. كم أنتِ جميلةٌ.. لم تتغيري.

مالت بخدِّها تمّسَحهُ براحة يدي فانتشرَ عِطرها مع النسمات نبّهَ الزائرين.

لم أكترث لأحدٍ من دهشتي وتذكّرتُ لقاءنا الأخير في دمشق، وتساءلتُ بنفسي كيف جاءت إلى هنا ؟

أدركت جوريةُ تساؤلي فقالت:
رحلةٌ طويلةٌ سأرويها لك !

جلسنا على مقعدٍ مستطيلٍ بين الأعشاب تتعانقُ فرحتنا بصدفة اللقاء.

نَظرَت جوريةُ إلى الأفق البعيد حيثُ خيوط الشمس تتسلل من الغيوم وهمسَت بتنهد:

الغائبُ عن حبيبه يبقى أسير الشوق حتى يراه !

قلتُ لها:
هذه كلماتي يا جورية يهمسُ بها حنيني إلى دمشق.

قالت:
وطني هناك، وأهلي في كل بيت وحديقة وبستان.

قلتُ:
ما حكايتك يا جورية ؟

أجابت:
حكايتي عميقة إلى القرون الوسطى حيث المسلمون منهمكون بصراعاتهم الداخلية دون شعور بالمسؤولية، والكل يتبَع مصالحهُ الشخصية، وأوروبا تتحّد وتحشد وترسلُ حَملاتها لقتل وذبح المسلمين رافعة رايات صليبية.

قطَبَت جوريةُ حاجبيها الجميلين بغضبّ واستطردت بشفاه مرتعشة:

استَمَرَّت حملاتهُم قرنين تغوص خيولهم بدماءِ المسلمين وتجهِز فرسَانهم على من بقي حيّاً !

وسقطَت دمعةُ ألمٍ من عينيها فمسَحتُها بكفّي وقلتُ:
أكملي يا جورية.

أجهشَت بالبكاء وقالت:
أسَرَ الصليبيون أجدّادي وساقوهم إلى مزارع وحدائق أوروبا، فأصابهم الحزن واليأس والمرض لبعدهم عن نسيم الشام وتربتها، فمات الكثير من الورود حُزناً وغمّاً، وذَبُلَ الباقي كآبة من الأسر وطال العناء.

لم ينجى من الورد إلا قليل يأبى العيش في تربة الغرب، فطلب المزارعون من الصليبيين جلب بعض تُرابَ الشام ومزجه بتراب أوروبا ليرضى الجوري !! 

وصَمتت الجوريّة برهة تأخذ نفسَاً عميقاً وتابعت:
وبعد سنين من الأسرِ والعيش في تربتيّ الشام وأوروبا، خرجت ورودٌ جديدةٌ استطاعت التأقلم مع التراب الممزوج، وبتقارب خصائص التربتين تجاوزت أجيال الورد الجديدة العيش بالأسر وأصبحت جزء من هذه البلاد.

وأجهشَت جوريّة ثانية بالبكاءِ وقالت بصوت متقطّع:

أنا الأسيرةُ من الجيل الجديد وأحنُّ إلى الشام.. وطني !!

احتضنّتها ومسَحتُ دمُوعها وهمستُ بأُذنِها:
لقد تحرَّرَت بلاد الشام وطُرِدَ الصليبيون منها.

ثمَّ هززتها بلطفٍ بكلتا يديّ وصَرَختُ في وجهها: انهضي وافرحي يا جورية، لقد اجتمعَ المسلمون على كلمة وعادت الشام حرّة أبية، وأنتِ حرّة، جورية أوروبية من أصولٍ شامية.

فانبسطت أساريرُ وجهها فرحاً تطلقُ شَذاها مِلئ الحديقة سروراً وتهتفُ بأعلى صوتها:

الشام حرّة.. الشام حرّة.. أحبّكِ يا حرّة يا أبيّة.. الحمد لله أنكِ دوماً على الأعداء عصيّة !

وضجّت الحديقةُ بتصفيق الحضور يشاركون جورية  الفرحة والسرور.

وانحَنيّتُ على وجهها أستنشقهُ وأقبلّهُ مودعاً لها:

حان وقت الرحيل.. أحبُّكِ يا جورية فأنتِ عِبقُ الشام وتراثه.. سأحكي لهم كل شيء..

تمَّت..

* الوردة الجورية أشهر ورود العالم طلعة وعطراً وزينةً وجمالا، تتمتع بألوان عاطفية جذّابة تمزجُ الحبَّ بالأمل، يُستخلصُ من رحيقها الجوهر الأساسي الزيتي ويُمزَجُ بأشهر مُركّبات العطور العالمية وأغلاها ثمناً.

جَلَبها الصليبيون قِصراً وعِنوة من بلاد الشام في عصور الظلام لتبدِّدَ كآبتهُم بالأمل والمحبة، فأنجبت الوردة الجورية الشامية أجيالاً جديدة سَكَنَت حدائق أوروبا وأمريكا والعالم بأسره، كما يسكنون السوريون اليوم الكرة الأرضية بعد هجرتهم القصرية !!

16 تموز 2017م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

حدث في مسجدنا.. لا تؤخِّروا الجنازة.. الجنازة أولاً..

آخر ما ينتفع به الميت في الدنيا هو الصلاة عليه والدعاء له. ومن المؤسف أن يُبتلى بعض أئمة المساجد بتقديم صلاة السُّنّة البعدية على صلاة الجنا...