الجمعة، 27 مارس 2026

الطابور الخامس.. العدو الذي يسكن بيننا..

ليس الخطر دائماً فيما يأتي من الخارج، بل فيمن يعيش بيننا، ويتكلم بألسنتنا، ويطعن أوطاننا من الداخل.

الطابور الخامس ليس مجرد مصطلح عابر، بل هو واقع يتكرر في كل أزمة تمر بها الدول، هم أولئك الذين يتصدّرون المشهد كلما صدر قرار، فيحوّلونه إلى مادة للتهويل والتشكيك، ويعملون ليل نهار على بث الفوضى وزعزعة الثقة، وكأنهم في مهمة دائمة لخدمة أعداء الوطن دون مقابل.

ظهر هذا المفهوم لأول مرة في إسبانيا في القرن العشرين، لوصف العملاء المندسين الذين يمهّدون الطريق للعدو من الداخل.

واليوم، لم يعد الطابور الخامس بحاجة إلى أن يختبئ في الظل، بل أصبح ظاهراً عبر الشاشات والمنصات، يتحدث ويؤثر ويوجّه.

في كل دولةٍ مستهدفة، يبدأ العدو من الداخل قبل الخارج، بزرع أدواته في مفاصل المجتمع، هؤلاء يصبحون أدوات تخريبٍ ناعمة، يتجسّسون بالفكرة، فيهدمون بالكلمة ويشعلون الفتنة بالشائعة.

ومع كل حدث تمر به المنطقة، ينكشف وجه جديد من وجوه هذا الطابور، فنرى من يبرر، ومن يطبّل، ومن يزيّف الحقائق، وكأن ذاكرة الشعوب قد مُسِحَت، أو كأن الدماء والمعاناة لم تكن يوماً حقيقة.

المشكلة أن الطابور الخامس ليس وجهاً واحداً، بل وجوهٌ متعددة: سياسيٌّ يحرّف البوصلة، وإعلاميٌّ يضلّل ويهوّل، ومتستّرٌ بالدين يستغل العقيدة لتفريق الناس، وآخر من العامّة يروّج ما يضر مجتمعه دون وعي، لكن سلاحهم الأشد فتكاً يظل الشائعة، فهي الشرارة التي تُشعل الفوضى وتُضعف الصفوف.

هكذا تُدار الحروب اليوم.. بالكلمة قبل الرصاصة، ووراء ذلك يقف حاقدون ومغرضون، يستثمرون الفوضى، ويغذّون الانقسام، ويتخذون من الكذب سلاحاً لتمزيق المجتمعات وضرب خصومهم.

قد يبدأ الأمر بخبرٍ صغير يُضخَّم حتى يغدو أزمة، أو بكذبةٍ تُكرَّر حتى تُلبس ثوب الحقيقة، أو بحقيقةٍ تُبثّ في غير أوانها فتتحول إلى أداة أذى !!

لهذا، فإن المعركة الحقيقية في الوعي، وليست على الأرض فقط، فكن يقظًا أيها السوري ولا تنساق خلف كل ما يُنشر، ولا تكن أداةً بيد غيرك دون أن تشعر، فالأوطان لا تسقط بقوة أعدائها وحدهم، بل بضعف وعي أبنائها، والوعي هو الحصن الأول والأخير في وجه كل من يسعى لإضعافها.

السبت، 7 مارس 2026

حين تنتصر دعوات المظلومين

لقد شاء الله أن تتأخر المواجهة بين أمريكا وإسرائيل وإيران إلى ما بعد انتصار الثورة السورية وتطهّر الأرض من الوجود الإيراني وأذنابه.

فلو بقيت إيران متغلغلة في سوريا، لكانت دمشق اليوم في قلب النار، ولربما اجتاحتها موجات الدمار كما اجتاحت مدناً كثيرة، لكن خروج إيران كان لحظةً فاصلة في مسار الأحداث، لحظةٌ حمت دمشق من مصيرٍ أشد قسوة.
 
لقد أذاق الله إيران وولاية الفقيه وحزب الله من جنس ما أذاقوه للشعب السوري، فالشعب السوري قد شُرِّد، وذُبح، وقُتل، وهُجِّر من أرضه ودياره.

غير أن أنين المظلومين لم يُضع، ودعواتهم لم تذهب سدى، بل ظلّت ترتفع إلى السماء حتى جاء وعد الله الحق، وكأن صداها يتردد:

وعزّتي وجلالي لأنصرنّك ولو بعد حين.

الجمعة، 6 مارس 2026

عقول مسطّحة ووهم المقاومة...

عندما يتسطّح العقل، لا يرى إلا زاوية واحدة، ولا يقرأ إلا السطح، يكتفي بالمشهد الخارجي، ويعجز عن الغوص في جذور الصورة:
كيف تشكّلت؟
ومن صاغها؟
ولمصلحة من؟

لا يزال كثير من المكوعيين اليوم، من المصفّقين لنظام الأسد ونظام الملالي، يهمسون في الخفاء بدعم إيران وثورتها الخمينية، وكأن هذا الولاء يعلو على كل اعتبار.

لقد استحوذ حبُّ طهران على قلوبهم وعقولهم، وما زالوا يترحمون على حسن نصر الله والوليّ الفقيه علي الخامنئي، غير مبالين بما إذا كانت المعتقدات الشيعية تسيء إلى الصحابة وأمهات المؤمنين، في نظرهم، الشيعة هم المقاومون الحقيقيون لإسرائيل وأمريكا، وكل ما سواهم لا يهمّ.

على مدى سبعة وأربعين عاماً منذ الثورة الخمينية، غرق أتباعها بعقول ضحلة، بينما إيران تزرع الخراب في العراق والشام ولبنان واليمن، سعياً لإكمال "هلالها الشيعي".

لكن الحقيقة التي يغفلون عنها أنّ إيران وملحقاتها ليست إلا أداة لأمريكا وإسرائيل، تعمل لتفتيت الشعوب وزرع الفتن وزعزعة الاستقرار في الوطن العربي.

عقولهم المسطّحة لم ترى إيران تدعم أمريكا في حرب العراق، ولم تسمع عن فضيحة "إيران كونترا"، ولم تدرك خيانتها للشعوب في احتلال العراق وأفغانستان، حتى لم تسمع تصريحات محمد علي أبطحي، نائب الرئيس الإيراني، عن تعاون بلاده مع أمريكا لإسقاط صدام حسين وطالبان.

هذا والله انحدارٌ مخزٍ في الوعي وتسطيحٌ فجّ لعقولهم الضحلة، ألم يروا كيف جرى تسليع قضية فلسطين وتحويلها إلى ورقة مساومة تتاجر بها إيران، ترفع راية “التحرير” لتخدير البسطاء واستدرار عواطف المخدوعين؟ حتى حسن نصر الله انحرفت بوصلته، فتوهم أن تحرير فلسطين يمكن أن يُشاد على أشلاء السوريين ودمائهم، وكأن الدم السنّي العربي صار وقوداً لمشاريع النفوذ لا لقضيةٍ عادلة.

ألم تشاهد عيونهم الاحتلال الإيراني لسوريا، ودعمها لبشار الأسد في تهجير 14 مليون سوري، واغتصاب النساء، وذبح الأطفال، وتدمير المدن، جنباً إلى جنب مع ميليشياتها الشيعية من شذاذ الآفاق.

إلى متى ستظل عقولهم حبيسة سطحية التفكير، يعيشون في وهم ما يسمّى بـ"المقاومة"، بينما يكشف الواقع حجم الخيانة والدمار الذي يزرعه النظام الإيراني أينما حلّ؟


الأحد، 1 مارس 2026

سوريا ما بعد قتل الخامنئي فرصة تاريخية لبناء منظومة أمن عربي مشترك..

مضى قرنٌ على اتفاقية سايكس بيكو التي فتَّت الجسد العربي والإسلامي، وأعادت تشكيل خريطة المشرق العربي، وأسهمت في تقسيم المنطقة إلى كيانات سياسية متفرقة، تفاوتت في قدراتها وتباينت في مواقفها، فتقاربت أحياناً وتنازعت أحياناً أخرى.

واليوم، تبدو المنطقة العربية والإسلامية وكأنها تقف أمام مرحلة جديدة من التحولات الاستراتيجية، حيث تتبدل موازين القوى وتُعاد صياغة التحالفات وفق معطيات سياسية واقتصادية وأمنية أكثر تعقيداً.

إن صعود التنين الصين عسكرياً واقتصادياً، وتنامي نفوذه العالمي، قد أثار قلق الولايات المتحدة، ولا سيما في ظل سعيها للحفاظ على موقعها كقوة مهيمنة في النظام الدولي، وهو ما انعكس بدوره على طبيعة التنافس في المنطقة العربية، التي تمثل محوراً حيوياً في معادلات الطاقة والممرات البحرية والأسواق الناشئة.

وفي خضمّ هذا المشهد المتشابك، ومع انحسار المدّ الشيعي في المنطقة عقب قطع رأس أفعته "علي خامنئي"، تجد الدول العربية نفسها أمام لحظة تاريخية فارقة تستوجب مراجعة عميقة لواقعها السياسي والاقتصادي، فالمتغيرات الإقليمية المتسارعة لم تعد تسمح بسياسات ردّ الفعل أو الارتهان لمحاور خارجية، بل تفرض تبنّي رؤية استراتيجية قائمة على تعزيز التكامل العربي، وتفعيل آليات التنسيق المشترك، وصياغة منظومة مصالح متبادلة تحمي الأمن القومي العربي وتؤسس لدور أكثر فاعلية في نظام دولي سريع التحول.

وفي هذا السياق، تبرز سوريا اليوم، بعد سقوط نظام الطاغية "بشار الأسد" وانفتاحها دبلوماسياً على المجتمع الدولي، بوصفها دولة محورية في إعادة تشكيل منظومة الأمن الإقليمي، فموقعها الجغرافي، وعمقها الحضاري، وصلاتها التاريخية بمحيطها العربي والإسلامي، تؤهلها لتكون ركيزة أساسية في أي مشروع لاتفاقية دفاع مشترك، تقوم على مبدأ احترام السيادة، ومنع التدخلات الخارجية، ومكافحة التنظيمات المتطرفة بكافة أشكالها.

غير أن نجاح مثل هذا المشروع يظل مرهوناً بقدرة الدول العربية على تجاوز خلافاتها، فالمستقبل لن يُصاغ إلا عبر شراكات حقيقية، تقوم على المصالح المتبادلة والتنمية المستدامة، وتستند إلى إرادة سياسية واعية تدرك أن قوة المنطقة تكمن في وحدتها، وأن أمنها لا يتجزأ.

وبذلك، قد تتحول هذه المرحلة من مجرد لحظة اضطراب إقليمي إلى نقطة انطلاق نحو نظام عربي أكثر تماسكاً، وأكثر قدرة على التأثير في معادلات الإقليم والعالم.

فهل تنجح الدول العربية في تحويل التحولات الجارية إلى مشروع نهضوي جامع تكون فيه سوريا حجر الزاوية وبوابة العبور إلى نظام عربي أكثر تماسكاً، أم تضيع هذه الفرصة كما ضاعت فرص تاريخية سابقة؟

الأحد، 1 فبراير 2026

حين تصبح فاتورة الكهرباء عبئاً، تخرج أصوات معادية

لقد فوجئ المواطن السوري بارتفاع فواتير الكهرباء دون أي مبرر، في حين أن التيار الكهربائي مازال لا يصل على مدار الساعة وينقطع لفترات.

الفاتورة تضاعفت عشرات المرّات مقارنةً بما كانت عليه سابقاً، على الرغم من أن الإنتاج والنقل والتوزيع جميعها تحت إشراف الدولة، وتحديداً وزارة الكهرباء والمؤسسات التابعة لها.

السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل أصبحت الكهرباء خدمةً أساسية للمواطن، أم تحوّلت إلى عقوبة له؟


الكهرباء ليست منّة أو تفضّلاً من الدولة كما كان في عهد الأسد، بل هي حق أساسي من حقوق المواطن، وخدمة يجب أن تضمنها الحكومة بجودة عالية وبأسعار معقولة تتناسب مع متوسط الدخل الفردي للمواطن السوري.

لا يمكن إنكار أن ساعات وصل التيار الكهربائي تحسّنت مقارنةً بالسابق، لكن بدل أن تصبح خدمة متطورة تُحسّن حياة المواطن، تحوّلت بعد ارتفاع الفاتورة إلى عبء ثقيل وضريبة قاسية لا يطيقها أحد.

وفي خضمّ هذا الواقع، خرجت علينا كثيرٌ من الأصوات النشاز المؤيّدة للنظام البائد، مستغلّةً الحريةَ اللامحدودة في الحكم الجديد وديمقراطيته. وهي أصواتٌ مدفوعةٌ من جهاتٍ حاقدةٍ على انتصار الثورة ووحدة البلاد أرضاً وشعباً، استغلّت مظاهرةً احتجاجيةً على ارتفاع كلفة الفاتورة لتنتقد الحكومة وتتطاول عليها بألفاظٍ نابية، وكأنّهم عاشوا حياةً هادئةً ومرفّهةً في أيام النظام المخلوع، متناسين سنوات الخوف والتهديد المستمر التي عايشها السوريون.

لقد نسيَ هؤلاء تقبيل البوط العسكري، واختباء الشباب داخل منازلهم خوفاً من الحواجز الأمنية والعسكرية، وعيشهم تحت تهديد دائم وخوف يومي بلا رحمة.

لقد نسيَ هؤلاء حقبة الرعب اليومي، حيث كان الخوف يحكم الشوارع، والإذلال الممنهج يفرض نفسه على كل حركة، والعيش تحت تهديد مستمر لمجرد التنفس خارج إرادة الأجهزة الأمنية.

لقد نسيَ هؤلاء الخوف الذي كان يطارد كل خطوة، والاعتقال الذي كان يهدد كل نفس، والمهانة المفروضة يومياً بلا رحمة.

لقد نسيَ هؤلاء... فهل اشتاقوا إلى حكم البسطار ؟

السبت، 24 يناير 2026

القامشلي... حكاية مدينة لم تكن في الحسبان

على أطراف الخرائط، حيث تتعانق الحدود وتضيع المسافات بين الدول، وُلدت القامشلي !!

لم تولد من رحم حضارة قديمة، ولا استظلّت بظل قلعة أو عاصمة منسية، بل خرجت إلى الوجود صدفة، ثم أضفى البشر عليها الروح، فتحولت إلى مدينة تنبض بالحياة.

تقع القامشلي في شمال شرق سوريا، ضمن محافظة الحسكة، عند مثلث تلاقي الحدود السورية والتركية والعراقية، هناك، حيث يختلط التاريخ بالجغرافيا، غدت المدينة مركزاً إدارياً وتجارياً مهماً، وواحدةً من أكبر مدن المحافظة وأكثرها حركةً وتأثيراً.

اكتسبت القامشلي نشاطها بموقعها الحدودي مع تركيا، ومنحتها الأرض خيرها بسخاء، تمتد حولها حقول القمح والعدس والشعير كبحرٍ ذهبي، وتتناثر الثروة الحيوانية في محيطها، أسهمت حقول النفط القريبة في تسريع نبضها الاقتصادي، وعلى ضفاف نهر الجغجغ (الجعجع) الذي يشق المدينة بهدوء، حيث يكثر نبات القصب، وُلد اسمها «القامشلي» الذي يعني القصب، اسمٌ بسيط مثل نشأتها، لكنه صار عنواناً لمدينة كاملة.

بعد الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية، رُسِمَت الحدود الجديدة بقلم المنتصرين، ومع الانتداب الفرنسي على سوريا عام 1920م، تحولت سكة الحديد (برلين – بغداد) عند نصيبين إلى خط فاصل بين بلدين.

 هناك، وقفت نصيبين في الشق التركي، (مدينة نصيبين تاريخياً تابعة لبلاد الشام) بينما بدأت القامشلي تتشكل في الجانب السوري، مدينتان متقابلتان، يفصل بينهما خطٌ سياسي، ويجمعهما تاريخٌ واحد، حتى بات كثيرون يخلطون بينهما إلى اليوم.

حكاية القامشلي...
أقام الفرنسيون مخفراً حدودياً ومحطة قطار على الجانب السوري، في منطقة زراعية تضم قرى عربية مسلمة وسريانية وآشورية وكلدانية فتحول المكان إلى نقطة جذب لجأ إليه الأرمن الهاربون من الأناضول، وبالتالي هاجر الأكراد من تركيا هرباً من القوميات المتشددة بعد تأسيس الجمهورية التركية.

في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، وبعد فشل الثورات الكردية في كردستان تركيا، ومنها ثورة الشيخ سعيد بيران عام 1925م التي قامت ضد سياسة التتريك، نزح عدد كبير من الأكراد الأتراك إلى شمال شرق سوريا، ولا سيما إلى القامشلي ومنطقة الجزيرة، لتشكل هذه الموجة أكبر مرحلة تأسيسية للوجود الكردي في القامشلي.

وفي فترات لاحقة، خلال الصراعات المتكررة في كردستان العراق في الثلث الأخير من القرن العشرين، وخاصة بعد حملة الأنفال، لجأ العديد من الأكراد إلى سوريا، واستقر بعضهم في القامشلي.

وفي ثمانينيات القرن الماضي، ومع اندلاع الصراع المسلح بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني (PKK)، تدفقت إلى القامشلي موجات جديدة من الهجرة الكردية، وبعد عام 2011، ومع الثورة السورية، استقرت في المدينة عائلات عديدة من مختلف مناطق كردستان، فامتدت القامشلي ونمت، لا بأسوارها، بل بالبشر.

اليوم، يقترب عدد سكان القامشلي وضواحيها أكثر من نصف مليون نسمة، ينتمون إلى فسيفساء بشرية نادرة الألوان والأنغام: العرب والسريان والآشوريون والكلدان والأرمن والأكراد، مجتمعون على أرض واحدة، هذا الخليط لم تخلقه السياسة وحدها، بل نسجته الهجرات ودفء البحث عن الأمان، وحكايات العيش المشترك.

وبهذا، لم تكن القامشلي مجرد مدينة من حجر، بل كانت مدينة الأعراق واللغات، ومرآةً لتاريخٍ حافل بالهجرات والتلاقي، لم تختَر الأرض مكانها، لكنها اختارت أن تحتضن الجميع، وُلدت صدفةً على الحدود، لتصبح وطناً لكل من عبر إليها، وبقيت صامتةً وشاهدةً على أن المدن، مثل البشر، تُعرَف بروحها ودفئها، لا بأصولها أو جذورها.


الاثنين، 19 يناير 2026

حين نهضت الجزيرة وسقط القيد، عاد الفرات إلى اسمه ومعناه

عاثت قسد ميليشيا قنديل في جسد الجزيرة السورية فساداً أسودَ، فحوّلت الأرض الطاهرة إلى ساحات قتل، وارتكبت بحق أهلنا الأبرياء جرائم تندى لها الجباه، إجراماً منظماً لا يعرف الرحمة، خلّف دماراً لا تُحصيه الأرقام، وخراباً لا تمحوه السنين، ووصمة عارٍ لا تُغتفر.

اليوم…
اليوم نهض الحق من تحت الركام، وبإرادة الله أولاً، ثم بسواعد صناديدنا الأبطال، فارتفعت راية الكرامة فوق أنقاض الظلم، وخُطّت ملاحم النصر بأيدٍ لم تعرف القيد، ولا انحنت يوماً للطغيان.

أربعة عشر عاماً من الإجرام كانت كافية لفضح كل الأعداء أمام العالم، لكنها كانت أعجز من أن تكسر إرادة شعبٍ خُلق حرّاً، ولا يعرف معنى الانكسار !

اليوم...
عادت الجزيرة الفراتية لأهلها عالية الراية، مرفوعة الرأس، ثابتة العهد إلى يوم القيامة.

اليوم...
ومن القلب إلى القلب نبارك لشعبنا السوري الأبي هذا اليوم العظيم، ونخصّ أهلنا في الجزيرة بعودة الفرات إلى اسمه، إلى روحه، إلى معناه الحقيقي، عاد متطهّراً من رجس جبال قنديل، فراتاً حرّاً صافياً كما خُلق، صادق الانتماء، سوريَّ الهوى والهوية، يشهد أن الماء لا يُستعبد، وأن الأرض لا تخون أبناءها، وأن الحق مهما طال اغترابه لا بد أن يعود.

اليوم سورية أعلنتها مدوّية:
أنا عصيّة على السقوط، شامخة كشموخ الجبال، صامدة كجريان الأنهار، ينفجر الفرح من قلبي عزّةً لا تنحني، ويزدهر النصر في شراييني بقلوبٍ فولاذية لا تلين، فنبض بواسلي حيّ، وزئيرها لا يعرف الهزيمة.

حدث في مسجدنا.. لا تؤخِّروا الجنازة.. الجنازة أولاً..

آخر ما ينتفع به الميت في الدنيا هو الصلاة عليه والدعاء له. ومن المؤسف أن يُبتلى بعض أئمة المساجد بتقديم صلاة السُّنّة البعدية على صلاة الجنا...