ليس الخطر دائماً فيما يأتي من الخارج، بل فيمن يعيش بيننا، ويتكلم بألسنتنا، ويطعن أوطاننا من الداخل.
الطابور الخامس ليس مجرد مصطلح عابر، بل هو واقع يتكرر في كل أزمة تمر بها الدول، هم أولئك الذين يتصدّرون المشهد كلما صدر قرار، فيحوّلونه إلى مادة للتهويل والتشكيك، ويعملون ليل نهار على بث الفوضى وزعزعة الثقة، وكأنهم في مهمة دائمة لخدمة أعداء الوطن دون مقابل.
ظهر هذا المفهوم لأول مرة في إسبانيا في القرن العشرين، لوصف العملاء المندسين الذين يمهّدون الطريق للعدو من الداخل.
واليوم، لم يعد الطابور الخامس بحاجة إلى أن يختبئ في الظل، بل أصبح ظاهراً عبر الشاشات والمنصات، يتحدث ويؤثر ويوجّه.
في كل دولةٍ مستهدفة، يبدأ العدو من الداخل قبل الخارج، بزرع أدواته في مفاصل المجتمع، هؤلاء يصبحون أدوات تخريبٍ ناعمة، يتجسّسون بالفكرة، فيهدمون بالكلمة ويشعلون الفتنة بالشائعة.
ومع كل حدث تمر به المنطقة، ينكشف وجه جديد من وجوه هذا الطابور، فنرى من يبرر، ومن يطبّل، ومن يزيّف الحقائق، وكأن ذاكرة الشعوب قد مُسِحَت، أو كأن الدماء والمعاناة لم تكن يوماً حقيقة.
المشكلة أن الطابور الخامس ليس وجهاً واحداً، بل وجوهٌ متعددة: سياسيٌّ يحرّف البوصلة، وإعلاميٌّ يضلّل ويهوّل، ومتستّرٌ بالدين يستغل العقيدة لتفريق الناس، وآخر من العامّة يروّج ما يضر مجتمعه دون وعي، لكن سلاحهم الأشد فتكاً يظل الشائعة، فهي الشرارة التي تُشعل الفوضى وتُضعف الصفوف.
هكذا تُدار الحروب اليوم.. بالكلمة قبل الرصاصة، ووراء ذلك يقف حاقدون ومغرضون، يستثمرون الفوضى، ويغذّون الانقسام، ويتخذون من الكذب سلاحاً لتمزيق المجتمعات وضرب خصومهم.
قد يبدأ الأمر بخبرٍ صغير يُضخَّم حتى يغدو أزمة، أو بكذبةٍ تُكرَّر حتى تُلبس ثوب الحقيقة، أو بحقيقةٍ تُبثّ في غير أوانها فتتحول إلى أداة أذى !!
لهذا، فإن المعركة الحقيقية في الوعي، وليست على الأرض فقط، فكن يقظًا أيها السوري ولا تنساق خلف كل ما يُنشر، ولا تكن أداةً بيد غيرك دون أن تشعر، فالأوطان لا تسقط بقوة أعدائها وحدهم، بل بضعف وعي أبنائها، والوعي هو الحصن الأول والأخير في وجه كل من يسعى لإضعافها.