الخميس، 23 يوليو 2020

نصيحة والدي

في مرحلة من مراحل شبابي شاهدني والدي يوماً في البيت حزيناً شارد الذهن، فساءه حالي وطلب مني إخباره بسبب حزني، فقلتُ:

ضاق سرّي فأبحته لإبن جارنا فلان، فخذلني وأفشاهُ بعد أن وعدني أن لا يكلّم أحداً به.

فقال والدي:

وماذا تنوي فعلهُ ؟

فقلتُ والله لا أكلمه ولا أتحدث معه بعد اليوم !

اعتدل والدي في جلسته ونظر إليّ وهو يبتسم ويقول:

لا يا إبني هشام لا تخاصمه ولا تقاطعه أبداً، وابتسم في وجهه وصافحه واشدد على يده بحرارة كلما لقيته، وإيّاكَ أن تجرحه بكلمة على فعلته، واشكره من أعماق قلبك لأنه كشَفَ لك معدنهُ وأخلاقهُ كي تحذرهُ في المستقبل.

كانت هذه أبدع نصائح والدي رحمه الله.

23 تموز 2020م

الثلاثاء، 23 يونيو 2020

يا ليتني قلتُ آسفة.. قصة حقيقية

حين يأتي الاعتذار متأخراً… يكون كل شيء قد انتهى.

انسحبَ إلى غرفته كظلٍ محطم، وعيناه المليئتان بالحزن العميق والألم كانتا تترنّح بين الانكسار واليأس، وكأن قلبه ينهار بصوتٍ لا يسمعه سوى روحه المعذبة.

أخذتُ شهيقاً عميقاً أتنفّسُ وهْمَ الفوز، وأرتشفُ نشوةَ غريبة، مع أنّ خلافاتِنا كانت في العادة، تنتهي بسلامٍ وعناقٍ دافئٍ بلا صراخ، لكنني في ذلك اليوم كنتُ عنيدةً على غيرِ عادتي، قاسيةً كأنني في ساحةِ معركة، أقاتلُ لأُثبِتَ شيئاً لا أعرفه، رأيتُ الهزيمةَ تنكسرُ في عينيه، فتوهمتُ أنني المنتصرة.

هزمتهُ… لكن قلبي لم يظفر بالطمأنينة، كان مثقلاً بسؤالٍ موجع:
أيُّ نصرٍ هذا الذي يترك في عيني من أحبّ كلَّ هذا القدر من الانكسار

سرحتُ بخيالي على الأريكة أستعيدُ سنواتِ عمرِنا، عاماً بعد عام…
كم أحببتُ حازمَ بكلِّ جوارحي، حبّاً لم يترك في قلبي زاويةً إلا وسكنها.

وكيف لا أحبّه، وهو البشوشُ الصادقُ الخلوق، زوجي وحبيبي ورفيقُ دربي، وملجئي حين تضيقُ الدنيا؟

تزوّجنا فعشنا متفاهمين منسجمين، نتعاهدُ على الحلوةِ والمُرّة، نتقاسمُ الضحكةَ قبل الدمع، ونسابقُ الاعتذارَ إن أخطأنا، كأنّ قلوبنا تخشى أن يطول بينها الزعل. فمضت حياتُنا هنيئةً مريئةً، سلسةً كنسيمِ المساء، تغمرها السعادة، ويظلّلها دفءُ المودّة والهناء.

ورزقنا اللهُ بباسم، فجاءَ إلى دنيانا كقطعةِ ضوءٍ صغيرة، وسيماً كأبيه، يضحكُ فتزهرُ الجدران، ويخفقُ قلبُ البيتِ كلّه على إيقاعِ أنفاسه. ملأ حياتَنا دفئاُ وحبّاُ وحناناً، حتى غدا منزلُنا عالَماً صغيراً من الأُنس، ومثالاُ لحياةٍ زوجيةٍ نُسجت بخيوطِ التفاهمِ والانسجام، وسُقِيَت بماءِ المودّةِ والرضا.

ومضتِ السنونُ هادئةً كجدولٍ رقراق… إلى أن جاءَ هذا اليومُ المشؤوم.

دُعيتُ إلى زفافِ صديقةِ الدراسة، واحدةٍ من رفيقاتِ العمرِ الجميل، فوعدتُها بالحضور... ويا ليتني ما وعدت. كنّا في المدرسةِ سرباً من الأحلام، نزفُّ بعضَنا بعضاً كلّما ارتَدَت إحدانا ثوبَ الفرح، نغنّي ونضحك كأنّ الدنيا خُلقت لتلك اللحظات. وكان زوجي يعرفهنّ جميعاً، ويعرف كم كان يجمعنا من ودٍّ وبراءةِ أيامٍ لا تُنسى… لكنّ القدر كان يُخبّئ خلف ذلك الفرحِ حكايةً أخرى.

طلبتُ منه أن أذهب إلى عرسِها، وكان في مدينةٍ تبعدُ ساعتين عن مقرّ إقامتنا.

جلستُ أحدثه بكلّ التفاصيل، كأنني أزيّنُ الفكرةَ بالكلمات، أخبرته أن صديقاتِ الدراسة سيُمضين يومين في فندقٍ تكفّل به أهلُ العرس، وأن باسماً سيقضي الوقتَ في بيتِ خالته، يلعبُ ويضحكُ بين أبناء خالته، فلا ينقصه شيء.

كان حازم يصغي بصمتٍ ثقيل، صمتٍ لم أفهمه يومها. تجاهلَ كلامي كأنّه يحاول أن يختار عباراته بعناية، فأعدتُ طلبي بنبرةٍ امتزج فيها الرجاءُ بشيءٍ من الإصرار. عندها قال بهدوئه الذي أعرفه:

"لا داعي للسفر يا حبيبتي، المكانُ بعيد، وأنا وباسم بحاجةٍ إليكِ. سنزور صديقتكِ وزوجها لاحقًا بزيارةٍ خاصة، إن شاء الله."

لم يكن في صوته قسوة، بل كان مليئاً بالحرص والاحتواء. لم يزعجني كلامه، فهو دائماُ أدرى بمصلحة بيتنا، وأحنُّ علينا من أنفسنا… لكن شيئاً خفيّاً في داخلي تمرّد. لم أقبل رأيه، ولا أدري لماذا.

ربما لأنني وعدتُ صديقتي، وربما لأنني في تلك اللحظة شعرتُ أن بيني وبين ذلك الفرح خيطاً رفيعاً لا أريد له أن ينقطع… حتى لو شددته أكثر مما ينبغي.

وسوستْ لي نفسي، فارتفع صوتي على غير عادتي، وقلتُ بنبرةٍ اختلط فيها الرجاءُ بالعِناد:

"جميعهنّ مجتمعاتٌ هناك يا حازم… وأريدُ أن أذهب!"

نظر إليّ بعينيه اللتين اعتادتا أن تُطفئا غضبي، وقال برفقٍ يلامس القلب:

"لقد وعدتُكِ يا حبيبتي أن نزورهنّ قريباً، ونحمل معنا أجمل هدية. ما رأيكِ أن تصنعي لنا فنجان قهوة من يديكِ الجميلتين؟ هناك أمرٌ أودّ أن أستشيركِ فيه."

لكنّ غضبي كان قد استيقظ، وأنانيّتي أغلقت أبواب اللين في داخلي. رفضتُ أن أتحرّك خطوةً قبل أن أسمع كلمة الموافقة التي أردتها، وقلتُ بإصرار:

"لكنني وعدتُها… ولا أحبّ أن أُخلف وعدي."

فقال بصوتٍ هادئٍ يخالطه القلق:

"لا أرى بقاءكِ يومين خارج البيت أمراً مناسباً. أنا وباسم بحاجةٍ إليكِ. اعتذري منها، وعديها بزيارةٍ خاصة، وستتفهم ظروفنا."

كان كلامه منطقياً، مشبعاً بالحرص والحبّ… لكنني، بدل أن أحتضن خوفه عليّ، تركتُ الغضب يقودني بعيداً.

اشتعلتُ فجأة، وصرختُ بكلمةٍ خرجت أقسى مما شعرتُ:
"ألا تثق بي؟!"

وفي اللحظة التي نطقتها، شعرتُ أن شيئاً هشّاً بيننا قد ارتجف… كأنّ الثقة التي بنيناها سنيناً كاملةً تألمت من سؤالٍ لم يكن يستحق أن يُقال.

رمقني بعينين متسعتين، وكأن الدهشة والحيرة تتراقص فيهما، وقال بصوتٍ حاول أن يخفف من وطأة الموقف:

"ما بكِ اليوم يا حبيبتي؟ غريب… يبدو أنّ قلبكِ يغلي بالغضب. هلا صنعتِ قهوة، لنهدأ معاً؟"

تجمّدتُ لحظة، شعرت بغصة الغضب تتسلل إلى صدري، وخرج صوتي حاداً، يقطر تحدياً ورفضاً لكل قيود صامتة:

"أنا لستُ خادمةً عندك! قم بنفسك واصنع قهوتك!"

ما تلا كلماتي لم يكن صمتاً، بل مقبرة الكلمات التي لم تولد.

تمزّق حازم من الداخل غارقة روحه في الخيبة واليأس، فصمت صمتاً ثقيلاً يثقل الهواء حوله، ولم ينبس بحرفٍ واحد.

انسحب إلى غرفته كظلٍ محطم، وعيناه المليئتان بالحزن العميق والألم كانتا تترنّح بين الانكسار واليأس، وكأن قلبه ينهار بصوتٍ لا يسمعه سوى روحه المعذبة.

وفجأة، انتبهت لنفسي، ونهضت من على الأريكة، وكأني نسيت طعم انتصاري الذي شعرتُ به لحظة التفوق… شعورٌ بالندم غمر كياني، يسري في عروقي كلسعةٍ باردة.

هل يمكنني أن أستشعر النصر على زوجي وحبيبي، وأظل سعيدة بذلك؟

هل يمكن لقلبٍ وعدته الحياة بحلوها ومرها أن يُنتصر عليه بهذه السهولة؟

أسودّت الدنيا في عينيّ، وغاص قلبي في بحر الذنب، فاندفعت مسرعة لأصلح ما أفسدته يداي.

دخلت الغرفة أستسمحه، فإذا به غارقٌ في نومٍ عميق، لا يعي ما جرى…

استلقيت بجانبه على ظهري، حدقت في السقف، وأحادث نفسي بصوتٍ خافت:

لماذا فعلتِ ذلك؟
كيف تخدشين قلباً أحبكِ؟
كيف تجرحين قلباً تملكينه بكل حب؟

أيقنتُ كم أنا أنانية… وكم قلبي ضعيف أمام مشاعري.
التفت إليه، أتمعن وجهه النائم، وأهمس في داخلي:

كم اشتقت إليك يا حازم…
كم أشتاق لحضنك الذي يمحو عني كل ألم.

أردت أن أوقظه لأضمّه إلى صدري، وأعتذر، لكن شفقت عليه، أمهلته ليستيقظ للصلاة.

توضأتُ، وقمت الليل أستغفر الله حتى علا صوت آذان الفجر.

ذهبتُ بعد ذلك، نشيطة سعيدة بقلبٍ مليء بالحب، لأوقظ حبيبي للصلاة، فالذي يستيقظ أولاً يوقظ الآخر. هكذا بقيت المحبة حيّة بيننا.

اقتربت منه بهدوء، كمن يلمس زهرة ناعمة، أمسح وجهه بأناملي، وهمست بصوتٍ خافت بين القلب والشفاه:

"أحبك…"

لكن نومه كان عميقاً، كأنه لا يسمع، ولم يلتفت. همستُ في نفسي مبتسمة:

من حقه أن يكون مدلّلاً…

اقتربت أكثر، ألصق وجهي بوجهه، ليشمّ عطري الذي يعرفه، أتمتم بأذنه:

"أحبك…"

ظل غافلاً، بلا مبالاة، بلا حركة.

ناديتُه كعادتي، بصوتٍ رقيقٍ يذوب بين جدران الغرفة:

"قم يا حازم… حان وقت الصلاة…"

ولكن جسده بقيَ ساكناً… صامتاً… كأن العالم كله توقف.

ارتجف قلبي، تسللت رعشة الخوف إلى عروقي، حرّكت رأسه برفق، أتمتم:

"حازم… انهض…"

صمتٌ، لا جواب، لا نفس.

هززته بكلتا يديّ، أصرخ:

"حازم… قُم… انهض يا حازم…"

لكن جسده صار فارغاً بلا روح، والموت خطّ بيننا صمتاً أبدياً وكأن العالم بأسره توقف عن الدوران.

تراجعت إلى الوراء أرتجف، وصوتي يتلاشى بين الدموع أتمتم بلا وعي:

"حازم… مات… مات... حازم…"

وصارت الغرفة صامتة إلا من صدى قلبي المحطم، وروحي تتشتت بين الصدمة والحزن.

عدتُ إليه ثانيةً، أضمّه إلى صدري بكل ما تبقّى لي من قوة، كأني احتضن الحياة نفسها، أقبل وجهه كله بشوق، كأنّي ازرع روحي فيه، وأمسح رأسه برفق أملاً في أن يعود إلى الحياة.

كرّرت مناداته مكسورة:

"حازم… انهض... أرجوك… أنا بحبك…أرجوك انهض!"

لكن صمته كان اعمق من أي صدى، ثقيلاً كالصخر، لا يجيب، ولا يترك لي سوى فراغ يلتهم قلبي حزناً.

صرختُ صرخة اختنقت بين الحب والخسارة من قلبٍ محطّم… لقد مات زوجي… مات حبيبي قبل أن اعتذر… مات رفيق عمري.

استيقظ صغيري باسم على صراخي، يركض إليّ ببراءة لا تعرف السبب، يشاركني دموعي، كطفلٍ يعانق الحزن ذاته دون أن يفهمه.

وقُضِيَ أمر الله، وكتبت النهاية، وتلاشى كل شيء كما لو لم يكن…

وبعد أن غُسِّلَ حازم وكُفّنَ، جاءوا ينادونني لألقي عليه نظرة الوداع الأخيرة قبل أن يُوارى جسده الطاهر في مثواه الأخير. 


اقتربت منه وأنا أرتجف، ويداي ترتعشان، وقلبي يصرخ في صمت كأن كل جزء مني يُدفن معه…

وقفتُ عاجزةً أمام جسده الراقد، وقلبي ينفطر إلى أشلاء، فملامحه التي اعتادت أن تضيء أيامي، صارت وجهاً بارداً لا يعرفني، ووجنتاه تستقبلان دموعي كأنها رماد الخسارة والانطفاء يسقط على قلبي المحترق.

صرختُ بصوتٍ مكسورٍ يختنق بالبكاء، صوت يتردد في الفراغ الذي خلفه رحيله:

"حازم… لا تتركني… سامحني… أرجوك… أرجوك… قلبي لا يستطيع أن يتحمل فراغك… أرجوك… عد… عد إليّ ولو للحظة…"

وقبّلت يده ووجهه، أهمس بصوت متقطع حزين:
"سامحني… سامحني…"

حملوا النعش وساروا به ببطء، وقلبي يتقطع وأنا واقفة في الشرفة أراقب اختفائه رويداً رويداً، وكأن كل لحظة تمرّ، تمحو جزءاً من قلبي، وارتفع صوت في أذني:

"يا عباد الله… سامحوا حازم، يرحمكم الله…"

ورحلت الجنازة، ورحلت روحي عن جسدي، وغرقت في بحرٍ من الحزن والحنين، حيث لا صوت إلا صدى قلبي الممزق، ولا نور إلا ذكراه التي ستظل ترافقني إلى الأبد…

في صباح اليوم الثاني، جاء باسمُ برفقة أختي التي بات عندها، ركضَ بخطواته الصغيرة المتمايلة نحو غرفة أبيه، ينادي بصوتٍ مرتعش: "بابا… بابا…" فلم يجد صدىً!

نظر إليّ بعينين ملؤهما التساؤل، كأنه يقول: أين أبي؟

سَحبته أختي بلطف نحو المطبخ، تقول:
"حان وقت الفطور يا باسم…"

وتركتني وحيدة أبكي، أذرف دموعي بصمت، والوجع يلتهم قلبي.

ومضى عامان على رحيل حازم، وما زلتُ أسير في البيت بلا أمان، أبحث عن سكينته في كل زاوية، وكلما وقفت عند المكان الذي اعتاد الجلوس فيه، تمتمت شفتاي بكلمات التي لم تُقال، بشوقٍ مؤلم، وبدمعٍ ينساب كنهرٍ لا يعرف العودة :

يا ليتني اعتذرت…
يا ليتني قلتُ آسفة…
يا ليتني قلتُ آسفة…

تمَّت.

السبت، 1 فبراير 2020

معرّة النعمان

تقع معرّة النعمان في محافظة إدلب شمال غرب سوريا، وهي ثاني أكبر مدينة فيها، تبعد 300 كم عن مدينة دمشق تقريباً، و 84 كم عن مدينة حلب، وترتفع 496 متر عن سطح البحر.

اكتسبت المعرة مكانتها الإستراتيجية لوجودها بين التلال بمناخ لطيف وسهول طبيعية خصبة، جذبت إليها الإنسان القديم للعيش فيها وبناء حضارته، فأصبحت واحدة من أهم وأبرز محطات القوافل المارّة من جنوب الشام إلى شمالها، ومن بحرها الأبيض المتوسط إلى باديتها.

اعتمدت المعرّة على الزراعة فاشتهرت بالزراعات الربيعية والصيفية والشتوية، كالخضار والقمح والشعير والعدس والحمّص والكمّون وحبّة البرَكة والكزبرة والشوندر السكري والبطاطا والقطن.

واشتهرت بصناعة السلل القصبية والحصر والفخار والخزف والزجاج وصناعة الصابون.

شهدت المعرة حروباً دامية كثيرة على مدى التاريخ، فقد غزاها الآشوريون والفراعنة واليونان والفرس والرومان والبيزنطيين، وفتحها المسلمون مع فتوحات الشام.

تعرّضت المعرّة للإجتياح الصليبي في أواخر القرن الحادي عشر الميلادي أثناء حملاتهم على بلاد الشام، حيث قاومت واستبّسل أبطالها دفاعاً عنها مما جعل الصليبيون يعقدوا اتفاقاً مع وجهاءها بدخولهم إليها سلماً دون التعرّض لأهلها بسوء، وافق الأهالي على الإتفاق حفاظاً على الأرواح، لكنّ الصليبيون نكثوا عهدهم وارتكبوا بالمعرّة مذابح عظيمة، سَبوا النساء وقتلوا الرجال وطبخوهم بقدور على النار، وغرَسوا الأطفال الرضّع بأسياخ حديدية، وشووهم كالخرفان على النار، وأكلوهم أمام أعيّن أمهاتهم.

من أشهر معالم المعرة (الجامع الكبير والمدرسة النورية وحمّام التكية ومتحفها الأثري وخان أسعد باشا).

وفي المعرّة قبر الخليفة الأموي وخامس الخلفاء الراشدين "عمر بن عبد العزيز" وضريح الشاعر والفيلسوف أبو العلاء المعري.

كلمة معرّة (مغرتا) وتعني مغارة لكثرة المغاور التي فيه، وهي كلمة آرامية سريانية وحُرِّفَت فأصبحت معرّة.

حقيقة لا توجد رواية حقيقية لتسميتها بمعرّة النعمان، فالبعض يقول نسبةً إلى الصحابي النعمان بن بشير الأنصاري الذي سكنها لوفاة والده فيها، والبعض ينسبها إلى النعمان بن منذر، وآخرين ينسبوها إلى النعمان بن عدي، وهناك عدة روايات اخرى !


31 كانون الثاني 2020م

السبت، 31 أغسطس 2019

خاطرة

في قراءتي لتاريخ العصور القديمة كانت تمرّ معي الفقرة التالية:

كل الطرق تؤدي إلى "روما"

وروما كانت عاصمة الإمبراطورية الرومانية التي حكمت العالم وطأطأ لها الشرق والغرب.

وحقيقةً..

المرأة بكل ما تملك من جمال وأنوثة وعفّة وطهارة هي أعظم وأطهر من روما، بل هي كالأميرة..

وأعجبني قول أحدهم حين خاطبها فقال:

أيتها المرأة لا تكوني مثل "روما" كل الطرق تؤدي إليك، بل كوني مثل "مكة" لا يحظى بكِ إلا من استطاع إليك سبيلا (طبعاً مع فارق التشبيه).

والمقصود بالاستطاعة أن يكون هدف الساعي إليكِ هو الزواج والقدرة على إكرامكِ وتقديركِ وحمايتكِ وحبّكِ والتضحيّة من أجلكِ لتبقيّ على عرش الإمارة.

29 آب 2019م

السنة الهجرية

تمرُّ علينا كل عام مناسبات هامّة في تاريخنا الإسلامي نحتفلُ بها طقوساً لا تُحرّك فينا نخوة ولا مروءة، منها الهجرة النبوية.

إنّ الهجرة النبوية حادثة غيّرت مجرى التاريخ فحوَّلَت الرسالة المحمّدية من دعوة خاصّة إلى دعوة عالمية عامّة، حملت بين طيّاتها العزم والشجاعة والإخلاص والتضحية.

"والله يا عم لو وضعوا الشمسَ في يميني والقمرَ في يساري على أن أترك هذا الأمر، ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه"

كلماتٌ أقسَمَ بها رسول الله ﷺ أخرجت جاهلية الأرض من الظلمات إلى النور.

أنشَدَ المسلمون "طلعَ البدرُ علينا" فكانت بدراً حقيقيّاً أضاءَ العقول والقلوب إلى الأبد، ولم يكن بدراً مؤقتاً يكتمل ليلة النصف ويتلاشى بعدها.

كانت الهجرة نقلة نوعيّة في الدعوة إلى الله، مَنَّ اللهُ بها على المسلمين بشهادة ميلاد جديدة وجواز عالمي وصل به الإسلام إلى شتى بقاع الأرض، وزلزلَ معاقل الفرس والروم.

لقد كانت الهجرة نقطة مفصليّة في تاريخ الإسلام والنواة الأولى لمشروع حضاري شامل، أرسى أُسس دولة مدنية قائمة على الحريّة والعدالة والمساواة، في مجتمع متعدّد الألوان والأعراق والأديان والطبقات، بين أسيّاد و عبيد، وعربٍ وعجمٍ، ومسلمين ويهود وكفّار.

لقد ضمَنَ رسول الله ﷺ حريّة العبادة، فترك الناس تعبدُ ما تشاء دون إرغَام أحد على الإسلام، ورسّخَ في المجتمع الجديد معنى حرّية الإعتقاد {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}.

وحقَّقَ المساواة بين أُناسٍ تحكمهم عصبيات القبيلة والحسبِ والنسبِ والجاه والمال والسلطان، فجعل التقوى معياراً للصلاح {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُم}.

لقد أدرك الفاروق عمر أهميّة الهجرة فجعلها نقطة ارتكازٍ وفاتحة لتأريخ جديد، مؤكداً أن الدعوة بعد الهجرة ليست كما قبلها، وأعطى معنى للحريّة والعدالة والمساواة بقوله:

"يا عمرو.. متى استعبدتم الناس وقد ولدَتهم أمهاتهم أحرارا"

إنّ دروس الهجرة تتجدَّدُ كل عام وتحفزنا لاستنباطِ فقه جديد يهتدي به المسلمون، فكراً وعملاً وسلوكاً.

اللهمّ اجعل عامنا الهجريّ الجديد بداية لنهضة الأمّة من سُباتها العميق، وعودة للوحدة والعزّة، إنكَ على كل شيءٍ قدير.

21 أيلول 2017م

الأحد، 18 أغسطس 2019

بلا مأوى

القطةُ من الحيوانات المدلّلة النظيفة الهادئة التي تعتني بنفسها وتلازم بيت من يرعاها، وقد اعتاد اهل الشام على تربيتها داخل منازلهم لتشاركهم الدفء والمرح والسعادة.

منذُ أن كنتُ صغيراً وانا ألاعبُ القِطَطِ في بيت جَدّي (دمشق القديمة) أدلِّلُها فتقفزُ وتخطفُ الأشياء من يدي، وتتشاجر معي لتطوِّرَ مهاراتها القتالية التي تحتاجها لمصارعة قطة الجيران !

في داخل المجمع السكني الذي أعيش فيه بمدينة "سان دياكو" بولاية كاليفورنيا الأمريكية قِطةُ سوداء جميلة ذات أقدام وشوارب بيضاء تزيدها جمالاً، وهي واحدة من ستة قِطَطٍ لجارةً لي، ترعاهم وتعتني بهم في شِقتها العِلوية مقابل شقتي.

جَلَسَت القِطةُ السوداء في أسفل الدرجِ عند مدخل البناء هادئة حزينة، تنتظرُ من يربت عليها ويمسح فروتها ويلاعبها !

اعتدتُ المسح على رأسها وتمرير يدي على فروتها لأُشعِرُها بالدفء والحنان، فتتمايل وتدلكُ جسمها بثيابي وتلازمني حتى أغيبَ عن عينيها.

وفي الأيام الأخيرة، كانت تخفي شعوراً حزيناً وألماً يلاحظهُ كل من يعرفُ طِباعَ القِطَط، تجلسُ وحيدة دون نظيراتها، لا تركضُ ولا تهرب ولا تتطفل على أحد، بينما أخواتها تلعب وتركض وتلهو وتتجاوزُ حدودها بالقفزِ إلى شرفتي (البلكون) والعبثِ بالأشياء الموجودة فيها.

وبعضها يتمدَّدُ على درجات السلَم (الدرج) عند صعودي وهبوطي، فأقفز فوقها كي لا أزعجُ (حضرَتها) !!

وفجأة افتقدتُ القطة السوداء، سألتُ عنها فأخبروني بأن جارتي الثانية في الشقة المجاورة قد تبنّتها بعد أن استأذنت صاحبتها برعايتها !!

وعندما سألتُ جارتي صاحبة القطة الأصلية عن سبب تخلّيها عن القطة السوداء بالذات وليس غيرها، أجابت بأنها تسببّ لها المشاكل بمشاجرتها مع بقية القِطَط، فطرَدَتها من البيت !!

ومنذ أن تبنّت جارتي القطة لم أعد أراها حزينة تتسكع خارج البيت، بل سعيدة مسرورة في البيت الجديد، تقفزُ وتلعبُ داخله وفي شرفتهُ.

نعم لقد وجَدَت القطة حِضناً رحيماً أكثر دفأً وحناناً.. حِضناً يرعاها ويطعمها ويحميها من نوم الشوارع.

أمّا أطفال بلادي فقد تخلّى عنهم القريب والبعيد والأهل والجيران، وتجرّدَ العالم من إنسانيته إِتّجَاهِهِم بمجتمَعهِ الدولي، وجامعتهُ العربية، وأمَمَهُ المتحدة، ومجلس أمنه، ومنظمات حقوقه الإنسانية !

لقد كانت القِطَطُ والكلابُ أكرم للبشرية من أطفالِ بلادي عندما طالبوا بإرادة حرّة ليعيشوا كرماء آمنين كأطفال العالم فعاقبوهم !!

لقد تخلّت عنهم الإنسانية فأصبحوا طعاماً لأسماك البحار، بلا مأوى ولا تعليم، يجلسون وهم (الكرماء) على موائد اللئام !

لقد اعتبر العالم أطفال بلادي أدنى من القطط، فتركوهم هائمين مشردين، فلكم الله يا أطفال سوريا فلن يضيّعَكم..

18 آب 2019م

الاثنين، 29 يوليو 2019

حتى أنتَ

اغتيال الثقة

الثقة هي الطريقُ الآمنُ بين الناس التي تُبنى عليه الآمال والأحلام، فإذا انهار هذا الطريق أصبحت الحياة صعبة متوحشة غير مستقرّة !

لقد شَهِدَ التاريخ العديد من الإغتيالات، قرأنا بعضها، وشهِدنا بعضها ومازالت مستمرّة !

فطريقة اغتيال "يوليوس قيصر" كانت نموذجاً لإغتيال الثقة والإخلاص، وقد وصفها المؤرخون بأنها أقبح عملية اغتيال في التاريخ القديم.

فبعد أن اعلنت روما "يوليوس قيصر" امبراطوراً عليها، تآمر على قتله من كان يثقق بهم في مجلس الشيوخ الروماني، فعند دخوله قاعة الإجتماع وجلوسه بين الشيوخ، نهضوا جميعاً يطعنوهُ بالتناوبٍ في مشهدٍ إجراميٍ بَشع، جسَّدَهُ الكاتب الإنكليزي "وليَم شكسبير" في مسرحيته يوليوس قيصر.

لقد طعنهُ كل عضو في المجلس طعنةً واحدة كي لا تقع التهمة على واحدٍ فقط، وتتالت الطعناتُ في صدره وبطنهِ فبقيَّ واقفاً لم يسقط، وعندما رأى صديق عمره "بروتوس" واقفاً بعيداً ينظرُ إليه، ذهب الإمبراطور باتجاه بروتوس مترنِّحاً بجراحهِ لينقذهُ منهم، فلما وصل ووضع يده على كَتِفه، إذا ببروتوس يستلُّ خِنجَرَهُ ويطعنُ يوليوس الطعنة المميتة !

نظر "الإمبراطور" في عينيّ "بروتوس" وهو يقول:

حتى أنتَ يا بروتوس !

فانتَزَعَ بروتوس خنجره من أحشاءه فسقط ميّتاً (بعض الروايات تقول بروتوس كان ابنه).

لقد كانت طعنة بروتوس ليست في البطن فحسب، بل في عِمق الثقة والحبّ والإخلاص الذي وهبهُم له الإمبراطور !!

لقد تكرر هذا المشهد اليوم بطريقة أخرى مع الشعب السوري عندما قام المجتمع الدولي، والأمم المتحدة، ولجان حقوق الإنسان، والمبعوثيين الأمَميين الدوليين، والجامعة العربية، ولجنة التحقيق الدولية بخذلان السوريين والتآمر عليهم، فقاموا بدور "بروتوس" بالخيانةِ والغدرِ والطعنِ في جميع الجهات كي لا يستردّوا حرّيتهم وإرادتهم !

هناك العديد من المشاهد البشعة حصيلة خيانة وغدر المجتمع الدولي باكمله للسوريين.

"يا عمو لا تصورني ماني محجّبة" قالتها طفلة سورية عند استخراجها من تحت أنقاض منزلها والعالم كله يشاهِدُها.

"بدي أخبر الله بكل شيء" قالها طفل سوري لمسعفيه وهم ينقذوه بعد تدمير منزله، والعالم يسَمَعهُ.

ومازالت صرخات أخواتنا المعتقلات البريئات داخل السجون تجلّجل على الحيطان من العذاب، لأنهنّ طالبنَ بحريّتهنَّ أو ساعدنَ الجرحى، فتعرضنَ للتعذيب والتشويه والإغتصاب، لتصبِحَ الزنازين مقبرة لَهُنّ !

وعشرات الألوف من الصور لضحايا التعذيب من المدنيين السوريين سرّبها العسكري المنشق "قيصر" واعتمدت عليها لجنة التحقيق الدولية، فطَوَتها على الرفوف !

"يا الله مالنا غيرك" نسمعها من الأخوات الخارجات من السجون بعد أن تنكَّرَ لهنَّ القريب والغريب والأهل والجيران والمجتمع الدولي والإسلامي بأسرهِ، واصبحنَ مع أطفالِهنَّ بلا سندٍ ولا مأوى ولا مُعين ولا تعليم.

لقد تشرّدَت العائلات السورية في بقاع الأرض والعالم مازال يدعم المجرم، واصبحت تعيشُ في الشتات، كل فردٍ بدولة، والوحوش البشرية تساوم أخواتنا السوريات على شرفهنَّ ليبسطوا لهنّ يد العون، فتأبى الأميرات ويشرنَ بأصابِعهنَّ على الغدر ويقلنَ:

حتى أنتَ يا بروتوس الدولي !

حتى أنتَ يا بروتوس الديمقراطي..

حتى أنتَ يا بروتوس الإسلامي..

حتى انتَ يا بروتوس الوطني والحزبي..

حتى أنتَ يا بروتوسَ الرئيس والملك والأمير العربي !

آهٍ..آه

لقد كانت طعتنكم هي القاتلة !

ويبقى السؤال:
ماذا سيخبرُ الطفلُ ربَّه ؟

30 تموز 2019م

حدث في مسجدنا.. لا تؤخِّروا الجنازة.. الجنازة أولاً..

آخر ما ينتفع به الميت في الدنيا هو الصلاة عليه والدعاء له. ومن المؤسف أن يُبتلى بعض أئمة المساجد بتقديم صلاة السُّنّة البعدية على صلاة الجنا...