مضى قرنٌ على اتفاقية سايكس بيكو التي فتَّت الجسد العربي والإسلامي، وأعادت تشكيل خريطة المشرق العربي، وأسهمت في تقسيم المنطقة إلى كيانات سياسية متفرقة، تفاوتت في قدراتها وتباينت في مواقفها، فتقاربت أحياناً وتنازعت أحياناً أخرى.
واليوم، تبدو المنطقة العربية والإسلامية وكأنها تقف أمام مرحلة جديدة من التحولات الاستراتيجية، حيث تتبدل موازين القوى وتُعاد صياغة التحالفات وفق معطيات سياسية واقتصادية وأمنية أكثر تعقيداً.
إن صعود التنين الصين عسكرياً واقتصادياً، وتنامي نفوذه العالمي، قد أثار قلق الولايات المتحدة، ولا سيما في ظل سعيها للحفاظ على موقعها كقوة مهيمنة في النظام الدولي، وهو ما انعكس بدوره على طبيعة التنافس في المنطقة العربية، التي تمثل محوراً حيوياً في معادلات الطاقة والممرات البحرية والأسواق الناشئة.
وفي خضمّ هذا المشهد المتشابك، ومع انحسار المدّ الشيعي في المنطقة عقب قطع رأس أفعته "علي خامنئي"، تجد الدول العربية نفسها أمام لحظة تاريخية فارقة تستوجب مراجعة عميقة لواقعها السياسي والاقتصادي، فالمتغيرات الإقليمية المتسارعة لم تعد تسمح بسياسات ردّ الفعل أو الارتهان لمحاور خارجية، بل تفرض تبنّي رؤية استراتيجية قائمة على تعزيز التكامل العربي، وتفعيل آليات التنسيق المشترك، وصياغة منظومة مصالح متبادلة تحمي الأمن القومي العربي وتؤسس لدور أكثر فاعلية في نظام دولي سريع التحول.
وفي هذا السياق، تبرز سوريا اليوم، بعد سقوط نظام الطاغية "بشار الأسد" وانفتاحها دبلوماسياً على المجتمع الدولي، بوصفها دولة محورية في إعادة تشكيل منظومة الأمن الإقليمي، فموقعها الجغرافي، وعمقها الحضاري، وصلاتها التاريخية بمحيطها العربي والإسلامي، تؤهلها لتكون ركيزة أساسية في أي مشروع لاتفاقية دفاع مشترك، تقوم على مبدأ احترام السيادة، ومنع التدخلات الخارجية، ومكافحة التنظيمات المتطرفة بكافة أشكالها.
غير أن نجاح مثل هذا المشروع يظل مرهوناً بقدرة الدول العربية على تجاوز خلافاتها، فالمستقبل لن يُصاغ إلا عبر شراكات حقيقية، تقوم على المصالح المتبادلة والتنمية المستدامة، وتستند إلى إرادة سياسية واعية تدرك أن قوة المنطقة تكمن في وحدتها، وأن أمنها لا يتجزأ.
وبذلك، قد تتحول هذه المرحلة من مجرد لحظة اضطراب إقليمي إلى نقطة انطلاق نحو نظام عربي أكثر تماسكاً، وأكثر قدرة على التأثير في معادلات الإقليم والعالم.
فهل تنجح الدول العربية في تحويل التحولات الجارية إلى مشروع نهضوي جامع تكون فيه سوريا حجر الزاوية وبوابة العبور إلى نظام عربي أكثر تماسكاً، أم تضيع هذه الفرصة كما ضاعت فرص تاريخية سابقة؟