السبت، 16 أغسطس 2025

رغم هذا… أحبكِ يا شام

كانت سوريا، قبل أن تطالها قبضة عائلة الأسد، لوحة حضارية تُبهر العيون، وجنةً على ضفاف التاريخ، بل كانت هي التاريخ والحضارة، مدن نظيفة تليق بتاريخها، وشعب يعرف معنى الانتماء والمسؤولية، ثم جاء الأسد وعائلته فزرعوا اللامبالاة والفوضى في النفوس كما تُزرع الأعشاب الضارة في حقول القمح، وسقَوها عقوداً من الرعب والخوف، فحوّلوا سورية إلى مختبر للفوضى والتشويش توارثتها الأجيال حتى غدت ثقافةً شعبية وسلوكاً ينفر منه كل زائر.

ما نشاهده اليوم من سلبيات هو هذا الموروث البغيض: عجقة سير فوضوية لا تعرف للنظام معنى، كأنها في سباق، وازدحام فوضوي عشوائي مضطرب، وشوارع فقدت بريقها فغدت قذرة، مقرفة، ملوثة، تعكس إهمالاً مزمناً، وشعباً بوجوه شاحبة أثقلتهُ الأنانية حتى فقد روح الانضباط والمسؤولية.

فالعائد من الغربة اليوم يفكّر مكرهاً بالرحيل من جديد حتى لا يبتلعه الاندماج بالخراب، وكأنّ الوطن الدافئ الذي كان يعانق أبناءه، يهمسُ لهم اليوم:

إن كنتم تريدون النجاة فالطريق إلى المطار من هنا !!

ومع ذلك…
ورغم كل هذا الجرح، ما زلتِ يا شام تسكنين قلبي، وتغسلين بدموعكِ غبارَ روحي، فأراكِ كما كنتِ، وأحبك كما لم أحب شيئاً في حياتي.

16 آب 2025م

الخميس، 24 يوليو 2025

في رحاب ميسلون

"نحن لا نقاتل لننتصر، فالشرفُ أجدرُ أن ندافع عنه، وابنتي ليلى أمانةٌ في أعناقكم !"
(يوسف العظمة)

هذه الأيقونة الوطنية، التي دافعت عن شرف وطنها، تركت أثراً في أعماقي منذ طفولتي.
(هشام الحمصي)

وُلِدَ يوسف العظمة عام 1884م في حي الشاغور بمدينة دمشق (الصمادية)، والتحق بالأكاديمية العسكرية العثمانية، وتخرّج في كلية الأركان، متقناً فنون الحرب والقتال برتبة عالية.

كان شجاعاً، صاحب مروءة، حسن الخلق، شهد له أعداؤه، كريماً، قنوعاً، بشوشاً، يُحب وطنه، ملتزماً بدينه، ويتقن عدة لغات: التركية والفرنسية والألمانية.

كان يوسف العظمة قائداً عسكرياً فذّاً، خاض حروباً طاحنة لصالح الدولة العثمانية على ثلاث قارات، وانتصر فيها جميعاً، فاكتسب خبرة عسكرية كبيرة.

اندلعت الحرب العالمية الأولى، وشاركت الدولة العثمانية فيها.

استغلّ الشريف حسين انشغال العثمانيين بالحرب، فأعلن التمرّد عليهم بدعم مباشر من بريطانيا، تحت عنوان "الثورة العربية الكبرى".

تمكنت قوات الشريف حسين من طرد العثمانيين من بلاد الشام، بمساعدة ضابط المخابرات البريطاني "توماس إدوارد لورنس" (لورنس العرب)، فكافأت بريطانيا حسين بتتويج ابنه فيصل ملكاً على سوريا، وأُعلن قيام "المملكة السورية العربية".

لم يُشارك يوسف العظمة في الثورة العربية، بل بقي إلى جانب العثمانيين حتى سقوطهم في الحرب. كان يُدرك عداوة فرنسا وبريطانيا للعرب والعثمانيين، لا سيما وأنه درس في أوروبا، وكان على وعي بطبيعة الاستعمار، وخاصة بريطانيا التي كانت تحتل مصر.

عاد إلى سوريا بعد الحرب، رافضاً عرض الأتراك بالبقاء لبناء الجيش التركي، مفضّلاً المساهمة في بناء وطنه السوري، تولّى عدة مناصب في حكومة الملك فيصل بن الحسين، وكان آخرها وزير الحربية، رغم اعتراضه على سياسات الملك.

وصلت بواخر فرنسا إلى الساحل اللبناني، وتقدمت جيوشها نحو دمشق، وفق اتفاقية "سايكس بيكو".

أرسل الجنرال الفرنسي "غورو" إنذاراً إلى الملك فيصل، يأمره فيه بتسريح الجيش السوري وتسليم البلاد خلال أربعة أيام، دون مقاومة.

استشار فيصل وزراءه، فوافقوا جميعاً على الإنذار، وقرّروا التسليم، باستثناء وزير الحربية يوسف العظمة، الذي رفض الإنذار بشدّة، وحاول إقناع الملك بالمقاومة، لكنه فشل.

أمر الملك بفضّ الجيش وتسريح ضباطه، وأرسل إلى "غورو" موافقاً على شروطه. لكنّ الجنرال الفرنسي أصرّ على دخول دمشق عنوةً لإذلالها.

أدرك الملك فيصل نوايا الفرنسيين، فجمع ما استطاع من أموال ومجوهرات، وفرّ إلى لندن حيث كان البريطانيون بانتظاره.

شعر يوسف العظمة بالمسؤولية الوطنية، فأصرّ على إنقاذ سمعة بلاده وخوض معركة الشرف، حفاظاً على كرامة الشام، وكانت ابنته "ليلى" لا تزال في سنوات عمرها الأولى، فالتفت لمن حوله قائلاً:

 "ليلى أمانةٌ في أعناقكم !"

جمع ما بقي من الجيش المتفرّق، وضمّ إليه الفصائل المتطوّعة، وأعدّ ما استطاع من ترتيبات عسكرية، وتوجّه لصدّ القوات الفرنسية الزاحفة قبل وصولها إلى دمشق.

سأله رفاقه في الطريق:

هل من أملٍ بالنصر يا سيادة الوزير؟

فأجاب بعزّة مبتسماً رافعاً معنوياتهم:

"نحن لا نقاتل لننتصر، فالشرفُ أجدرُ أن ندافع عنه !"

ثُمَّ رسم خطته القتالية، وزرع الألغام في طريق العدو، ووزّع المهام، فوضع المتدرّبين في المقدّمة، والمتطوّعين بقيادة "أبو شاكر الطبّاع" في المؤخرة، وشرح خطته لقادة الجبهات، ثمّ وقف خطيباً يلهب مشاعرهم ويحثّهم على الصبر والصمود:

إما نصراً وعزّاً، أو شهادةً وجنّة.

وفي 24 تموز 1920م، التقى الجيشان في "ميسلون" على بُعد 30 كم غرب دمشق، واندلعت معركة غير متكافئة بين ثلاثة آلاف مقاتل سوري، بأسلحة تقليدية دون خبرة كافية، مقابل تسعة آلاف فرنسي بين ضباط وجنود مدججين بأحدث الأسلحة، يتقدمهم الطيران والدبابات والمصفحات.

قاتلت الكوكبة السورية قتال الأبطال، وكبّدوا الفرنسيين خسائر فادحة جعلتهم يتقهقروا، ما دفع غورو لإرسال تعزيزات إضافية، تتقدمها الدبابات، لمحاصرة المقاومين والقضاء عليهم.

أمر يوسف العظمة بالتراجع إلى حقل الألغام، وما إن وصلت الدبابات إلى وسط الحقل، أعطى أمر التفجير... لكنها لم تنفجر !

أسرع يتحقق من الأمر، فوجد الأسلاك قد قُطِعت!

واصلت القوات الفرنسية زحفها، فقاتل يوسف ورفاقه ببسالة، يُكبّر ويحثّ على الثبات.

وفجأة، انهمر الرصاص عليهم من الخلف، فسقطوا شهداءً واحداً تلو الآخر !

لقد خان "أبو شاكر" ومن معه الوزير ورفاقه، فقطعوا أسلاك الألغام، وأطلقوا النار من الخلف.

استشهد يوسف العظمة ومجموعته بأيدٍ غادرة، وصعدت أرواحهم إلى بارئها ووجوههم مبتسمة تفيض بالطمأنينة.

دخل الجنرال "غورو" دمشق على عربة يجرّها الخيل، فخرج له الانتهازيون والمنافقون بالترحيب، وكان من بينهم "أبو شاكر الطبّاع" الذي فكّ الحصان عن العربة، وجرّها هو ورفاقه في شوارع دمشق.

قال غورو:
دلّوني على قبر صلاح الدين !

وعندما وقف عند الضريح، ركله بقدمه قائلاً:
"قُم... ها قد عدنا يا صلاح الدين !"

خرج المستعمر الفرنسي من سورية بعد ستة وعشرين عاماً، تاركاً وراءه أنظمةً عميلةً خدمت مصالحه، وعلى رأسها النظام العلوي البعثي الذي اختطف سورية لعقود، لتبقى مرهونةً ومسلوبة الإرادة، وعلى خطى يوسف العظمة، ثار الشعب السوري في ثورة شعبية استمرت أربعة عشر عاماُ، توّجت بمعركة ردع العدوان في الثامن من كانون الأول عام 2024م، والتي قادها غيورون من أبنائها، متفانين في الإخلاص والتضحية، فأسقطوا نظام آل الأسد الطائفي النصيري الدموي، الذي دمّر الحجر، وقتل البشر، وأحرق الزرع والشجر، بعد حكمٍ استمر أربعة وخمسين عاماُ، منذ اغتصاب حافظ الأسد للسلطة عام 1970م.

الخميس، 24 تموز 2025م


السبت، 5 يوليو 2025

عاشوراء

بين السُّنة واليهود والشيعة

يُعتبر يوم عاشوراء، الموافق للعاشر من شهر مُحرّم في التقويم الهجري، من الأيام التي تحظى بمكانة خاصة لدى طوائف دينية مختلفة، أبرزها: اليهود والسُّنة والشيعة.
ورغم الاشتراك في تعظيم هذا اليوم، فإن دوافع ذلك التعظيم ومظاهره تختلف اختلافًا كبيرًا بين هذه الأطراف.


عاشوراء اليهود:
يرتبط يوم عاشوراء في العقيدة اليهودية بحدث عظيم، يتمثل في نجاة النبي موسى عليه السلام ومن كان معه من بطش فرعون وجيشه وغرقهم في البحر، ويُصادف هذا الحدث يوم العاشر من محرّم، ويُصوم فيه اليهود شكراً لله على تلك النجاة.

وقد ورد في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ لما قَدِم المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فلما سألهم عن سبب صيامهم قالوا:
"هذا يوم صالح، هذا يوم نجّى الله بني إسرائيل من عدوّهم، فصامه موسى"، فقال ﷺ:
«فأنا أحقُّ بموسى منكم» فصامه وأمر بصيامه.
(رواه البخاري ومسلم)


عاشوراء عند أهل السُّنة:
يُحيي أهل السُّنة يوم عاشوراء بصيامه، تأسّياً برسول الله ﷺ، وتقديراً لنجاة نبي الله موسى عليه السلام.
وقد قال ﷺ:
«صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يُكفّر السنة التي قبله»
(رواه مسلم).

وكان النبي ﷺ يحرص على صيام هذا اليوم، بل أوصى بمخالفة اليهود بصيام يومٍ قبله أو بعده، فقال:
«لئن بقيتُ إلى قابل، لأصومنّ التاسع»
(رواه مسلم).


عاشوراء عند الشيعة:
يمثّل يوم عاشوراء عند الشيعة ذكرى استشهاد الإمام الحسين بن علي رضي الله عنهما في معركة كربلاء سنة 61هـ، بعد أن خرج إلى العراق استجابة لدعوة أهل الكوفة الذين بايعوه بالخلافة ووعدوه بالنصرة، ثم ما لبثوا أن خذلوه وتخلّوا عنه في لحظة حرجة، فواجه جيش إبن زياد عامل يزيد بن معاوية وحيداً مع قلة من أهل بيته وأنصاره.

وقد رُوي أن الحسين رضي الله عنه دعا على من خذله، قائلاً:
«اللهم إن متعتهم إلى حين، ففرّقهم فرقاً، واجعلهم طرائق قِدَداً، ولا تُرضِ الولاة عنهم أبداً، فإنهم دعونا لينصرونا ثم عدَوا علينا فقتلونا»

واستُشهد الحسين رضي الله عنه في كربلاء، في العاشر من محرّم، ومنذ ذلك الحين تحوّل اليوم إلى مناسبة حزينة في وجدان الطائفة الشيعية، يُحيونه بمراسم عزاء ولطم ونياحة، تعبيراً عن الحزن والندم والتكفير عن خذلان الحسين.

وفي كثير من الأحيان تتجاوز هذه الطقوس لتصل إلى إيذاء النفس كالضرب بالسلاسل والسيوف.

ملاحظة:
يُعتبر في الفقه الإسلامي استجابة الحسين رضي الله عنه لأهل الكوفة خروج على الدولة وولي الأمر.

السبت، 21 يونيو 2025

عربستان.. عندما يبدّل المستعمر هوية الشعوب

عربستان دولة عربية عاصمتها الأحواز، وُلد في إحدى مدنها الخليفة العباسي محمد المهدي، والد الخليفة هارون الرشيد. وقد أزالتها إيران من الخرائط بعد أن عمدت إلى تغيير هوية شعبها.

تقع عربستان في أقصى شمال الخليج العربي، بين البصرة غربًا وسلسلة جبال كردستان شرقًا، ويحدّها من الجنوب الخليج العربي، ومن الشمال سلسلة جبال لورستان، تبلغ مساحتها ما يقارب 370 ألف كم مربع.

تتميّز عربستان بمواردها الطبيعية الوفيرة، من نفط وغاز، فضلًا عن أراضيها الزراعية الخصبة، حيث يجري فيها أحد أكبر أنهار المنطقة، نهر "كارون"، الذي يروي سهولاً زراعية غنية. وتُعدّ منطقة الأحواز المنتج الرئيسي لمحاصيل السكر والذرة في إيران اليوم.

احتلت إيران عربستان عام 1925م، وطمست معالم هويتها العربية من خلال تهجير سكانها العرب، واضطهاد من تبقّى منهم، وذلك بإغلاق المدارس العربية، وفرض الثقافة الفارسية، وإجبار الأهالي على تغيير أسمائهم العربية.

ومنعت إيران إطلاق أسماء مثل عمر، وعثمان، وعائشة، وطلحة، والزبير على المواليد الجدد، كما ميّزت الفرس على العرب في تقديم الخدمات، رغم أن الثروات النفطية التي تعتمد عليها إيران موجودة في الأراضي الأحوازية.

بهذا النهج، غيّرت إيران التركيبة الديمغرافية لعربستان، من خلال توطين الفرس في البلدات العربية بعد تغيير أسمائها الأصلية، لزيادة نسبة السكان من العرق الفارسي، تمامًا كما فعلت في سوريا؛ حيث اشترت عقارات في محيط السيدة رقيّة والسيدة زينب، وأجبرت أصحابها على البيع تحت التهديد أو افتعال حرائق "ماس كهربائي"، كما استولت على مساحات واسعة في منطقة المزة، واغتصبت قهوة الحجاز التاريخية، وحاولت الاستيلاء على محطة الحجاز وأماكن أخرى، ومنحت ميليشياتها الجنسية السورية بدعم من نظام الأسد، في محاولة لفرض "تجانس سكاني" مزعوم كما أشار إليه بشار الأسد لتكون سورية أكثر تجانساً.

"خوزستان" هو الاسم الفارسي الذي أطلقته إيران على مدينة الأحواز، عاصمة عربستان، في محاولة لتعجيمها وتشويه حقيقتها التاريخية وسلب هويتها العربية، ضمن سياسة التفريس للمنطقة وسكانها، وذلك لتبدو للأجيال والزائرين وكأنها أرض فارسية.

وتُسهم موارد منطقة الأحواز بنحو نصف الناتج القومي الصافي لإيران، وأكثر من 80% من قيمة صادراتها. ولعلّ أبرز ما يُستشهد به في هذا السياق، ما قاله الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي:
"إيران تحيا بخوزستان".

21 حزيران 2025م

الأحد، 3 سبتمبر 2023

وجاء الخريف

في بيتنا فتحةٌ سَمَاوية..

ارصدُ منها شروقَ الشمسِ..
وضوءَ القمرِ..
وبريقَ النجوم..

وجاءَ شهر أيلول..
وجاءت غيومهُ الرماديّة..

وهَطلَت الأمطار..
وهبَّت الرياحُ الخريفيّة..

وتساقطَت أوراقُ الأشجارِ..
ونسَجَت سِجادةً ذهبيّة..

وتجمّعَ الدوري..

عصفورةٌ تلتقطُ الحبَّ..
وأُخرى تقلّبُ الأوراقَ..
وعصفورةٌ تزقزقُ صِبحيّة..

ومن تحتِ الشبابيكِ..
جمعتُ أوراقَ أيلولَ..
بألوانِها الصفراءِ الذهبيّة..

مرسومةٌ عليها خرائِطُ مُبهَمَة..
وعناوينُ وقصصٌ مرويّة..

وسُجّلت حِكاياتٌ مدوّنة..
وأنّاتٌ وآهَاتٌ جليّة !!

هذهِ ورَقةُ ألم..
وهذهِ وَرَقةُ شَجَن..
وَتلكَ ورَقةٌ رومنسيّة..

وورقةٌ بدأت بحبَّ..
وورقةٌ خُتِمَت بزواج..
وورقةٌ حقّقت أمنيّة..

ولقاءٌ..
وفراق..

وقُبَرةٌ جريئةٌ مقبِلةٌ..
ألقت ورقةً بيديّ..

قلتُ لها: توقّفي..

مَن انتِ؟ ومِن أينَ أتيتِ؟
مُسبّحاً بالذاتِ الإلهيّة..

فأجابتني  بدلالٍ:
"أنا عَصفورةٌ خريفيّة"..  

وصَفّقَت بجناحيها عاليةً..
تلوّحُ بأرياشِها السحريّة..

تصفّحتُ ورقتها بشغفٍ..
وبحُبَّ وأشواقٍ نَديّة..

أربعُ كلماتٍ وجدتها..
مكتوبةً بخطوطٍ ذهبيّة..

كل خريف وأنتم بخير..

2 ايلول 2023م

الأربعاء، 8 مارس 2023

يوم المرأة العالمي

بمناسبة يوم المرأة العالمي..

لقد تحرّرت المرأة العربية بنزول الوحي فسبقت نساء العالمين في مكانتها، فتحيّتي لكل امرأة عظيمة صبرت وأعطَت وضحّت وربَّت وناضَلت فكانت نوراً وضياءً وسعادةً لمن حولها، وجعلت بحنانها وحبّها وعطفها وبِرّها وتشجيعها للزوج والأب والأخ والولد رجالاً عظماء.

تحيّة لكِ أيتها المرأة الشريفة العفيفة الطاهرة، فأنتِ أجمل هدية خلقها الله للرجل.

الاثنين، 11 يوليو 2022

جزاء ما كسبت أيدينا

نشأنا في حيٍّ من أحيّاء دمشق القديمة، حيٌ محافظ على القيّم والأخلاق والمبادئ كبقية أحيّاء دمشق والمدن السورية الأخرى.

تربى أطفال الحيّ على الخوف من الله وحفظ النعم ومساعدة الآخرين، كانت حياة النّاس بسيطة وخالية من التعقيد، فطابع أحيّاء دمشق وحاراتها متداخلة ومتواصلة مثل طبيعة سكّانها، وبالتالي جميع العائلات الدمشقية تعرف بعضها في كل المناطق.

يوجد في حارتنا ثلاثة أحجار كبيرة تظلّلها شجرتان كبيرتان منذ زمن بعيد، إحداها شجرة "الكينا" ذات أوراق رائحتها زكية، تحمل ثمر أخضر صغير ذو رأس مدبب، نقطفه ونفتله بأصبعينا على سطح مستوي فيبرم ويدور كالبلبل، والثانية شجرة "الدلب" ثمرتها خضراء صغيرة كروية مثل الجارنك يخرج منها وبر ناعم، نغمسها بالكحول ونشعلها لتتقاذفها راحة كفيّنا كالطابة، ونحن نصرخ ونضحك.

فالأحجار والأشجار أيقونة طفولتنا، فعليها نقبع وفوق الأغصان نختبى في لعبة الغمامة (الطمّيمة) !!  

طبيعة دمشق وأحيّاءها في ذلك الزمان متكاتف ومتحد، ولا يستطيع الغريب العبث فيها، فإن رأينا رجل أو امرأة من خارج حيّنا يدخل حارتنا نسأل بلهجة طفولية:

"وين بدّك تروح عمو ؟"
"وين بدّك تروحي خالة ؟"

نطرح سؤالنا من باب المساعدة والفضول، ونمشي بصحبة الزائرين حتى يدخلوا البيت الذي ذكروه، فنحن نعرف كل بيت ومن يقطن فيه !

لقد تربيّنا منذ نعومة أظافرنا على وصية:
"ساعدوا الغريب والمحتاج"

بخلاف تربية الأوربيين لأطفالهم  وعبارتهم:
"لا تتكلّموا مع الغرباء !!"

ومن الأشياء التي تعلّمناها أيضاً منذ الصغر ومازالت متأصلة في داخلنا إلى الآن هي:

"مداراة حفظ النعم"

فإذا سقطت قطعة خبز من أحدنا على الأرض، يلتقطها ويمسحها ويُقبلها ثلاث مرات مع وضعها على رأسه احتراماً لها، ثمّ يأكلها !

ومن لا يفعل ذلك يُعاقب توبيخاً بالكلام وضرباً على اليدين مع تسميعه عبارة:

"حرام عليك، هي نعمة الله، لمّها وبوسها وحطّها على راسك وكلها"

هكذا تربيّنا منذ الصغر عند سقوط هرهورة خبزة أو كعكة أو حبّة رز، أمّا إن كانت كسرات الخبز من إهمال غيرنا وملقاة في الطريق، فيجب حملها وتقبيلها ووضعها في مكان مرتفع لتأكلها الطيور، لقد تعلمنا احترام نعم الله حتى لا تزول من أيدينا !!

كانت والدتي رحمها الله في كل فترة من الفترات، ترطّب الخبز اليابس بالماء وتأكله رغم وجود خبز طازج أمامها !

حاولت تقليدها فلم استطع ابتلاع الخبز المبلل ولم تستسيغه نفسي، وعندما أسألها:

"لماذا تفعلين هذا يا أمي والخبز التازة موجود أمامك ؟"

كانت تجيبني رحمها الله: 

"هكذا كنّا نفعل عندما كنّا صغاراً !"

صراحة لا أدري إصرارها على أكل الخبز اليابس المبللّ أمامنا، هل هو حقّاً حنين الطفولة، أم هو قدوة لنا في حال احتاج الأمر ؟!

في كل الأحوال، هذا ما تربيّنا عليه بالفطرة سواءً كان صح أم خطأ.

هاجرت إلى الولايات المتحدة في الربع الأخير من القرن المنصرم حاملاً معي هذا الموروث الثقافي المحافظ، وتفاجئت بثقافة الشعوب هناك ترمي الطعام والخبز وكثير من النعم في حاويات الزبالة دون مبالاة، وكانت صدمتي أكبر عندما وجدت الجاليات المسلمة تفعل ذلك أيضاً، وخاصة في المراكز الإسلامية والكافتريات الموجودة فيها !!

لم أجد أحداً يلتقط الخبز ويقبله ثلاثاً ويضعه على رأسه ويأكله ويقول:

حرام !!!!!

عدت إلى دمشق بعد غياب طويل وسكنت خارج الحيّ الذي ترعرعت فيه، فوجدت ظاهرة رمي الخبز على الأرض وفي القمامة قد تسللت إلى بلدنا، كأنّ ثقافة أمريكا في احتقار النعم سبقتني إلى دمشق !! 

ذهبت إلى حيّنا المحافظ شوقاً إليه، فوجدت كثيراً من معالمه قد تبدّل مثل بقية أحيّاء دمشق الأخرى !

لقد تغيّرت ملامحه وأُدخل عليه طراز العمارة الحديثة، وهُدِمَت بعض منازله الأثرية وأنشأ مكانها أبنية بعدّة طوابق، واخترقت أزقته شوارع عامّة ممّا جعل كثير من أهالي الحيّ يغادروا إلى الريف كبقيّة أهالي الأحيّاء الأخرى !!

وقفت على حافة الرصيف أنظر إلى أيقونة طفولتنا التي كنت أجلس فيها، فوجدت الأحجار كما هي ولكن الشجرتان اختفتا !

سألني أحد أطفال الحيّ وهو يشاهدني أتأمل المكان باستغراب:

"عمو على شو عم ادوّر ؟" 

نظرتُ إليه فرأيت نفسي فيه عندما كنتُ أسأل غرباء الحيّ في ذاك الزمان، مسحتُ على رأسه الصغير وقلت:
"أبحث عن طفولتي فوق تلك الأحجار !"

نظر إليّ في دهشة، ولم يفهم شيئاً ممّا قلت !!

بحثت عن رفقاء الحيّ، لقد اشتقت لكل الناس وأريد أن أعرف أخبارهم، اجتمعت بصديقي الحميم، إنّ ملامحه كما هي لم تتغيّر سوى الشيب قد غزى مفرقه وظهر عليه تعب السنين، سألته عن كل شخص خطر على بالي، فراح يسرد لي ما اعتَرَى الناس منذ غادرت الحيّ:

- فلان سافر.
- فلان حرامي.
- فلان مخابرات.
- فلان في السجن.
- فلان في التموين.
- فلان في المحافظة.
- فلان تزوّج ولم نعد نراه.
- فلان عضو مجلس الشعب.
- فلان دكتور بوزارة الصحة.
- فلان ابن حرام يتسلّبط على الناس.
- فلان.. وفلان.. وفلان..

سألته:
وكيف علاقتك معهم ؟

فأجاب:
جيّدة مع البعض، والباقي على الطويل.

قلت: لماذا ؟

أجاب:
ضاعت الثقة بين النّاس وأصبحت العلاقة بينهم حسب المصلحة، لقد تبدّلت النفوس وتكبّرت ونسيّت الخبز والملح ! 

يا الله !! "الخبز والملح"، كل الذين ذكرهم لي يوجد بيني وبينهم خبز وملح!! 

شرعت أتردد على الحيّ في كل فترة وأصلّي الجمعة في مسجد "أبي ذر الغفاري"، لقد قابلت بعض الذي ذكرهم لي، منهم من أبدى شوقاً وحباً بلقاءي ودعاني إلى بيته، ومنهم من تكلّم بغطرسة وتعالٍ، ومنهم من صرف نظره عنّي، لقد تغيّر القوم كما أخبرني صديقي.

تفقدت بقية الأحيّاء الأخرى لأطمأنّ عنها، فوجدتها منسجمة في ثلاث:

"الأنانية والكراهية واحتقار النعم"

أصبحت غريب في حارتي، وما أصعب المرء أن يكون غريباً في وطنه !

سافرت بحكم مهنتي إلى كافّة محافظات القطر، فوجدتها منحدرة ديناً وأخلاقاً مثل دمشق، فالنّاس تخشى بعضها، وتدوس على النعم وترميها بطراً وتكبّراً !!

لقد أسأنا جوار النعم فنَفَرَت من أيدينا مصداقاً لحديث رسول الله ﷺ عندما رأى في بيته كسرة خبز ملقاة فمسحها وقال:

"يا عائشة أَكْرِمِي جوار نعم الله فإنّ النعمة إذا نَفَرَتْ قلّما تعود"

لقد أخبرني بعض أصحابي المقيمين في دول الخليج، أنّ النعمة هناك تُركل بالأرجل وترمى في الزبالة، وتقذف الخراف المشوية المحشية في ناقلات القمامة كاملة دون أن يلمسها أحد.

لقد وصل جحود النعمة ونكرانها إلى بلاد المسلمين كافّة دون استثناء، وهذا لا يبّشر بخير !!

إذا تأمّلنا حالُنا اليوم بعيداً عن السياسة والحكم، وراجعنا أنفُسنا بدقة وحاسبناها، نجد أننا أعرضنا عن الله وعصيناه، وخالفنا شرعه وحاربناه، وتركنا سنّة نبيه ﷺ، وقبضنا رشوة، وعقّينا والدينا، وتبرّجت نساؤنا، وزادت الخيانة، وفشى الزنى وعمّت الأنانية، فسلَّط الله علينا عدواً من جلدتنا ذاقنا سوء العذاب، فكثر الغلاء والبلاء، وتشرّدت الأسر، ومات الناس جوعاً حتى اشتهت الأطفال قطعة الخبز التي كنّا نبوسها ونضعها على راسنا ونحن صغار !! 

وخلاصة القول أنّ حالنا اليوم وما نراه من فقر  وبؤس وخوف وتشريد وقتل وتعذيب، جزاء عمل أيدينا لقوله تعالى:

{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} الروم: 41

والمخرج من هذا البلاء يبدأ بالتوبة إلى الله وترك المعاصي وهجر الشهوات وحب الخير للناس، فيتغير حالنا وتستجاب دعوتنا وينهزم عدونا لقوله تعالى:

{إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} الرعد :11

تمّت

حدث في مسجدنا.. لا تؤخِّروا الجنازة.. الجنازة أولاً..

آخر ما ينتفع به الميت في الدنيا هو الصلاة عليه والدعاء له. ومن المؤسف أن يُبتلى بعض أئمة المساجد بتقديم صلاة السُّنّة البعدية على صلاة الجنا...