السبت، 5 يوليو 2025

عاشوراء

بين السُّنة واليهود والشيعة

يُعتبر يوم عاشوراء، الموافق للعاشر من شهر مُحرّم في التقويم الهجري، من الأيام التي تحظى بمكانة خاصة لدى طوائف دينية مختلفة، أبرزها: اليهود والسُّنة والشيعة.
ورغم الاشتراك في تعظيم هذا اليوم، فإن دوافع ذلك التعظيم ومظاهره تختلف اختلافًا كبيرًا بين هذه الأطراف.


عاشوراء اليهود:
يرتبط يوم عاشوراء في العقيدة اليهودية بحدث عظيم، يتمثل في نجاة النبي موسى عليه السلام ومن كان معه من بطش فرعون وجيشه وغرقهم في البحر، ويُصادف هذا الحدث يوم العاشر من محرّم، ويُصوم فيه اليهود شكراً لله على تلك النجاة.

وقد ورد في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ لما قَدِم المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فلما سألهم عن سبب صيامهم قالوا:
"هذا يوم صالح، هذا يوم نجّى الله بني إسرائيل من عدوّهم، فصامه موسى"، فقال ﷺ:
«فأنا أحقُّ بموسى منكم» فصامه وأمر بصيامه.
(رواه البخاري ومسلم)


عاشوراء عند أهل السُّنة:
يُحيي أهل السُّنة يوم عاشوراء بصيامه، تأسّياً برسول الله ﷺ، وتقديراً لنجاة نبي الله موسى عليه السلام.
وقد قال ﷺ:
«صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يُكفّر السنة التي قبله»
(رواه مسلم).

وكان النبي ﷺ يحرص على صيام هذا اليوم، بل أوصى بمخالفة اليهود بصيام يومٍ قبله أو بعده، فقال:
«لئن بقيتُ إلى قابل، لأصومنّ التاسع»
(رواه مسلم).


عاشوراء عند الشيعة:
يمثّل يوم عاشوراء عند الشيعة ذكرى استشهاد الإمام الحسين بن علي رضي الله عنهما في معركة كربلاء سنة 61هـ، بعد أن خرج إلى العراق استجابة لدعوة أهل الكوفة الذين بايعوه بالخلافة ووعدوه بالنصرة، ثم ما لبثوا أن خذلوه وتخلّوا عنه في لحظة حرجة، فواجه جيش إبن زياد عامل يزيد بن معاوية وحيداً مع قلة من أهل بيته وأنصاره.

وقد رُوي أن الحسين رضي الله عنه دعا على من خذله، قائلاً:
«اللهم إن متعتهم إلى حين، ففرّقهم فرقاً، واجعلهم طرائق قِدَداً، ولا تُرضِ الولاة عنهم أبداً، فإنهم دعونا لينصرونا ثم عدَوا علينا فقتلونا»

واستُشهد الحسين رضي الله عنه في كربلاء، في العاشر من محرّم، ومنذ ذلك الحين تحوّل اليوم إلى مناسبة حزينة في وجدان الطائفة الشيعية، يُحيونه بمراسم عزاء ولطم ونياحة، تعبيراً عن الحزن والندم والتكفير عن خذلان الحسين.

وفي كثير من الأحيان تتجاوز هذه الطقوس لتصل إلى إيذاء النفس كالضرب بالسلاسل والسيوف.

ملاحظة:
يُعتبر في الفقه الإسلامي استجابة الحسين رضي الله عنه لأهل الكوفة خروج على الدولة وولي الأمر.

السبت، 21 يونيو 2025

عربستان.. عندما يبدّل المستعمر هوية الشعوب

عربستان دولة عربية عاصمتها الأحواز، وُلد في إحدى مدنها الخليفة العباسي محمد المهدي، والد الخليفة هارون الرشيد. وقد أزالتها إيران من الخرائط بعد أن عمدت إلى تغيير هوية شعبها.

تقع عربستان في أقصى شمال الخليج العربي، بين البصرة غربًا وسلسلة جبال كردستان شرقًا، ويحدّها من الجنوب الخليج العربي، ومن الشمال سلسلة جبال لورستان، تبلغ مساحتها ما يقارب 370 ألف كم مربع.

تتميّز عربستان بمواردها الطبيعية الوفيرة، من نفط وغاز، فضلًا عن أراضيها الزراعية الخصبة، حيث يجري فيها أحد أكبر أنهار المنطقة، نهر "كارون"، الذي يروي سهولاً زراعية غنية. وتُعدّ منطقة الأحواز المنتج الرئيسي لمحاصيل السكر والذرة في إيران اليوم.

احتلت إيران عربستان عام 1925م، وطمست معالم هويتها العربية من خلال تهجير سكانها العرب، واضطهاد من تبقّى منهم، وذلك بإغلاق المدارس العربية، وفرض الثقافة الفارسية، وإجبار الأهالي على تغيير أسمائهم العربية.

ومنعت إيران إطلاق أسماء مثل عمر، وعثمان، وعائشة، وطلحة، والزبير على المواليد الجدد، كما ميّزت الفرس على العرب في تقديم الخدمات، رغم أن الثروات النفطية التي تعتمد عليها إيران موجودة في الأراضي الأحوازية.

بهذا النهج، غيّرت إيران التركيبة الديمغرافية لعربستان، من خلال توطين الفرس في البلدات العربية بعد تغيير أسمائها الأصلية، لزيادة نسبة السكان من العرق الفارسي، تمامًا كما فعلت في سوريا؛ حيث اشترت عقارات في محيط السيدة رقيّة والسيدة زينب، وأجبرت أصحابها على البيع تحت التهديد أو افتعال حرائق "ماس كهربائي"، كما استولت على مساحات واسعة في منطقة المزة، واغتصبت قهوة الحجاز التاريخية، وحاولت الاستيلاء على محطة الحجاز وأماكن أخرى، ومنحت ميليشياتها الجنسية السورية بدعم من نظام الأسد، في محاولة لفرض "تجانس سكاني" مزعوم كما أشار إليه بشار الأسد لتكون سورية أكثر تجانساً.

"خوزستان" هو الاسم الفارسي الذي أطلقته إيران على مدينة الأحواز، عاصمة عربستان، في محاولة لتعجيمها وتشويه حقيقتها التاريخية وسلب هويتها العربية، ضمن سياسة التفريس للمنطقة وسكانها، وذلك لتبدو للأجيال والزائرين وكأنها أرض فارسية.

وتُسهم موارد منطقة الأحواز بنحو نصف الناتج القومي الصافي لإيران، وأكثر من 80% من قيمة صادراتها. ولعلّ أبرز ما يُستشهد به في هذا السياق، ما قاله الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي:
"إيران تحيا بخوزستان".

21 حزيران 2025م

الأحد، 3 سبتمبر 2023

وجاء الخريف

في بيتنا فتحةٌ سَمَاوية..

ارصدُ منها شروقَ الشمسِ..
وضوءَ القمرِ..
وبريقَ النجوم..

وجاءَ شهر أيلول..
وجاءت غيومهُ الرماديّة..

وهَطلَت الأمطار..
وهبَّت الرياحُ الخريفيّة..

وتساقطَت أوراقُ الأشجارِ..
ونسَجَت سِجادةً ذهبيّة..

وتجمّعَ الدوري..

عصفورةٌ تلتقطُ الحبَّ..
وأُخرى تقلّبُ الأوراقَ..
وعصفورةٌ تزقزقُ صِبحيّة..

ومن تحتِ الشبابيكِ..
جمعتُ أوراقَ أيلولَ..
بألوانِها الصفراءِ الذهبيّة..

مرسومةٌ عليها خرائِطُ مُبهَمَة..
وعناوينُ وقصصٌ مرويّة..

وسُجّلت حِكاياتٌ مدوّنة..
وأنّاتٌ وآهَاتٌ جليّة !!

هذهِ ورَقةُ ألم..
وهذهِ وَرَقةُ شَجَن..
وَتلكَ ورَقةٌ رومنسيّة..

وورقةٌ بدأت بحبَّ..
وورقةٌ خُتِمَت بزواج..
وورقةٌ حقّقت أمنيّة..

ولقاءٌ..
وفراق..

وقُبَرةٌ جريئةٌ مقبِلةٌ..
ألقت ورقةً بيديّ..

قلتُ لها: توقّفي..

مَن انتِ؟ ومِن أينَ أتيتِ؟
مُسبّحاً بالذاتِ الإلهيّة..

فأجابتني  بدلالٍ:
"أنا عَصفورةٌ خريفيّة"..  

وصَفّقَت بجناحيها عاليةً..
تلوّحُ بأرياشِها السحريّة..

تصفّحتُ ورقتها بشغفٍ..
وبحُبَّ وأشواقٍ نَديّة..

أربعُ كلماتٍ وجدتها..
مكتوبةً بخطوطٍ ذهبيّة..

كل خريف وأنتم بخير..

2 ايلول 2023م

الأربعاء، 8 مارس 2023

يوم المرأة العالمي

بمناسبة يوم المرأة العالمي..

لقد تحرّرت المرأة العربية بنزول الوحي فسبقت نساء العالمين في مكانتها، فتحيّتي لكل امرأة عظيمة صبرت وأعطَت وضحّت وربَّت وناضَلت فكانت نوراً وضياءً وسعادةً لمن حولها، وجعلت بحنانها وحبّها وعطفها وبِرّها وتشجيعها للزوج والأب والأخ والولد رجالاً عظماء.

تحيّة لكِ أيتها المرأة الشريفة العفيفة الطاهرة، فأنتِ أجمل هدية خلقها الله للرجل.

الاثنين، 11 يوليو 2022

جزاء ما كسبت أيدينا

نشأنا في حيٍّ من أحيّاء دمشق القديمة، حيٌ محافظ على القيّم والأخلاق والمبادئ كبقية أحيّاء دمشق والمدن السورية الأخرى.

تربى أطفال الحيّ على الخوف من الله وحفظ النعم ومساعدة الآخرين، كانت حياة النّاس بسيطة وخالية من التعقيد، فطابع أحيّاء دمشق وحاراتها متداخلة ومتواصلة مثل طبيعة سكّانها، وبالتالي جميع العائلات الدمشقية تعرف بعضها في كل المناطق.

يوجد في حارتنا ثلاثة أحجار كبيرة تظلّلها شجرتان كبيرتان منذ زمن بعيد، إحداها شجرة "الكينا" ذات أوراق رائحتها زكية، تحمل ثمر أخضر صغير ذو رأس مدبب، نقطفه ونفتله بأصبعينا على سطح مستوي فيبرم ويدور كالبلبل، والثانية شجرة "الدلب" ثمرتها خضراء صغيرة كروية مثل الجارنك يخرج منها وبر ناعم، نغمسها بالكحول ونشعلها لتتقاذفها راحة كفيّنا كالطابة، ونحن نصرخ ونضحك.

فالأحجار والأشجار أيقونة طفولتنا، فعليها نقبع وفوق الأغصان نختبى في لعبة الغمامة (الطمّيمة) !!  

طبيعة دمشق وأحيّاءها في ذلك الزمان متكاتف ومتحد، ولا يستطيع الغريب العبث فيها، فإن رأينا رجل أو امرأة من خارج حيّنا يدخل حارتنا نسأل بلهجة طفولية:

"وين بدّك تروح عمو ؟"
"وين بدّك تروحي خالة ؟"

نطرح سؤالنا من باب المساعدة والفضول، ونمشي بصحبة الزائرين حتى يدخلوا البيت الذي ذكروه، فنحن نعرف كل بيت ومن يقطن فيه !

لقد تربيّنا منذ نعومة أظافرنا على وصية:
"ساعدوا الغريب والمحتاج"

بخلاف تربية الأوربيين لأطفالهم  وعبارتهم:
"لا تتكلّموا مع الغرباء !!"

ومن الأشياء التي تعلّمناها أيضاً منذ الصغر ومازالت متأصلة في داخلنا إلى الآن هي:

"مداراة حفظ النعم"

فإذا سقطت قطعة خبز من أحدنا على الأرض، يلتقطها ويمسحها ويُقبلها ثلاث مرات مع وضعها على رأسه احتراماً لها، ثمّ يأكلها !

ومن لا يفعل ذلك يُعاقب توبيخاً بالكلام وضرباً على اليدين مع تسميعه عبارة:

"حرام عليك، هي نعمة الله، لمّها وبوسها وحطّها على راسك وكلها"

هكذا تربيّنا منذ الصغر عند سقوط هرهورة خبزة أو كعكة أو حبّة رز، أمّا إن كانت كسرات الخبز من إهمال غيرنا وملقاة في الطريق، فيجب حملها وتقبيلها ووضعها في مكان مرتفع لتأكلها الطيور، لقد تعلمنا احترام نعم الله حتى لا تزول من أيدينا !!

كانت والدتي رحمها الله في كل فترة من الفترات، ترطّب الخبز اليابس بالماء وتأكله رغم وجود خبز طازج أمامها !

حاولت تقليدها فلم استطع ابتلاع الخبز المبلل ولم تستسيغه نفسي، وعندما أسألها:

"لماذا تفعلين هذا يا أمي والخبز التازة موجود أمامك ؟"

كانت تجيبني رحمها الله: 

"هكذا كنّا نفعل عندما كنّا صغاراً !"

صراحة لا أدري إصرارها على أكل الخبز اليابس المبللّ أمامنا، هل هو حقّاً حنين الطفولة، أم هو قدوة لنا في حال احتاج الأمر ؟!

في كل الأحوال، هذا ما تربيّنا عليه بالفطرة سواءً كان صح أم خطأ.

هاجرت إلى الولايات المتحدة في الربع الأخير من القرن المنصرم حاملاً معي هذا الموروث الثقافي المحافظ، وتفاجئت بثقافة الشعوب هناك ترمي الطعام والخبز وكثير من النعم في حاويات الزبالة دون مبالاة، وكانت صدمتي أكبر عندما وجدت الجاليات المسلمة تفعل ذلك أيضاً، وخاصة في المراكز الإسلامية والكافتريات الموجودة فيها !!

لم أجد أحداً يلتقط الخبز ويقبله ثلاثاً ويضعه على رأسه ويأكله ويقول:

حرام !!!!!

عدت إلى دمشق بعد غياب طويل وسكنت خارج الحيّ الذي ترعرعت فيه، فوجدت ظاهرة رمي الخبز على الأرض وفي القمامة قد تسللت إلى بلدنا، كأنّ ثقافة أمريكا في احتقار النعم سبقتني إلى دمشق !! 

ذهبت إلى حيّنا المحافظ شوقاً إليه، فوجدت كثيراً من معالمه قد تبدّل مثل بقية أحيّاء دمشق الأخرى !

لقد تغيّرت ملامحه وأُدخل عليه طراز العمارة الحديثة، وهُدِمَت بعض منازله الأثرية وأنشأ مكانها أبنية بعدّة طوابق، واخترقت أزقته شوارع عامّة ممّا جعل كثير من أهالي الحيّ يغادروا إلى الريف كبقيّة أهالي الأحيّاء الأخرى !!

وقفت على حافة الرصيف أنظر إلى أيقونة طفولتنا التي كنت أجلس فيها، فوجدت الأحجار كما هي ولكن الشجرتان اختفتا !

سألني أحد أطفال الحيّ وهو يشاهدني أتأمل المكان باستغراب:

"عمو على شو عم ادوّر ؟" 

نظرتُ إليه فرأيت نفسي فيه عندما كنتُ أسأل غرباء الحيّ في ذاك الزمان، مسحتُ على رأسه الصغير وقلت:
"أبحث عن طفولتي فوق تلك الأحجار !"

نظر إليّ في دهشة، ولم يفهم شيئاً ممّا قلت !!

بحثت عن رفقاء الحيّ، لقد اشتقت لكل الناس وأريد أن أعرف أخبارهم، اجتمعت بصديقي الحميم، إنّ ملامحه كما هي لم تتغيّر سوى الشيب قد غزى مفرقه وظهر عليه تعب السنين، سألته عن كل شخص خطر على بالي، فراح يسرد لي ما اعتَرَى الناس منذ غادرت الحيّ:

- فلان سافر.
- فلان حرامي.
- فلان مخابرات.
- فلان في السجن.
- فلان في التموين.
- فلان في المحافظة.
- فلان تزوّج ولم نعد نراه.
- فلان عضو مجلس الشعب.
- فلان دكتور بوزارة الصحة.
- فلان ابن حرام يتسلّبط على الناس.
- فلان.. وفلان.. وفلان..

سألته:
وكيف علاقتك معهم ؟

فأجاب:
جيّدة مع البعض، والباقي على الطويل.

قلت: لماذا ؟

أجاب:
ضاعت الثقة بين النّاس وأصبحت العلاقة بينهم حسب المصلحة، لقد تبدّلت النفوس وتكبّرت ونسيّت الخبز والملح ! 

يا الله !! "الخبز والملح"، كل الذين ذكرهم لي يوجد بيني وبينهم خبز وملح!! 

شرعت أتردد على الحيّ في كل فترة وأصلّي الجمعة في مسجد "أبي ذر الغفاري"، لقد قابلت بعض الذي ذكرهم لي، منهم من أبدى شوقاً وحباً بلقاءي ودعاني إلى بيته، ومنهم من تكلّم بغطرسة وتعالٍ، ومنهم من صرف نظره عنّي، لقد تغيّر القوم كما أخبرني صديقي.

تفقدت بقية الأحيّاء الأخرى لأطمأنّ عنها، فوجدتها منسجمة في ثلاث:

"الأنانية والكراهية واحتقار النعم"

أصبحت غريب في حارتي، وما أصعب المرء أن يكون غريباً في وطنه !

سافرت بحكم مهنتي إلى كافّة محافظات القطر، فوجدتها منحدرة ديناً وأخلاقاً مثل دمشق، فالنّاس تخشى بعضها، وتدوس على النعم وترميها بطراً وتكبّراً !!

لقد أسأنا جوار النعم فنَفَرَت من أيدينا مصداقاً لحديث رسول الله ﷺ عندما رأى في بيته كسرة خبز ملقاة فمسحها وقال:

"يا عائشة أَكْرِمِي جوار نعم الله فإنّ النعمة إذا نَفَرَتْ قلّما تعود"

لقد أخبرني بعض أصحابي المقيمين في دول الخليج، أنّ النعمة هناك تُركل بالأرجل وترمى في الزبالة، وتقذف الخراف المشوية المحشية في ناقلات القمامة كاملة دون أن يلمسها أحد.

لقد وصل جحود النعمة ونكرانها إلى بلاد المسلمين كافّة دون استثناء، وهذا لا يبّشر بخير !!

إذا تأمّلنا حالُنا اليوم بعيداً عن السياسة والحكم، وراجعنا أنفُسنا بدقة وحاسبناها، نجد أننا أعرضنا عن الله وعصيناه، وخالفنا شرعه وحاربناه، وتركنا سنّة نبيه ﷺ، وقبضنا رشوة، وعقّينا والدينا، وتبرّجت نساؤنا، وزادت الخيانة، وفشى الزنى وعمّت الأنانية، فسلَّط الله علينا عدواً من جلدتنا ذاقنا سوء العذاب، فكثر الغلاء والبلاء، وتشرّدت الأسر، ومات الناس جوعاً حتى اشتهت الأطفال قطعة الخبز التي كنّا نبوسها ونضعها على راسنا ونحن صغار !! 

وخلاصة القول أنّ حالنا اليوم وما نراه من فقر  وبؤس وخوف وتشريد وقتل وتعذيب، جزاء عمل أيدينا لقوله تعالى:

{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} الروم: 41

والمخرج من هذا البلاء يبدأ بالتوبة إلى الله وترك المعاصي وهجر الشهوات وحب الخير للناس، فيتغير حالنا وتستجاب دعوتنا وينهزم عدونا لقوله تعالى:

{إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} الرعد :11

تمّت

الثلاثاء، 31 مايو 2022

حافزية الإسلام

امتاز المسلمون الأوائل بفهم القرآن الكريم والسنة النبوية وأخذوا بكل أسباب التمكين وعمارة الأرض، وقدّموا للبشرية كل ما تحتاجه من خير.

كان مضمون كلمة إقرأ حافزاً تسابقوا بموجبه إلى العلم والمعارف، وأقاموا حضارة ممزوجة بالروح والعقل، وفّقوا فيها بين مصالح الدنيا والآخرة فجعلوها تختلف عن الحضارات التي سبقتها.

ازدهر عصرهم بالدراسات الدينية والمدنية، فأنشأوا حياة مزدهرة متطورة أطلقت الحرّيات الفكرية، قدّم علماؤها البحوث والإختراعات والإنجازات أمثال:

الخوارزمي "عِلم الجبر".
وإبن الهيثم "عِلم المناظر".
وإبن سينا "القانون في الطب".
وعباس بن فرناس "عِلم الطيران".
وإبن خلدون "عِلم العمران والإجتماع".
والإدريسي "عِلم الجغرافيا ورسم الخرائط".
وقَدَّمَ غيرهم عِلم البلاغة والشعر والفلسفة والتاريخ والفلك.

كانت حافزية الإسلام سبباً رئيسيّاً في كل ما نراه من حضارة ورقيّ وتقدّم، لقد نقلت الحضارة الإسلامية عُلومَها إلى أوروبا عن طريق صقلية والأندلس، وتُرجِمَت مؤلفاتها إلى اللاتينية ولغات أخرى، استغلها الصليبيون في حملاتهم أخرجوا بها أوروبا من سرداب الظلام إلى النور والمعرفة !

ثمّ انكفأ المسلمون وتقاعصوا واختلفوا ففقدوا حافزية التقدم، وبالتالي عادو إلى مؤخرة الدول !

سألَ مقدم برنامج بمحطة فضائية أحد العلماء :

لماذا المسلمين اليوم متخلّفين، ضعفاء، منهزمين ؟

فأجاب العالِم بكل ثقة:
لإبتعادهم عن الكتاب والسنة والإسلام الصحيح !!

كان بودي أن أقول لهذا العالِم الجليل:

إنّ أمريكا النصرانية، والصين الوثنية، واليابان البوذية، وكوريا الجنوبية، ليسوا على الكتاب والسنة ويتصّدرون العالَم قوة وعلماً !

وتركيا وماليزيا دولتان علمانيتان ليستا على الكتاب والسنة والإسلام الصحيح، وكلتاهما في مقدمة الدول الإقتصادية والصناعية !!

أمّا الدولة الوحيدة التي تعنيها ياشيخنا الكريم، والتي تحتضن الإسلام الصحيح وفق الكتاب والسنة، فهي متخلّفة على كل الأصعدة، وتستورد جميع حاجاتها من الكفار، حتى السبحة والمسواك ؟!

وإذا أردنا الإجابة على تخلّف المسلمين وضعفهم وإنهزامهم فنوجزه على النحو التالي:

* الفهم الخاطئ للإسلام وتضّييق فضاءه الواسع وتحجيره.

* مراقبة الحكّام للشعوب وكتم الأفواه ومصادرة الحريّات، قضى على الإبداع والإبتكار والمهارات، فهاجرت العقول إلى بلدان أخرى !

* اختصار "إقرأ" على العلوم الشرعية، والتغافل عن شموليّتها للعلوم الأخرى التي تفيد البشرية، ورُبّ علمٍ تحتاجه الأمّة خيرٌ من علمٍ شرعي !

* تحجّر العقول وتعصّبها، وجعل رأيها صواب لا يحتمل الخطأ، والرأي الآخر خطأ لا يحتمل الصواب.

* الإفتاء بحكم ظنّي حمّال الأوجه، وفرضه كحكم قطعيّ ثابت الدلالة، دون احترام تعدّد الآراء الأخرى.

* الاستئثار بالدين، واحتكار فهم الكتاب والسنة دون الآخرين.

* اعتقاد عهد السلف هو فقط الصحيح، واسقاط الحاضر عليه، دون أن يوجد فيه أمثال أبي بكر وعمر وخالد.

كل هذه النقاط وغيرها، فرّقت الأمّة الإسلامية وأعاقت تقدّمها، وعطّلت الإجتهاد، وأنشأت الشحناء والبغضاء والعداوة بين المسلمين، جعلتهم يتراجعوا عن مواكبة الحضارة، ويتقزّموا ليصبحوا مستهلكين، يستوردوا الحاسبات والهواتف وأجهزة الكمبيوتر والطائرات والسيارات والأدوات المنزلية البسيطة !!

الخلاصة:
ليس الإبتعاد عن الكتاب والسنة سبب تخلّف الأمّة كما يتوهّم البعض، بل الحاجة لقراءة جديدة للإسلام، واطلاق العقل للتفكير والتعبير، ووضع برامج وخطط مستقبلية، وفتح باب الاجتهاد، واستنباط أحكام تحفّز الأمة وتدفعها إلى الأمام لإعادة مكانتها بكل العلوم والمجالات، ومشاركة الأمم الأخرى في الإبداع والإنتاج والتطوير، لتعود خير أمة أخرجت للناس.

إنّ جميع العلوم التي فيها خير مباحة، والحثّ عليها واجب، وأجرها كأجر العلوم الشرعية، وليس النقاء من الذنوب والمعاصي شرطاً في تقدّم الأمة، فالنصر والتمكين يأتي بسننه حتى لو ارتُكِبَت بعض المخالفات الشرعية، مادام القلب مطمئنّ بالإيمان، وفي التاريخ الإسلامي شواهد كثيرة.

19 آب 2017 م



الأربعاء، 11 مايو 2022

صراع حضاري فكري

      "معركتنا فكرية - ثقافية - حضارية"

بعد دخول العولمة الغربية والأمريكية إلى بيوت المسلمين في بلاد الشام وعجزها عن تغيير الثقافة الإسلامية، أصرَّ الغرب على إبادة الثقافة العربية السورية بتشريد السوريين تشريداً ممنهجاً، وتغيير ديموغرافي للعرب السنّة الذين يشكلون 80% من عدد السكان، وتحويلهم إلى أقليّة مكافئة لبقية الأعراق.

فتحت أوروبا وأمريكا أبوابها إِثر تشريد العرب السنّة السوريون بعد تدمير بيوتهم واستباحة أعراضهم، ومنحوهم لجوء إنساني وإعادة توطين لتغيير عاداتهم وتقاليدهم وطبيعة عيشهم، كي لا يعودوا ويقلقوا أمن إسرائيل !

كل ذلك جرى بأيادي عملاء الغرب وخدَمَهُ على مرأى ومسمع الدول العربية والإسلامية.

لم تستطع أوروبا ولا أمريكا الوقوف بوجه الثقافة العربية الإسلامية طوال العقود الماضية، رغم كل الإمكانيّات المادية المتاحة لأنّ المسلمين أقوى فكرياً وثقافياً، ولذلك استعانوا بقوتهم العسكرية المتفوقة لتدمير البنية التحتية للتاريخ العربي والإسلامي في المدن، وتخريبها وسرق آثارها وتهجير الإنسان المسلم السنّي العربي تحديداً !!

 لقد فعل الغرب ذلك من قبل، فبعد غزوه للعراق عام 2003م وتدمير آلاف المواقع الأثرية لحضارة وادي الرافدين، وسرقتها ونهب متحفها الوطني من خلال تجار الآثار، عادوا ثانية بعد أن صنعوا عدو وهمي تذرَّعوا به (داعش)  ليستكملوا التدمير، فأبادوا الموصل (التاريخ) ونهبوها.

وبتذرّعهم للعدو الوهمي ذاته دمّروا حلب الشهباء والرقّة وحمص وغيرها من المدن، وخربوا مئآت المواقع الأثرية الإسلامية، وسرقوا آلاف المخطوطات من حلب القديمة ومسجدها الكبير التي تعود لزمن الصحابة الكرام.

ولم تنّجى عروس الصحراء ومحطة طريق الحرير "تدمر" من السرقة والنهب والتدمير، فكان استهدافها مبكراً لأهمية مكانتها الآثرية العالمية، فاجتاحوها وهدموا معابدها الجميلة الفريدة في التاريخ بعد سرقتها ونهب مقابرها، كل هذا فعلوه من أجل محو الهوية العربية السورية السنّية الأكثرية !!

لم يشفع للعراق والشام ما قدما للبشرية من صياغة قوانين واختراع أبجدية، فكان جزاؤهما تدمير الثقافة والتاريخ والإنسان !

ولكي لا ننسى حضارتنا، سأعرج كل فترة على حقبة زمنية معينة من تاريخ العراق والشام ننعش بها ذاكرتنا.

4 آب 2017 م

حدث في مسجدنا.. لا تؤخِّروا الجنازة.. الجنازة أولاً..

آخر ما ينتفع به الميت في الدنيا هو الصلاة عليه والدعاء له. ومن المؤسف أن يُبتلى بعض أئمة المساجد بتقديم صلاة السُّنّة البعدية على صلاة الجنا...