الاثنين، 21 مايو 2018

نسيت جوّالي

من الناس من هو عبداً لحجر، ومنهم من هو عبداً لبشر، ومنهم من هو عبداً لله، فالعبودية أنواع وكل إنسان له منها نصيب، فإذا كانت العبودية إمتلاك الإنسان للإنسان، فنحن اليوم ملكاً للتكنولوجيا والجوّال، وفي طور عبودية جديدة !

ظهر جهاز الجوّال والنّاس في حاجة إليه، ومازالت الحاجة إليه تزداد حتى أصبح ظلّ من يحمله لا يفارقه أبداً، فهو البريد والهاتف، والوقت والتاريخ، والمفتي والشيخ، والأخ والصديق، والزوج والزوجة والأولاد !!

لقد طغت حاجتنا له حتى أصبحنا غير قادرين بالإستغناء عنه، فخدماته تضيف للحياة جمالاً، كالإتصال المباشر لأي بلد، وإستلام وإرسال المعلومات، وحجز الفنادق في السفر والمطاعم وتذاكر الطيران، بالإضافة لوجود ذاكرة تحوي بيانات وأرقام وأسماء وصور ومقالات الذين نُحبهم وغيرها.

فربّما ينشغلوا الناس عن بعضهم، ولا ينشغلون عن جوّالاتهم وكذلك الأزواج !

دعونا نقولها بصراحة:
أصبحنا عبيداً للجوّال؟!

غادرت منزلي في أحد الأيّام مسرعاً إلى عملي، وبعد أن قطعت عدة كيلومترات في السيارة، تحسست خصري فشعرت أنّي افتقدت جوّالي !

وعادتي عندما أنسى جوّالي أعود لأجله، فهو قرآني وإذاعتي، ومكتبتي وجريدتي، وحاسوبي ومدرستي وكل شيء في يومي !

فيه أخاطب الناس وأشارك المجموعات، وأراجع الحسابات وأجيب على الرسائل، ومع هذا قرّرت أن لا أعود لأجله ولا أكون عبداً له !

أتممت طريقي ومارست عملي بشكل أفضل، فكنت حراً في تفكيري وحراً في إرادتي، فلم أعد أشعر برجّة ولا اهتزاز ولا أسمع رنة ولا طنين، كنت  أشعر بالنصر كلما تحسست خصري ولا أجد جوّالي !

لقد تحررت من جوّالي أو هكذا بدا لي !!

شاهدت مناظر وأماكن جديدة مع أني أمرّ من نفس الطريق كل يوم، كنت سعيداً بمشاهدة المارّة حانيّ رؤوسهم وعاكفين على جوّالهم لا يدرون ما حولهم، بينما أنا شامخ القامة مرفوع الرأس، أرى وأسمع وأدرك كل شيء، فما أجمل المرء مرفوع الجبين بين قوم ناكسيّ الرؤوس !

وفي آخر النهار، شعرت بنشوة تنتابني في الإنتصار على جوّالي، فكان نشيدي في عودتي :

لا للجوّال..لا للعبودية !

ولكن ما إن وصلت بيتي، حتى هرولّت مسرعاً إلى جوّالي أتصفحه، بينما زوجتي تنظر إليّ وتقول:

"ما سَكَتَ جوّالك طوال اليوم !!"

فمتى نتحرّر ؟!

27 شباط 2016م

جزاءً ما كسبت أيدينا

نشأنا في حيٍّ من أحيّاء دمشق القديمة، حيٌ محافظ على القيّم والأخلاق والمبادئ كبقية أحيّاء دمشق والمدن السورية الأخرى.

تربى أطفال الحيّ على مخافة الله وحفظ النعم ومساعدة الآخرين، كانت حياة النّاس بسيطة وخالية من التعقيد، فطابع أحيّاء دمشق وحاراتها متداخلة ومتواصلة مثل طبيعة سكّانها، وبالتالي جميع العائلات الدمشقية تعرف بعضها في كل المناطق.

يوجد في حارتنا ثلاثة أحجار كبيرة تظلّها شجرتان كبيرتان منذ زمن بعيد، إحداها شجرة "كينا" ذات أوراق رائحتها زكية، تحمل ثمر أخضر صغير ذو رأس مدبب، نقطفه ونفتله بأصبعينا على سطح مستوي فيبرم ويدور كالبلبل، والثانية لا أعرف اسمها سوى أنّ ثمرتها خضراء صغيرة كروية مثل الجارنك، يخرج منها وبر ناعم، نغمسها بالكحول ونشعلها لتتقاذفها راحة كفيّنا كالطابة، ونحن نصرخ ونضحك.

فالأحجار والأشجار أيقونة طفولتنا، فعليها نقبع وفوق الأغصان نختبى في لعبة الغمامة (الطمّيمة) !! 

طبيعة دمشق وأحيّاءها في ذلك الزمان متكاتف ومتحد، ولا يستطيع الغريب العبث فيها، فإن رأينا رجل أو امرأة من خارج حيّنا يدخل حارتنا نسأل بلهجة طفولية:

"وين بدّك تروح عمو ؟"
"وين بدّك تروحي خالة ؟"

نطرح سؤالنا من باب المساعدة والفضول، ونمشي بصحبة الزائرين حتى يدخلوا البيت الذي ذكروه، فنحن نعرف كل بيت ومن يقطن فيه !

لقد تربيّنا منذ نعومة أظافرنا على وصية:
"ساعدوا الغريب والمحتاج"

بخلاف تربية الأوربيين لأطفالهم  وعبارتهم:
"لا تتكلّموا مع الغرباء !!"

ومن الأشياء التي تعلّمناها أيضاً منذ الصغر ومازالت متأصلة في داخلنا إلى الآن هي:

"مداراة حفظ النعم"

فإذا سقطت قطعة خبز من أحدنا على الأرض، فيلتقطها ويمسحها ويُقبلها ثلاث مرات مع وضعها على رأسه احتراماً لها، ثمّ يأكلها !

ومن لا يفعل ذلك يُعاقب توبيخاً بالكلام وضرباً على اليدين مع تسميعه عبارة:

"حرام عليك، هي نعمة الله، لمّها وبوسا وحطّها على راسك وكلها"

هكذا تربيّنا منذ الصغر عند سقوط هرهورة خبزة أو كعكة أو حبّة رز، أمّا إن كانت كسرات الخبز من إهمال غيرنا وملقاة في الطريق، فيجب حملها وتقبيلها ووضعها في مكان مرتفع لتأكلها الطيور، لقد تعلمنا احترام نعم الله حتى لا تزول من أيدينا !!

كانت والدتي رحمها الله في كل فترة من الفترات، ترطّب الخبز اليابس بالماء وتأكله رغم وجود خبز طازج أمامها !

حاولت تقليدها فلم استطع ابتلاع الخبز المبلل ولم تستسيغه نفسي، وعندما أسألها:

"لماذا تفعلين هذا يا أمي والخبز التازة موجود أمامك ؟"

كانت تجيبني رحمها الله:

"هكذا كنّا نفعل عندما كنّا صغاراً !"

صراحة لا أدري إصرارها على أكل الخبز اليابس المبللّ أمامنا، هل هو حقّاً حنين الطفولة، أم هو قدوة لنا في حال احتاج الأمر ؟!

في كل الأحوال، هذا ما تربيّنا عليه بالفطرة سواءً كان صح أم خطأ.

هاجرت إلى الولايات المتحدة في الربع الأخير من القرن المنصرم حاملاً معي هذا الموروث الثقافي المحافظ، وتفاجئت بثقافة الشعوب هناك ترمي الطعام والخبز وكثير من النعم في حاويات الزبالة دون مبالاة، وكانت صدمتي أكبر عندما وجدت الجاليات المسلمة تفعل ذلك أيضاً، وخاصة في المراكز الإسلامية والكافتريات الموجودة فيها !!

لم أجد أحداً يلتقط الخبز ويقبله ثلاثاً ويضعه على رأسه ويأكله ويقول:

حرام !!!!!

عدت إلى دمشق بعد غياب طويل وسكنت خارج الحيّ الذي ترعرعت فيه، فوجدت ظاهرة رمي الخبز على الأرض وفي القمامة قد تسللت إلى حارتنا، كأنّ ثقافة احتقار النعم في أمريكا سبقتني إلى دمشق !!

ذهبت إلى حيّنا المحافظ شوقاً إليه، فوجدت كثيراً من معالمه قد تبدّل مثل بقية أحيّاء دمشق الأخرى !

لقد تغيّرت ملامحه وأُدخل عليه طراز العمارة الحديثة، وهُدِمَت بعض منازله الأثرية وأنشأ مكانها أبنية بعدّة طوابق، واخترقت أزقته شوارع عامّة ممّا جعل كثير من أهالي الحيّ يغادروا إلى الريف كبقيّة أهالي الأحيّاء الأخرى !!

وقفت على حافة الرصيف أنظر إلى أيقونة طفولتنا التي كنت أجلس فيها، فوجدت الأحجار كما هي ولكن الشجرتان اختفتا !

سألني أحد أطفال الحيّ وهو يشاهدني أتأمل المكان باستغراب:

"عمو على شو عم ادوّر ؟"

نظرت إليه فرأيت نفسي أسأل غرباء الحيّ في ذاك الزمان، مسحت على رأسه الصغير وقلت:
"أبحث عن طفولتي فوق تلك الأحجار !"

نظر إليّ في دهشة، ولم يفهم شيئاً ممّا قلت !!

بحثت عن رفقاء الحيّ، لقد اشتقت لكل الناس وأريد أن أعرف أخبارهم، اجتمعت بصديقي الحميم، إنّ ملامحه كما هي سوى الشيب قد غزى مفرقه وظهر عليه تعب السنين، سألته عن كل شخص خطر على بالي، فراح يسرد لي ما إِعْتَرَى الناس منذ غادرت الحيّ:

- فلان سافر.
- فلان حرامي.
- فلان مخابرات.
- فلان في السجن.
- فلان في التموين.
- فلان في المحافظة.
- فلان تزوّج ولم نعد نراه.
- فلان عضو مجلس الشعب.
- فلان دكتور بوزارة الصحة.
- فلان ابن حرام يتسلّبط على الناس.
- فلان.. وفلان.. وفلان..

سألته:
وكيف علاقتك معهم ؟

فأجاب:
جيّدة مع البعض، والباقي على الطويل.

قلت: لماذا ؟

أجاب:
ضاعت الثقة بين النّاس وأصبحت العلاقة بينهم حسب المصلحة، لقد تبدّلت النفوس وتكبّرت ونسيّت الخبز والملح !

يا الله "الخبز والملح"، كل الذين ذكرهم لي يوجد بيني وبينهم خبز وملح!!

شرعت أتردد على الحيّ في كل فترة وأصلّي الجمعة في مسجد "أبي ذر الغفاري"، لقد قابلت بعض الذي ذكرهم لي، منهم من أبدى شوقاً وحباً بلقاءي ودعاني إلى بيته، ومنهم من تكلّم بغطرسة وتعالٍ، ومنهم من صرف نظره عنّي، لقد تغيّر القوم كما أخبرني صديقي.

تفقدت بقية الأحيّاء الأخرى لأطمأنّ عنها، فوجدتها منسجمة في ثلاث:

"الأنانية والكراهية واحتقار النعم"

أصبحت غريب في حارتي، وما أصعب المرء أن يكون غريباً في وطنه !

سافرت بحكم مهنتي إلى كافّة محافظات القطر، فوجدتها منحدرة ديناً وأخلاقاً مثل دمشق، فالنّاس تخشى بعضها، وتدوس على النعم وترميها بطراً وتكبّراً !!

لقد أسأنا جوار النعم فنَفَرَت من أيدينا مصداقاً لحديث رسول الله ﷺ عندما رأى في بيته كسرة خبز ملقاة فمسحها وقال:

"يا عائشة أَكْرِمِي جوار نعم الله فإنّ النعمة إذا نَفَرَتْ قلّما تعود"

لقد أخبرني بعض أصحابي المقيمين في دول الخليج، أنّ النعمة هناك تُركل بالأرجل وترمى في الزبالة، وتقذف الخراف المشوية المحشية في ناقلات القمامة كاملة دون أن يلمسها أحد.

لقد وصل جحود النعمة ونكرانها إلى بلاد المسلمين كافّة دون استثناء، وهذا لا يبّشر بخير !!

إذا تأمّلنا حالُنا اليوم بعيداً عن السياسة والحكم، وراجعنا أنفُسنا بدقة وحاسبناها، نجد أننا أعرضنا عن الله وعصيناه، وخالفنا شرعه وحاربناه، وتركنا سنّة نبيه ﷺ، وقبضنا رشوة، وعقّينا والدينا، وتبرّجت نساؤنا، وزادت الخيانة، وفشى الزنى وعمّت الأنانية، فسلَّط الله علينا عدواً من جلدتنا ذاقنا سوء العذاب، فكثر الغلاء والبلاء، وتشرّدت الأسر، ومات الناس جوعاً حتى اشتهت الأطفال قطعة الخبز التي كنّا نبوسها ونضعها على راسنا ونحن صغار !!

وخلاصة القول أنّ حالنا اليوم وما نراه من فقر  وبؤس وخوف وتشريد وقتل وتعذيب، جزاء عمل أيدينا لقوله تعالى:

{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} الروم: 41

والمخرج من هذا البلاء يبدأ بالتوبة إلى الله وترك المعاصي وهجر الشهوات وحب الخير للناس، فيتغير حالنا وتستجاب دعوتنا وينهزم عدونا لقوله تعالى:

{إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} الرعد :11

تمّت

7  نيسان 2016م

حكاية عائلتنا

          "قصة حقيقة تركت تسمية أبطالها للقراء"

عائلة عريقة يعرفها القاصي والداني اشتهرت بعلمها وثقافتها وفضلها على بقيّة العائلات حتى غدت أنشودة على ألسنة الناس جميعاً وتمنّى كل من سمع عنها يحلمُ في العيش بظلّها.

وفجأة جاءها شرّير بقوة السلاح وتسلّط عليها واستعبدها مع أبناءها، فقابلت شرهُ بإحسانها، وظلمه بعدلها، واحتضنته واستوعبته وعفت عنه لأن من شيمتها العفو!

لقد استغلّ هذا الشرّير طيبة قلب هذه العائلة فتدخلّ في شؤونها الإجتماعية والإقتصادية والفكرية، فسنّ قوانين قيّدت حركة أبناءها وحريّتهم وثقافتهم الدينية، وفرض عليها نوع المأكل والمشرب والملبس، وحجب عنها قراءة ودراسة أي شيء يظن أنه خطر عليه.

بدأ التململ في أبناء العائلة المسكينة وقارنوا نفسهم بعوائل أُخرى، فوجدوا فرقاً كبيراً بين حريتهم وحرية الآخرين، فاشتكا الأبناء إلى الآباء ليسمحوا لهم في التخلّص من هذا الشرّير، ولكن كبار العائلة وعلمائها  طلبوا من الأبناء التريّث والصبر لعلّ الله يجعل لهم مخرجاً، فعادوا إلى الإستسلام خوفة على أنفسهم من الضياع.

في ظل هده السنين الطويلة، كبر أولاد الشرّير وأخذوا أماكنهم في مواقع الإجرام والتسلّط، والعائلة صامته محتسبة تداري وتساير خشية على أولادها.

وفجأة شاء الله أن يُريح هذه العائلة من جبروت هذا الشرّير فأماته، وظنّ الأبناء أنّ المحنة قد انتهت بموت الشرّير كي يعيشوا بقيّة حياتهم بكرامة تغمرها السعادة.

ولكن حلمهم لم يطل، إذ أخذ مكان هذا الشرّير إبنه الذي تربى في حضن هذه العائلة الودودة ولعب مع أبناءها، وتعلّم في مدارسها، وكانت تُنفق عليه من خيرها حتى استقام عوده وأصبح شاباً.

لم تتفاجأ هذه العائلة الكريمة بجلوس الإبن مكان أبيه، لأنّها توسّمت فيه الخير كل الخير، فلقد ترعرّع في حضنها وشرب من لبنها وحليبها ورعته من كل سوء، فتنازلت له عن حقها وتناست ما فعله والده بها وبأبناءها، فلم تحاسبه على ما اقترف أبيه من قبل، والله تعالى يقول:

﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ الزمر 7.

فإيمان العائلة أبى أن يُحاسب الولد على جرم أبيه، فالنفس لا تحملُ حِمل غيرها وكل إنسان محاسب عن عمله، وهذا الإبن لم يفعل لها شيئ، ولهذا قررّت حضانته أميراًً كما حضنته طفلاً وديعاً" 

هذا ما دار في خلد هذه العائلة الطيبة فأيدته ونصرته ووقفت بجانبه وأحسنت ظنّها به، واعتقدت أنّها ستنال بعضاً من حقها التي افتقدته في ظل والده.

كانت الدهشة كبيرة لدى العائلة عندما وجدته يسير على نهج سلفه، وتذكرّت قصة الراعي الذي وجد ذئباً رضيعاً يُقاسي البرد في العراء، فأخذه وربّاه مع الشاة التي عنده وسقاه من لبنها وحليبها "كما فعلت هي بإبن الشرّير" وعندما كبر الذئب واشتد عوده تركه الراعي ليحرس الشاة، فهجم عليها الذئب وأكلها!

وعندما عاد الراعي ووجد آثار الدماء في فم الذئب وبقايا الشاة ملقاة بجانبه، أمسك الذئب من رأسه وقال له:

أكلتَ شويهتي وفجعتَ قلبي
وما أدراكَ أن أباكَ ذيبُ
إذا كانَ الطباعُ طباعَ سوءٍ
فلا لبنٌ يفيدُ ولا حليبُ

عاشت هذه العائلة فترة في ظل هذا الإبن العاقّ لعله يتذكّر فضلها ومعروفها وطعم لبنها وحليبها فلم تجد منه خيراً قط، بل ازداد قَسوة وجُحوداً ونكراناً.

استيقظ الأبناء يوماً على ضمير يحثهم ويناديهم:

إلى متى ستبقون أذلاّء !؟
إلى متى ستبقون صامتين؟
إلى متى ستبقون منهزمين؟
إلى متى..إلى متى؟
ألا يكفيكم أن عاش آباءكم ردحاً من الزمن دون كرامة؟
ألا يكفيكم أن عاش آبائكم ناكسي الرؤوس؟
متى تستيقظوا؟
متى تنهضوا؟

استجمع الأولاد قواهم وأرسلوا أحدهم إلى الأمير الشاب الذي تربّى عندهم يطالبونه بمساحة من الكرامة وقليل من الحرّية كي يتحرّكوا فيها!

أليس هذا من حقّهم؟

انتظروا واردهم كي يعود إليهم بالبُشرى، فلقد تأخر داخل قصر الأمير وربما يتناول مع الأمير طعام الغداء كما كانوا يفعلون صغاراً ولكنه لم يعد!

انتظروا طويلاً أمام القصر ليطل أخيراً حرّاس القصر ويلقوا بموفد الأبناء جثّة هامدة أمام إخوته.
فَهِمَ الأبنّاء الرسالة وقرّروا إزاحة هذا الشرّير الذي لا يرقب في أحد إلاً ولا ذمّة!

تجمّع الأبنّاء يطالبون بحقهم وينادون بحرّيتهم، فصبّ عليهم أميرهم سوط عذابه ونيران بنادقه، فسقط منهم من سقط وجرح منهم من جرح.

لقد كسر الأولاد جدار الرعب عند رؤيتهم أول قطرة دم تسقط منهم فأصرّوا على المضي في طلب حقهم مهما كلفهم ذلك من تضحيّات.

لقد رفضوا الذلّ الذي عاش به آبائهم، لقد أبوّ أن يورثّوه لأبناءهم كما ورثوه هم، ونهضوا جميعاً متحدين ليزيحوا هذا الكابوس عنهم، فاستعان هذا الشرير بأشرار الأرض كلها ليُعيد هذه العائلة إلى بيت الطاعة، واستمرّ الصراع !!

                                  * * *

لم يزل الأمير والأشرار مصرّين على تطويع هذه العائلة إلى حظيرة الطاعة، إلاّ أنّ الأبناء ظلّوا ماضين إلى صوت الضمير، ذاك الصوت الذي حفزّ مشاعرهم وحرّك فيهم الفطرة التي ولدوا عليها، إنّها فطرة "الحرية والكرامة".

فمقولة عمر بن الخطّاب رضي الله عنه.

"متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً"

أيقظت الأبناء من رُقادهم وزادتهم إصراراً في المضي لتحقيق أهدافهم أو الموت دونها.

اعتمد الأمير الشاب في مخططه الإذلالي على بعض أبناء هذه العائلة ممّن طوّعهم أباه الشرير من قبله.

لقد كان الأب ذكياً ماكرًا تمكّن من إدارة العائلة وبث الرعب فيها بعد أن اشترى الكثير من نفوس أبنائها بطرق ثلاث:

* المال
* النساء
* المنصب

هذه الطرق الثلاث كانت مفتاحًا للنفوس الضعيفة التي لا ترى أبعد من أنفها، تلك النفوس التي تدور في فَلك القوّة ظانّة أنّ دوام الحال ليس بالمحال، وقد نسيت جميعها نهاية قارون وهامان وفرعون.

لقد كان قارون من قوم موسى فاستعمله فرعون ليبغيّ على قومه ويذلّهم كي يكونوا عبيداً له طائعين، وهذا ما فعله والد الأمير، حيث اتبع الطريقة الفرعونية ذاتها في تطويع الأبناء ليكونوا عبيداً له، فجنّد بعضهم في مناصب القوة كأحذيةٍ له، يدوس بها من يشاء ثمّ يرميها عند الاهتراء.

إلا أنّ المثير للعجب أن مصير بعض أحذية الأب الشرّير كان الإنتحار، أو هكذا قالوا؟
أمّا ما تبقى منهم فانتعلهم الإبن الأمير كي يستمرّ في الدهس على البقيّة!

لقد عانى الأبناء أشدّ العناء من تلك الأحذية، فقد وصل بعض منها إلى درجة عالية في خدمة الأمير حتى أصبح له كلمة الأمر والنهي، فبنى القصور وأنشأ الأسواق ووظّف العمّال وجنّد الجنود لخدمته، وقد نسي أنّه حذاء سيُرمى عند الإهتراء.

انقسم أبناء العائلة إلى قسمين:

* قسمٌ استمرّ في مشروع الحريّة.
* وقسمّ قرّر العودة إلى العبودية رهبة من الأمير وطمعاً في مغرياته.

لكن هذا الإنقسام لم يطل، فقد استيقظ الجميع ذات يوم على صوت جنازة تسير في موكب أميريّ ضخم.

تساءل الجميع:
من الميت؟

أجاب الحرّاس:
حذاء الأمير!

شهق الجمع مذعورًا:
"كيف؟"

قال الحرّاس:
فسخه الأمير كي يلبس حذاءً جديداً!

عندها أيقن الأبناء أن كلّ من لا يُضّحي في سبيل حرّيتة فسيكون حذاءً رخيصاً في قَدَم الأمير يرميه عند الإهتراء.

انفضّ الجميع عن الجنازة مسرعين ليلتحقوا بموكب إخوتهم الأحرار قبل فوات الأوان!

10 آب 2014م

مع من نتكلّم؟

لقد بلغت حالات الطلاق بسبب وسائل التواصل الإجتماعي أعلى مستواها، فلم يعد لكلا الزوجين مانع في "خلوة إلكترونية" مع الشيطان إن لم يحسبان للرحمن حساباً، فهناك عشرات الرجال أكثر وسامة وأفحل رجولة من الزوج، وهناك عشرات النساء أكثر جمالاً وأرق أنوثة من الزوجة، كل هذا موجود مجاناً وبكثرة في وسائل التواصل الإجتماعي لدى الطرفين.

طلّقني !
هكذا قالت لزوجها بكل بساطة بعد أن سمعت كلاماً معسولاً من الذي يحاورها على الماسنجر لم تسمعه من زوجها !!

إخوتنا وأخواتنا الأحبّاء:
هذا موضوع جداً خطير ولا أحد معصوم منه، وقد خلق العديد من حالات الفوضى الإجتماعية، كطلّاق الزوجة وانحراف الإبن وضياع البنت وجنون الأم وإنهيار الأب، وكل هذا حصل ومازال يحصل مع الأقرباء والأصدقاء والأهل، ومقالتنا هذه للإشاره والتنبيه على بعض النقاط عسى الله أن يُبعد عنّا كيد الشيطان.

لقد بدت مواقع التواصل الإجتماعي من أهم أسباب الطلاق منذ أن دخلت بيوتنا، فلقد أنتجت تفاعلات جديدة في علاقة الأسرة مع بعضها أدّت إلى تعمّيق الفجوة والعزلة والتنافر بين أفرادها، فكل فرد له عالمه الخاص يتكلّم ويتواصل بالصوت والصورة مع من يشاء دون رقيب، ممّا أدّى إلى تفكك الأسرة وفرط عقدها..أو..أوشكت على ذلك.

ومن أنواع هذه الوسائل:
"الفيسبوك، والتويتر، والوتس آب، والڤايبر"

لا شك أنّ النّاس بحاجة للإتصال والتواصل فيما بينها لتبقى صلة الرحم قائمة، فقبل وجود هذه الظاهرة كانت زيارات الناس لبعضها  تُقام إسبوعياً بشكل فردي أو جماعي في سهرة الخميس من كل إسبوع تقريباً، فيوم الجمعة عطلة رسمية عند الكثير.

ولكن مع تطّور التكنولوجيا وصرعة الإنترنت، تعددت وسائل التواصل فسهلّت العلاقات بين الناس وخاصة لهؤلاء الذين يقطنون في الأماكن البعيدة والمسافرين خارج البلاد، مما جعلت هذه الوسائل تنتشر بسرعة لتحلّ مكان الزّيارات الإسبوعية تدريجياً.

أحبتنا الكرام:
إن وسيلة التواصل نعمة من الله أنعمها علينا للإستفادة منها بالشكل الصحيح، وأبواب الخير والشرّ مفتّحة كي ندخل منها متى نشاء، وهناك كثير من النّاس أنعم الله عليهم قد طرقوا باب الخير فيها.

* منهم من نشر الكتب المفيدة.

* ومنهم من جمع الأهل ليتابعوا أخبار بعضهم.

* ومنهم من جعلها دار معرفة فأطّلع الناس على ثقافة الشّعوب.

* ومنهم من قدّم للناس برامج وارشادات في تطّوير المجتمع.

* ومنهم من أقام علاقات جديدة مفيدة ووطّد علاقات سابقة.

* ومنهم من جعلها وسيلة تقريب وجهات نظر في الأمور الخلافية.

* ومنهم من جعلها بادرة في تذّكر المناسبات.

ومنهم من...ومنهم من...

فالخير كثير والحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها.

وهناك صنف آخر من النّاس استحوذ عليهم الشيطان فطرقوا باب الشر فيها وأساءوا إستعمالها، فانعكست سلباً على حياتهم ودمّرت بيوتهم كالتي قالت لزوجها بعد أن شغفها غيره حباً:
طلقني !

فلا يجعل أحداً للشيطان مكاناً في خلوته الإلكترونية، فيقول الرجل وتقول المرأة:

هو مثل أخي وهي مثل أختي !

لا..فكلاهما يكذبان، فهو ليس أخوها وهي لست أختهُ !!!

أعزّاءنا الكرام:

موضوع التواصل الإجتماعي موضوع كبير ويحتاج إلى حلقات، ولقد حاولت جاهداً أن أختصره إلى حدّه الأدنى كي لا يشعر القارئ بالملل، ونرجوا من كل عائلة أن تتوخّى الحذر مع أبناءها وبناتها في هذا الأمر.

فالأب هو المسؤول الأول في مشاهدة أولاده عندما يشاركون في هذه البرامج، والأم هي المسؤولة الثانية في هذه المهمة كي لا تنعكس مشاركتهم سلباً على الأسرة والمجتمع، وسنوجز هنا بعض النصائح في هذا الأمر:

* الإنتباه من المواقع والبرامج المخصصة لتدليس الدين على المسلمين وتدمير عقيدتهم !

* عدم ترك الأولاد وحدهم، فحب الإندفاع والمغامرة تجعلهم يغوصون في مواقع وبرامج لا ترضّونها.

* الإنتباه من الشبكات العنكبوتية المتخصصة في اصطياد النّاس من الجنسين، فيوجد عندهم فريق شيطاني يقرأون الأفكار من خلال التصفّح، ويجّرفون الناس رويداً رويداً في طرُق شيطانية أنتم في غنى عنها.

* لا تصاحبوا من لا تعرفوا بإرسال وقبول صداقات، وخاصة الصغار.

* الإلتزام بالحلال والإبتعاد عن الحرام، فكلٌّ مسؤولٌ عمّا ينشر من طاعة أو معصية.

* قراءة الكتب المفيدة وما أكثرها، العلمية والفكرية والدينية والإجتماعية والفقهية.

* التثبت من الخبر قبل نشره وخاصة في حال الموت والحياة.

سؤال يجب طرحه دائماً:

مع من نتكلّم ؟!

19 شباط 2016م

حدث في مسجدنا.. لا تؤخِّروا الجنازة.. الجنازة أولاً..

آخر ما ينتفع به الميت في الدنيا هو الصلاة عليه والدعاء له. ومن المؤسف أن يُبتلى بعض أئمة المساجد بتقديم صلاة السُّنّة البعدية على صلاة الجنا...