الخميس، 7 أكتوبر 2021

مولد الرسول ﷺ

دعوة لتوحيد الصفوف

يتكرر الخلاف بين المسلمين كل عام حول أمور اجتهادية مثل مسألة الاحتفال بمولد النبي ﷺ، ولا يزيد ذلك الأمّة إلا انقساماً وضعفاُ، بينما يتألّم العقلاء مما وصلت إليه حال المسلمين من تفرّق وهزائم، في الوقت الذي يتّحد فيه الأعداء على سفك دماء المسلمين وتمزيقهم !

الإسلام ينادي بالوحدة، إلا أن المسلمين ينقسمون نتيجة جهل موروث منذ عقود، فصراع المؤيدين للاحتفال بالمولد النبوي ومعارضيه ما زال قائماً، بينما يتعرض المسلمون للقتل والتعذيب والتهجير واحتلال أراضيهم، دون أن يفرق العدو بين من يحتفل بالمولد ومن يعارضه.

لذلك، ندعو الجميع إلى تجاوز الجدال واحترام اجتهادات بعضهم بعضاً، كما كان الصحابة رضي الله عنهم يختلفون في المسائل الفقهية ويظلون متآخين ومتعاونين، فالمسلمون متفقون على الأصول الثابتة وأركان الدين، فلا نجعل من الخلافات الفرعية سبباً للفرقة والعداوة.

حبّ النبي ﷺ واتباع سنته واجب على كل مسلم، وقد عبّر الصحابة عن حبهم له بالمدح والشعر، من أمثال: حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، والعباس بن عبد المطلب، وكعب بن مالك، وكان رسول الله ﷺ يُعظّم يوم مولده بصيام يوم الإثنين من كل أسبوع، وقال: ذاكَ يوم وُلدتُ فيه. رواه مسلم.

لذلك، لنبتعد عن الفرقة والتشرذم والتعصّب بالرأي، ونسعى جاهدين لوحدة المسلمين ليكونوا جسداً واحداً متماسكاً كالبنيان، وألا نُعين أعداء الأمة بانشغالنا بخلافاتنا، فنكون ممن قال الله فيهم:

﴿الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾.

فلنحرص على ألا تُقيّد عقولنا بمسائل فيها سعة واجتهاد، ولنترك الجدل الجانبي، ونضع همّنا الأوحد في جمع صفوف المسلمين وتعزيز تعاونهم ووحدتهم.


السبت، 21 أغسطس 2021

الله غالب على أمره

على مدى عشرين عاماً لم نقرأ أو نسمع من النخبة الإسلامية المتصدّرة للوعظ والتنظير والدروس الدينية أي شرح وتفصيل عن حركة طالبان الإسلامية وعقيدتها.

طوال العشرين عاماً الماضية ونحن نعتقد أن طالبان حركة سلفية جهادية وهابية قاعدية، غايتها إقصاء الغير والإستحواذ بالحكم، لم يخبرنا أحد أن حركة طالبان حركة وطنية صوفية ماتريدية حنفية، غايتها تحرير بلادها من المستعمر الأجنبي وأذنابه في البلاد.

كان جهد النخب الإسلامية مدّخراً للصراع بينها وتعميق الخلاف بين المسلمين، نخبة متخصصة بالخلاف السياسي، وأخرى متخصصة بالخلاف الفقهي، وأخرى بالخلاف العقدي، وأشدها.. النخبة المتخصصة بالخلاف الفكري (السلفي الصوفي) والتي تصل بينهما إلى التكفير، وأغرب تلك النخب، النخبة المتخصّصة لهدم التاريخ الإسلامي، ابتداءاً من الدولة الأموية ومؤسسها !

كنا ننظر إلى طالبان نظرة ريبة عقدية فقهية، لم ندري أن طالبان تعرضت للتشوية والشيطنة من المجتمع الدولي على رأسهم أمريكا، والتي أرعبت كل من يثني او يؤيّد طالبان، وبالتالي توهمت الأمة الإسلامية ان طالبان حركة تكفيرية إقصائية طوال عقدين من الزمن، حتى كشف الله الغمة عنها ونصرها على عدوها، واستطاعت تبرأة نفسها من جميع التهم التي حاكت ضدها.

كان ذنبُ طالبان أنها رفضت تسليم "أسامة بن لادن" لأمريكا رغم اختلافها معه، ولأن دينها وفقهها لا يسمح لها بتسليم مسلم لعدو، وبالتالي ضحت بخيرة شبابها وقيادتها وعاشت في الجبال مطاردة، وقد شنّت امريكا مآت الآف من الغارات جربت غالبية اسلحتها عليها ولم تهزمها، وكل هذا سببه المحافظة على الوعد بعدم تسليم إبن لادن.

كنا نشاهد فيديوهات الجنود الأمريكيين وهم يقنّصون أنصار طالبان في الجبال وكأنهم يلعبون لعبة بالفيديو.. ويضكحون !

وبعد أن حقق الله النصر لطالبان وعادت إلى افغانستان فاتحة منتصرة، بدات أقلام النخب تنفث وتطرح عن طالبان كل المعلومات الخاطئة الموروثة عن إعلام الغرب وصحافته، لقد عادت النخب تعترف بأحقّية طالبان بإدارة بلادها.

ياليت النخب الإسلامية تكرس جهدها في لمّ شمل الأمة، والإبتعاد عن خلافاتها الثانوية والتي زادتها شرذمة وكرهاً، وتدع تاريخها الإسلامي المشرّف، وتتوقف من الهجوم عليه وشيطنته.

تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ.


نتمنى من الله أن يعمّ الأمن والأمان والإستقرار لأفغانستان، ويعيد وحدة الشعب ضد اعدائه.

21 آب 2021م



الخميس، 8 يوليو 2021

عودةُ الأميرة

ومرّت السنينُ.. والتقينا..

وقفتُ على بابها.. وسادَ الصمتُ.. كانت منهارة..

جالسةٌ على ركبتيها.. كئيبةٌ.. حزِينَةٌ.. تبكي..

سألتها: مَا بك؟

أجابت ودموعُها على خديّها:

استباحني شُذَّاذُ الآفَاقِ..
ووطَأَني الرُّعَاعُ والأَوغَادُ..

اقتحموا منزلي..
وانتهكوا حُرمتي..
ودنّسوا مَسجدي..
وسجنوني..

نشروا الرُّعبَ..
وأَشَاعَوا الفَوْضَى..
فرحَلَ الأَنَامُ..

وبقيتُ وحيدةً.. بلا أهلٍ.. ولا أَحِبَّةً..

فلَم يَعد بالدارِ دَيَّار..

كَسَروا النَّوافيرَ..
فجَفَّ الماءُ.. ويَبِسَ العريشُ.. وذَوَى الجُوريُّ..

وتصلَّبَ اللَّيمُونُ وَالنّارنجُ..
وارتحلَ الزهرُ والريحانُ..
وَمَاتَ الياسَمينُ..

وشَرَدَت القِطَطُ..
وَطَارَ الحَمَامُ..

ومَضَت العَصَافِيرُ..
ونَوَى الدَّورِيُّ..

ولم يبقى عندي أحد..

فأحاطني الحزنُ والألمُ..
وانتابني اليَأسُ والقنوطُ..

قلتُ: تمَهَلي..

فرَمَقتني بلومٍ وعِتَابٍ..
وتنهَدَت..

ودَعَتني للدخول..

تفحّصُتُ عينيها..
فعانقتني..

فشَمَمّتُ طيبَها..
وهَمَستُ بِأُذنِها..

يا جنّةَ الأرضِ انهَضي..
لا تحزني..

أنتِ حُبِّي وصَبوَتي..
وسُهدي وَأَرَقي..
ونَبضُ قَلبي..

أنا ما زلتُ على العهدِ حبيبتي..
فأبشري..

فإذا بالخيلِ تصَهَلُ..
تَدُكُّ سنابِكِها الأَرضَ..

وتعالت فوقها الأصواتُ..
يا أميرةَ الشامِ..

يا أميرةَ الشامِ عُدنا..
لَا تقنَطي مِن رَحمَةِ الله..

فنهَضَت بعباءةٍ بيضاءَ لامعةً..
تحملُ بيدِها مِشعَلاً..

وسَترَت بِجدَائِلها الطَّويلَةِ السَّودَاءِ..
فتحةَ ثوبِها القُطنيِّ الأحمَر..

منتعِلةً بِقدَميهَا الغار..

وفوقَ رأسِها إكليلُ الورُودُ..
تعلُوهُ هَالَةٌ مِن نُور  ..

فبدا وجهُهَا كالبدرِ..
في ليلةٍ غابَ عنها القمر..

وصرَخَت بأعلى صوتِها..

الحمدُ للهِ لقد عادوا أَجنادي..

فتدفّقت مياهُ النوافيرُ..
واخضرَّ العريشُ..
وتدلّىَ العِنَبُ..

وَلاَنَ الليمونُ والنارنجُ..
وتفتّحَ الياسَمينُ..

وشَذَا الزهرُ والريحان..

وفاحَ الجوريُّ..
وانتشرَ العِطرُ في كلِ مكان..

وارتسَمَت بالأفُقِ علاماتُ النصر..

وبدا مَشهدٌ صَمَتَ فيهِ الكلام..

نظرتُ مَذهُولاً..
وفرَكتُ عينيَّ..
يا الله..

إنّها الحقيقة..

لقد عَادَت الأميرة !

 9 تموز 2019 م


الأحد، 20 يونيو 2021

جزاء ما كسبت أيدينا


نشأنا في حيٍّ من أحيّاء دمشق القديمة، حيٌ محافظ على القيّم والأخلاق والمبادئ كبقية أحيّاء دمشق والمدن السورية الأخرى.

تربى أطفال الحيّ على مخافة الله وحفظ النعم ومساعدة الآخرين، كانت حياة النّاس بسيطة وخالية من التعقيد، فطابع أحيّاء دمشق وحاراتها متداخلة ومتواصلة مثل طبيعة سكّانها، وبالتالي جميع العائلات الدمشقية تعرف بعضها في كل المناطق.

يوجد في حارتنا ثلاثة أحجار كبيرة تظلّها شجرتان كبيرتان منذ زمن بعيد، إحداها شجرة "الكينا" ذات أوراق رائحتها زكية، تحمل ثمر أخضر صغير ذو رأس مدبب، نقطفه ونفتله بأصبعينا على سطح مستوي فيبرم ويدور كالبلبل، والثانية شجرة "الدلب" ثمرتها خضراء صغيرة كروية مثل الجارنك يخرج منها وبر ناعم، نغمسها بالكحول ونشعلها لتتقاذفها راحة كفيّنا كالطابة، ونحن نصرخ ونضحك.

فالأحجار والأشجار أيقونة طفولتنا، فعليها نقبع وفوق الأغصان نختبى في لعبة الغمامة (الطمّيمة) !!  

طبيعة دمشق وأحيّاءها في ذلك الزمان متكاتف ومتحد، ولا يستطيع الغريب العبث فيها، فإن رأينا رجل أو امرأة من خارج حيّنا يدخل حارتنا نسأل بلهجة طفولية:

"وين بدّك تروح عمو ؟"
"وين بدّك تروحي خالة ؟"

نطرح سؤالنا من باب المساعدة والفضول، ونمشي بصحبة الزائرين حتى يدخلوا البيت الذي ذكروه، فنحن نعرف كل بيت ومن يقطن فيه !

لقد تربيّنا منذ نعومة أظافرنا على وصية:
"ساعدوا الغريب والمحتاج"

بخلاف تربية الأوربيين لأطفالهم  وعبارتهم:
"لا تتكلّموا مع الغرباء !!"

ومن الأشياء التي تعلّمناها أيضاً منذ الصغر ومازالت متأصلة في داخلنا إلى الآن هي:

"مداراة حفظ النعم"

فإذا سقطت قطعة خبز من أحدنا على الأرض، فيلتقطها ويمسحها ويُقبلها ثلاث مرات مع وضعها على رأسه احتراماً لها، ثمّ يأكلها !

ومن لا يفعل ذلك يُعاقب توبيخاً بالكلام وضرباً على اليدين مع تسميعه عبارة:

"حرام عليك، هي نعمة الله، لمّها وبوسا وحطّها على راسك وكلها"

هكذا تربيّنا منذ الصغر عند سقوط هرهورة خبزة أو كعكة أو حبّة رز، أمّا إن كانت كسرات الخبز من إهمال غيرنا وملقاة في الطريق، فيجب حملها وتقبيلها ووضعها في مكان مرتفع لتأكلها الطيور، لقد تعلمنا احترام نعم الله حتى لا تزول من أيدينا !!

كانت والدتي رحمها الله في كل فترة من الفترات، ترطّب الخبز اليابس بالماء وتأكله رغم وجود خبز طازج أمامها !

حاولت تقليدها فلم استطع ابتلاع الخبز المبلل ولم تستسيغه نفسي، وعندما أسألها:

"لماذا تفعلين هذا يا أمي والخبز التازة موجود أمامك ؟"

كانت تجيبني رحمها الله: 

"هكذا كنّا نفعل عندما كنّا صغاراً !"

صراحة لا أدري إصرارها على أكل الخبز اليابس المبللّ أمامنا، هل هو حقّاً حنين الطفولة، أم هو قدوة لنا في حال احتاج الأمر ؟!

في كل الأحوال، هذا ما تربيّنا عليه بالفطرة سواءً كان صح أم خطأ.

هاجرت إلى الولايات المتحدة في الربع الأخير من القرن المنصرم حاملاً معي هذا الموروث الثقافي المحافظ، وتفاجئت بثقافة الشعوب هناك ترمي الطعام والخبز وكثير من النعم في حاويات الزبالة دون مبالاة، وكانت صدمتي أكبر عندما وجدت الجاليات المسلمة تفعل ذلك أيضاً، وخاصة في المراكز الإسلامية والكافتريات الموجودة فيها !!

لم أجد أحداً يلتقط الخبز ويقبله ثلاثاً ويضعه على رأسه ويأكله ويقول:

حرام !!!!!

عدت إلى دمشق بعد غياب طويل وسكنت خارج الحيّ الذي ترعرعت فيه، فوجدت ظاهرة رمي الخبز على الأرض وفي القمامة قد تسللت إلى حارتنا، كأنّ ثقافة احتقار النعم في أمريكا سبقتني إلى دمشق !! 

ذهبت إلى حيّنا المحافظ شوقاً إليه، فوجدت كثيراً من معالمه قد تبدّل مثل بقية أحيّاء دمشق الأخرى !

لقد تغيّرت ملامحه وأُدخل عليه طراز العمارة الحديثة، وهُدِمَت بعض منازله الأثرية وأنشأ مكانها أبنية بعدّة طوابق، واخترقت أزقته شوارع عامّة ممّا جعل كثير من أهالي الحيّ يغادروا إلى الريف كبقيّة أهالي الأحيّاء الأخرى !!

وقفت على حافة الرصيف أنظر إلى أيقونة طفولتنا التي كنت أجلس فيها، فوجدت الأحجار كما هي ولكن الشجرتان اختفتا !

سألني أحد أطفال الحيّ وهو يشاهدني أتأمل المكان باستغراب:

"عمو على شو عم ادوّر ؟" 

نظرت إليه فرأيت نفسي أسأل غرباء الحيّ في ذاك الزمان، مسحت على رأسه الصغير وقلت:
"أبحث عن طفولتي فوق تلك الأحجار !"

نظر إليّ في دهشة، ولم يفهم شيئاً ممّا قلت !!

بحثت عن رفقاء الحيّ، لقد اشتقت لكل الناس وأريد أن أعرف أخبارهم، اجتمعت بصديقي الحميم، إنّ ملامحه كما هي سوى الشيب قد غزى مفرقه وظهر عليه تعب السنين، سألته عن كل شخص خطر على بالي، فراح يسرد لي ما إِعْتَرَى الناس منذ غادرت الحيّ:

- فلان سافر.
- فلان حرامي.
- فلان مخابرات.
- فلان في السجن.
- فلان في التموين.
- فلان في المحافظة.
- فلان تزوّج ولم نعد نراه.
- فلان عضو مجلس الشعب.
- فلان دكتور بوزارة الصحة.
- فلان ابن حرام يتسلّبط على الناس.
- فلان.. وفلان.. وفلان..

سألته:
وكيف علاقتك معهم ؟

فأجاب:
جيّدة مع البعض، والباقي على الطويل.

قلت: لماذا ؟

أجاب:
ضاعت الثقة بين النّاس وأصبحت العلاقة بينهم حسب المصلحة، لقد تبدّلت النفوس وتكبّرت ونسيّت الخبز والملح ! 

يا الله "الخبز والملح"، كل الذين ذكرهم لي يوجد بيني وبينهم خبز وملح!! 

شرعت أتردد على الحيّ في كل فترة وأصلّي الجمعة في مسجد "أبي ذر الغفاري"، لقد قابلت بعض الذي ذكرهم لي، منهم من أبدى شوقاً وحباً بلقاءي ودعاني إلى بيته، ومنهم من تكلّم بغطرسة وتعالٍ، ومنهم من صرف نظره عنّي، لقد تغيّر القوم كما أخبرني صديقي.

تفقدت بقية الأحيّاء الأخرى لأطمأنّ عنها، فوجدتها منسجمة في ثلاث:

"الأنانية والكراهية واحتقار النعم"

أصبحت غريب في حارتي، وما أصعب المرء أن يكون غريباً في وطنه !

سافرت بحكم مهنتي إلى كافّة محافظات القطر، فوجدتها منحدرة ديناً وأخلاقاً مثل دمشق، فالنّاس تخشى بعضها، وتدوس على النعم وترميها بطراً وتكبّراً !!

لقد أسأنا جوار النعم فنَفَرَت من أيدينا مصداقاً لحديث رسول الله ﷺ عندما رأى في بيته كسرة خبز ملقاة فمسحها وقال:

"يا عائشة أَكْرِمِي جوار نعم الله فإنّ النعمة إذا نَفَرَتْ قلّما تعود"

لقد أخبرني بعض أصحابي المقيمين في دول الخليج، أنّ النعمة هناك تُركل بالأرجل وترمى في الزبالة، وتقذف الخراف المشوية المحشية في ناقلات القمامة كاملة دون أن يلمسها أحد.

لقد وصل جحود النعمة ونكرانها إلى بلاد المسلمين كافّة دون استثناء، وهذا لا يبّشر بخير !!

إذا تأمّلنا حالُنا اليوم بعيداً عن السياسة والحكم، وراجعنا أنفُسنا بدقة وحاسبناها، نجد أننا أعرضنا عن الله وعصيناه، وخالفنا شرعه وحاربناه، وتركنا سنّة نبيه ﷺ، وقبضنا رشوة، وعقّينا والدينا، وتبرّجت نساؤنا، وزادت الخيانة، وفشى الزنى وعمّت الأنانية، فسلَّط الله علينا عدواً من جلدتنا ذاقنا سوء العذاب، فكثر الغلاء والبلاء، وتشرّدت الأسر، ومات الناس جوعاً حتى اشتهت الأطفال قطعة الخبز التي كنّا نبوسها ونضعها على راسنا ونحن صغار !! 

وخلاصة القول أنّ حالنا اليوم وما نراه من فقر  وبؤس وخوف وتشريد وقتل وتعذيب، جزاء عمل أيدينا لقوله تعالى:

{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} الروم: 41

والمخرج من هذا البلاء يبدأ بالتوبة إلى الله وترك المعاصي وهجر الشهوات وحب الخير للناس، فيتغير حالنا وتستجاب دعوتنا وينهزم عدونا لقوله تعالى:

{إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} الرعد :11

تمّت
نيسان 2016م


الثلاثاء، 4 مايو 2021

اللألوء والانتماء الملتبس

هذا لألوء، وهذه لألوءة، وتلك عائلة كاملة من اللآليء، ليس الأمر حكاية فردٍ عابر، بل سيرةُ طبعٍ إنسانيٍّ يتكرّر، ويورّث، ويتخفّى في الوجوه، كما يتخفّى الغبار في الظل قبل أن يكشفه الضوء، طبع يتكاثر حيثما وُجد الكلام، ويُقيم حيث يسهل التلوّن.

فاللألوء ليس اسماً، بل وصفٌ لحالة كائنٌ هشّ الانتماء، ليّن المواقف، لا يستقرّ على رأي، ولا يقيم في معنى، كائنٌ يجيد ارتداء الوجوه، وتبديل المواقف، يتبدّل كلما تبدل الجو، ويجيد الاصطفاف حيث تكثر الأصوات، لا حيث تُختبر القيم، كلامه وفير، لكنه بلا أثر، يمرّ على السامعين مرور الظل، فلا يوقظ سؤالاً ولا يصنع موقفاً.

وفي الذاكرة الشامية، حيث للكلمات جذور ضاربة في الحكايات، يقولون للمرأة الطائشة التي لا تهدأ، ولا تحفظ سرّاً، وتنقل الكلام من عتبةٍ إلى أخرى:

«حاجة لألأة من بيت لبيت».

وفي دروب حياتنا نصادف كثيراً من اللآليء، نلتقي بهم في القربى، وبين الصحبة، وفي أرجاء السياسة واليوميات، نعرفهم من خلال وجوههم المتعددة والمتموجة مع كل موقف كما تتماوج المياه حول الصخور، غير أن السؤال يبقى:

من أين جاءت هذه الكلمة، وكيف استقرّ معناها في اللسان والوجدان؟

كانت بلاد الشام، وما زالت، فسحةً للتلاقي لا ساحةً للصراع، تعايشت فيها الأديان السماوية جنباً إلى جنب، وامتزجت فيها العادات والتقاليد حتى سادت روح الاحترام في تفاصيل الحياة.

لم يكن الاختلاف سبباً للقطيعة، بل باباً للمعرفة، حيث احتفظت الطقوس بقدسيتها، وحظي الآخر بمكانته واحترامه.

وفي دمشق، المدينة التي تعانقت فيها القباب والمآذن مع أبراج الكنائس، ارتفعت المعالم حتى صارت مأوى للطيور المهاجرة، وكان طائر اللقلق، بطبيعته الباحثة عن العلوّ، أحد روّاد تلك القمم.

ففي زمن بعيد، حلّق لقلقٌ مهاجر فوق برج كنيسةٍ عتيقة، واستقرّ ليبني عشه بين الحجر العتيق والبرج الشامخ.

 كان الطائر صغير الحجم، لكنه مليء بالجرأة، ينثر القشّ والذَرَق (مخلفات الطائر) في كل مكان، كأنه يعلن بفخر.. هنا مكاني!

أما الشمّاس (الذي يقرع الجرس)، فكل دقة من جرس البرج، كانت طعنة صغيرة من تساقط القشّ والفضلات فوق رأسه بلا رحمة، وكأن الطائر يتهكم عليه ويذكره بوجوده عند كل نداء.

تضاعف غضب الشمّاس مع كل لحظة، وضيّق صدره حتى غاص قلبه في الحيرة والانزعاج، لكنه لم يستطع الصمت أكثر ،فاندفع إلى الكاهن بخطوات عجولة وصوت يرتجف من الغضب، ليشكو له هذا الطائر المتهور الذي حوّل برج الكنيسة إلى ميدان صراع يومي، كأنهما خصمان في مسرح صغير، كل منهما يطالب بحقه، الطائر بالمأوى، والشمّاس بالهدوء والسكينة.

أشار الكاهن للشماش بحيلةٍ لا تخلو من دهاء: لحمُ جملٍ مملّح، وخمرٌ موضوعٌ على مقربة من اللقلق، يأكل الطائر، فيعطش، ثم يشرب ويسكر ويترنح ويخذله الجناح، فيغدو صيداً سهلاً.

ولمّا داخ اللقلق وأعجزه الشراب وسقط في الأسر، أمسكه الشمّاس، وخاطبه ساخراً يُحاكمه بالشرائع كلّها، أيها اللألوء:

لستَ يهودياً، فأكلت لحم الجمل وهو محرّم على بني إسرائيل.

ولستَ نصرانياً، فدنّستَ الناقوس، ولا يفعلها النصارى.

ولستَ مسلماً، فشربت الخمر، وهو محرّم في دينهم.

فمن أي مِلّةٍ أنت يا لألوء؟!!

ومن تلك الحكاية وُلدت الكلمة، لا لتصف طائراً، بل لتصبح مرآةً لمن لا ينتمي إلا للحظة، ولا يخلص إلا لمصلحة، ولا يعرف من الهوية سوى ما يحميه من المساءلة، وما أكثر اللآلئ كلما شحّت المواقف.

وهكذا بقي اللألوء حيّاً في اللغة، له في الواقع أشباه كثيرة، تلمع في الظلّ قبل أن تختفي بلا أثر.


الجمعة، 9 أبريل 2021

الحلم الإسلامي

راود المسلمون حلم "الوحدة الإسلامية" قرون عدة رغم أنّهم مجتمعين في كثير من الأصول كأركان الإسلام والإيمان، إلّا أنّهم لا يزالوا مختلفين لتحقيق وحدتهم في تحديد أول يوم من شهري رمضان وشوال.

قام علماء الفلك والحساب في عصر الحضارة الإسلامية بوضع القواعد والمعايير الدقيقة للتنبؤ بالأهلّة ودراسة الكواكب، وانتشرت تلك المعايير لعدة قرون في معظم أنحاء العالم الإسلامي، وبتلاشي تلك الحضارة تدريجياً لعوامل تاريخية جمّة وتوقّف الإجتهاد ،وفشَل المسلمين وتفرّفهم وذهاب ريحهم، تحوّلت العديد من الدول الإسلامية إلى إعتماد السنة الميلادية تقويماً رسمياً لها لتسهيل المعاملات التجارية، ممّا أدى إلى إهمال التقويم الهجري واتساع فجوة الخلل في التنبؤ وحساب الأهلة !!!

ولهذا...
يشهد عالمنا الإسلامي كل سنة تبايناً واختلافاً في تحديد أول يوميّ رمضان وشوال، لكون بعض البلاد تعتمد على الرؤية بالعين المجردة، و دول تعتمد الحساب الفلكي، و دولّ أخرى تجمع بين الإثنين معاً، بينما كافّة المسلمون في العالم يعيشون في دوّامة هذا الإختلاف، وخاصة الذين يقيمون في قارّتيّ أوروبا وأمريكا !! 

قال الله تعالى في سورة الرحمن الآية "5":
{الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ}

وقال الله أيضاً في سورة الأنعام آية "96":
{وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ}

لقد ذهب بعض العلماء إلى أنّ الشمس والقمر مضبوطان بدقة الحساب، والتقدير هنا معناه الحساب.

قال رسول الله ﷺ:
"صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته فإن غمّ عليكم فأكملوا عدّة شعبان ثلاثين يوماً"

وقال رسول الله ﷺ أيضاً:
"إنَّا أمَّة أمِّيَّة لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا، يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين "
(رواه البخاري)

فهل رسول الله ﷺ يحثنا على الجهل وهو الذي أُنزِلَ عليه القرآن بإقرأ ؟ حاشاه أن يفعل !

أم أنهّ يحثنا على العلم كي ننفذ من أقطار السموات والأرض ونحسب للشمس والقمر لقوله تعالى:

{يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ} الرحمن: "33"


الفقرة التالية منقولة..
احتضنت مدينة إسطنبول التركية مؤتمر "توحيد الشهور القمرية والتقويم الهجري الدولي 2016م، شارك فيه فقهاء وفلكيون من قرابة 60 دولة، برعاية من رئاسة الشؤون الدينية التركية، وبالتعاون مع مركز الفلك الدولي بالإمارات العربية المتحدة، ومركز "قنديللي" التابع لجامعة البوسفور التركية، و"المجلس الأوروبي للإفتاء".

ونقلت وكالة الأناضول التركية عن رئيس الشؤون الدينية التركي، محمد غورماز في اختتام المؤتمر قوله، إن المجتمعين "توافقوا على تطبيق التقويم الهجري الأحادي، في جميع أنحاء العالم".

وأوضح أنه "بعد النقاش الذي جرى لمدة 3 أيام، تم اقتراح التصويت على التقويمين الأحادي والثنائي، عبر تصويت سري"، مؤكدا أنه "تم التوافق على التقويم الأحادي"، الذي يقضي بصيام كل المسلمين في يوم واحد، ويعتمد على الرؤية الفلكية للهلال.
انتهى النقل..

نرجو الله أن يقرّ أعيننا، ويجمع فرقتنا، ويوحّد كلمتنا، ويهدنا سبل الرشاد.

9 نيسان 2021م

الأحد، 4 أبريل 2021

وقفة في أعيّاد الفصح

كان اليهود والنصارى يحتفلون بعيد الفصح في اليوم الرابع عشر من نيسان، ثمّ انفصل النصارى عن اليهود في القرن الرابع الميلادي بعهد الإمبراطور "قسطنطين" فأصبح الفصح فصحان، فصح يحتفل فيه اليهود، وفصح يحتفل فيه النصارى.

* فصح اليهود:

 يقع الفصح عند اليهود في شهر نيسان أو شهر آذار، حسب تلاؤم السنة الشمسية والقمرية في الإعتدال الربيعي، فاليهود يعتمدون على دورتي الشمس والقمر معاً.

والفصح عندهم عيداً دينيّاً ووطنيّاً عظيماً في ذكرى خروجهم من مصر، هروباً من فرعون وتحرّرهم من عبوديّتة.

 لقد كان خروجهم مفاجئاً فلم يتأهبوا لإعداد مؤونتهم، ولم يتمكنوا من تخمير العجين وإنتظار الخبز حتى ينضج، فأكلوه عجيناً بدون تخمير، فأصبح الفطير من دون تخمير عبادة ومنسَكاً في يوم فطرهم يتقرّبون بها إلى الله.

ومن طقوس العيد أيضاً، التخلّص من كل المأكولات المصنوعة من العجين المختمر عشية حلول عيد الفصح واستعداداً له.

قال تعالى:
{وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا} يونس: 90


* فصح النصارى:

هو أعظم الأعياد عند المسيحية وأكبرها، يقع في الأحد الأول بعد بدر القمر الذي يلي بداية الربيع، أي بعد 21 آذار.

ويرتبط عيد الفصح بصلب المسيح عيسى عليه السلام وموته عصر يوم الجمعة التي يسمونها "الجمعة الحزينة"، ثمّ قيامه يوم الأحد من قبره بعد ثلاثة أيام من دفنه، ويطلقون عليه "أحد القيامة".

تصوم النصارى أربعين يوماً قبل الفصح عن أكل اللحم ومشتقاته ذات اللون الأبيض، ويسمونه "البياض" ويتضمّن:

"البيض والحليب واللبن والسمنة والزبدة"

ثمّ يجتمع الأهل والأقارب في وقفة حزن جماعية يفطرون فيها عصر يوم الجمعة التي تسبق "أحد القيامة". 

قال الله تعالى:
﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا* بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾
النساء: 157-158

ملاحظة:
لا يزال يوجد خلاف في تحديد يوم الفصح عند النصارى بين الكنيسة الشرقية والغربية.

4 نيسان 2021م


حدث في مسجدنا.. لا تؤخِّروا الجنازة.. الجنازة أولاً..

آخر ما ينتفع به الميت في الدنيا هو الصلاة عليه والدعاء له. ومن المؤسف أن يُبتلى بعض أئمة المساجد بتقديم صلاة السُّنّة البعدية على صلاة الجنا...